الاعتقال السياسي أفكار و مواقف لتطوير النقاش

شارك Share Partager

إن تناول موضوع الاعتقال السياسي باعتباره موضوعا فكريا و سياسيا يطرح العديد من الإشكالات و التساؤلات التي تدخل ضمنيا ضمن إطار قضايا الخط الفكري و السياسي و هي قضايا، كما سوف نعالج لاحقا، جدية و حساسة، باعتبار أن لها تداعيات مباشرة على الممارسة العملية من جهة و على صيرورة تطور الخط الفكري و السياسي نفسه.

إن تناول أية قضية جدية يستدعي أولا و قبل كل شيء الانتباه و اليقظة اتجاه المنهج الذي نتناوله بها، إذ أن هذا الأخير يرسم في حدود كبيرة الإطار الفكري العام الذي يحكمنا، الذي يحدد بدوره عن أي موقع طبقي نعبر و عن أي معالم طبقية ندافع.

لذلك نستطيع القول أن تناولا صحيحا لموضوع الاعتقال السياسي من وجهة نظر علمية، يتطلب أول الأمر تناوله من الناحية النظرية. بمعنى تحديد هذا المفهوم نظريا و تبيان حدوده التاريخية إن صح القول.

لكن التناول النظري لموضوع مثل الاعتقال السياسي الذي يعتبر موضوعا سياسيا بامتياز يتطلب أيضا إثارة العديد من القضايا و التساؤلات السياسية المرتبطة بالممارسة الثورية في واقع محدد تاريخيا.

كيف نفهم الاعتقال السياسي من الناحية السياسية؟ و كيف يجب أن نتعاطى معه؟ و حول هذا السؤال المركزي تتفرع أيضا أسئلة لا تقل أهمية عنه لرسم إطار و تصور واضح حول الموضوع خصوصا تلك المتعلقة بكيفية تعاطينا كشيوعيين (ات) مع المعتقلين السياسيين؟ هل يجب النضال من أجل دعم المعتقلين السياسيين؟ أو بصيغة أدق و أوضح، لماذا يشكل النضال من أجل دعم المعتقلين السياسيين واجبا سياسيا على القوى الشيوعية؟ وهل يجب دعم المعتقلين السياسيين بغض النظر عن خلفياتهم الأيديولوجية و السياسية؟ أم أن هذا الموقف السياسي مشروط؟ بصيغة أوضح أيضا هل يجب الدفاع و دعم المعتقلين السياسيين الحاملين و المدافعين عن تصور رجعي مثل الظلاميين و الفاشيين و غيرهم؟ وما هي واجبات الشيوعيين (ات) اتجاه المعتقلين السياسيين بشكل عام و المعتقلين السياسيين الشيوعيين بشكل خاص؟ و بأي تصور يجب النضال على هذه الجبهة؟ هل التصور الحقوقي أم التصور الشيوعي؟ و هل يجب الاعتماد على القانون من أجل الدفاع عن المعتقلين السياسيين؟ ماهي حدود هذا البعد القانوني و ما هي مخاطره؟

إن الإجابة على هذه التساؤلات تدخل ضمن محاولة الإلمام بموضوع الاعتقال السياسي نظريا و سياسيا و هي المهمة التي سوف نأخذ على عاتقنا فيما سوف يأتي من هذا المقال الذي نعتبره تطويرا لنقاش الاعتقال السياسي و ليس إجابة شاملة عنه.

الاعتقال السياسي قضية طبقية

إن الاعتقال السياسي هي مسألة مرتبطة بشكل كلي بالصراع الطبقي و هو يشكل إحدى تجليات الحظر و الديكتاتورية التي تمارسها الطبقات السائدة ضد الطبقات و الفئات المسودة. فالاعتقال السياسي من هذا المنظور هو شكل و تجلي من التجليات المتعددة التي تمارس بها الديكتاتورية الطبقية. إنه شكل من أشكال القمع السياسي الذي تمارسه الطبقة أو الطبقات الحاكمة ضد أعدائها و خصومها السياسيين بواسطة و من خلال جهاز الدولة التي تقدمها الطبقات الحاكمة بوصفها أداة « فوق الطبقات » و أداة لتسيير و تنظيم شؤون المجتمع و « المواطنين ».

إن البرجوازيين و خصوصا مفكري البرجوازية الصغيرة الذين يحاولون بشتى الطرق نفي حقيقة الدولة و يحاولون تشويهها بوصفها أداة للتوفيق بين الطبقات هم الاكثر مطالبة بدولة « الحق و القانون ». غير أن الدولة كما يعلمنا ماركس هي » هيئة للسيادة الطبقية، هيئة لظلم طبقة من قبل طبقة أخرى، هي تكوين « نظام » يمسح هذا الظلم بمسحة القانون و يوطده ملطفا اصطدام الطبقات (لينين- الدولة و الثورة ص 17). فالدولة من المنظور الماركسي تشكل الأداة الأساسية و الأولى لبسط السيطرة السياسية لطبقة على الطبقات الأخرى، إن مفكر ماركسي مثل إنجلز قد أشار الى هذه المسألة بقوله :  » وبما أن الدولة قد نشأت من الحاجة إلى لجم تضاد الطبقات، و بما انها قد نشأت في الوقت نفسه ضمن هذه الاصطدامات بين هذه الطبقات فهي كقاعدة عامة دولة الطبقة الأقوى السائدة اقتصاديا و التي تصبح عن طريق الدولة الطبقية السائدة سياسيا أيضا و تكتسب على هذه الصورة وسائل جديدة لقمع الطبقة §المظلومة و استثمارها » (ص369 – 370 .. نفس المرجع السابق 6 التسطير لنا) و هذا القمع قد يتخذ أشكالا متنوعة ومختلفة باختلاف الظروف السياسية وحتى الثقافية في بعض الأحيان، غير أنه ،في آخر التحليل، قمع سياسي تمارسه الطبقة المسيطرة ضد أعدائها و خصومها. ان احدى الاشكال الرئيسية لهذا القمع هو الاعتقال السياسي الذي يتعرض له خصوم و أعداء الطبقات المستغِلة و المسيطرة. و من هذا المنظور فإن الاعتقال السياسي له مضمون طبقي محدد تاريخيا، و لذلك فهو يشكل قضية طبقية تظل ملازمة للمجتمعات الطبقية جميعها بدون استثناء بما فيها المجتمع الاشتراكي نفسه. غير ان مضمونه و شكله يختلف من المجتمعات المبنية على الاستغلال و المجتمعات التي تشكل مرحلة للقضاء على الاستغلال. فأين هي أوجه التشابه و أوجه التمايز بينهما؟

إن الاعتقال السياسي ليس ظاهرة خاصة بالأنظمة العسكرية أو أنظمة الحكم المطلق، بل هو كما سبق و ان أوضحنا سابقا، مرتبط بتواجد الطبقات و هو تعبير عن التضاد بينها.

غير أن حدة الاعتقال السياسي قد تختلف باختلاف الظروف السياسية في هذا البلد أو ذاك، فحتى بالدول الامبريالية التي يدعي مفكروا البرجوازية و البرجوازية الصغيرة بأنها الأوفر ديمقراطية في وقتنا الراهن، يشكل الاعتقال السياسي ممارسة ملازمة لها ضد من يمس بمصالح الطبقة المسيطرة. صحيح أن حدة الاعتقال السياسي هي أقل بكثير منها بالدول شبه المستعمرة و الشبه الاقطاعية في المرحلة الراهنة. غير ان هذا الاختلاف ليس مرده ان تلك الدول هي أوفر ديمقراطية من الأخرى، أبدا، فالإمبريالية هي الرجعية على طول الخط كما اكد عن حق لينين ما من مرة. إن الاختلاف يرجع أساسا إلى مستوى تطور الصراع الطبقي بهذه البلدان الامبريالية و تلك البلدان التبعية و تاريخ هذه البلدان الامبريالية وحده كفيل بتسليط الضوء على هذه الحقيقة. لن نعود بالتاريخ الى مراحل النهوض الثوري العاصف حيث نكلت البرجوازية بحاملي المشروع البروليتاري و لم تكتفي باعتقالهم بل تم اغتيال المئات و الالاف منهم في فترة الستينات و السبعينات حيث نمى الوعي الثوري و برزت المنضمات الثورية بهذه البلدان الامبريالية، فجندت البرجوازية كل قوتها لقمع هذه الحركات و اغتالت مناضليها و القت بالكثيرين في السجون. بإيطاليا، الولايات المتحدة، فرنسا، اليونان، اسبانيا،… الخ، كان مصير جل الثوريين الاعتقال أو الاغتيال، و اليوم ايضا لازال بهذه الدول، العديد من المناضلين و أساسا الثوريين(ات)، عرضة للاعتقال و النماذج كثيرة و متعددة نذكر هنا الرفيق جورج إبراهيم عبد الله الذي لازال خلف قضبان سجون الامبريالية الفرنسية بالرغم من أنه انهى مدة حكمه الغاشم، إن قضية جورج عبد الله توضح حقيقة الديمقراطية التي يتغنى بها الغرب و الدول الامبريالية، حقيقة الديكتاتورية الاكثر تعفنا ووقاحة.

إن ما يجعل الاعتقال السياسي بهذه الدول أقل حدة منه اليوم بالدول التبعية، انما هو حالة الوضع السياسي العام بتلك البلدان، أي مستوى تطور الصراع الطبقي بها. فالدول الامبريالية بامتصاصها لقسم من فائض القيمة الذي تنتجه الطبقة العاملة بالدول شبه المستعمرة و شبه الاقطاعية، و باستغلالها لخيرات هذه الدول قد استطاعت رشوة فئة عريضة من الطبقة العاملة بدولها و حققت نوعا من « الرخاء » (الذي اصبح مهددا مع نمو أزمتها الاقتصادية) لفئة عريضة من البرجوازية الصغيرة و المتوسطة مما جعل الانتهازية تسيطر على أغلب المنظمات الجماهيرية جاعلة منها منظمات في خدمة البرجوازية و السياسات الامبريالية. لكن مع ذلك فان الجماهير بتلك الدول تنتفض ما من مرة نظرا لعدم قدرة الامبريالية على تجاوز أزمتها التي تولد الفقر و البطالة و التهميش، ففي مثل هذه اللحظات تظهر حقيقة الديمقراطية التي يتغنى بها إيديولوجيوا البرجوازية، و يظهر العنف السياسي و ما وقع في اليونان و في الولايات المتحدة و في اسبانيا و بلجيكا و فرنسا دليل ساطع على ذلك.

لقد وضح الرفيق ماو هذا الجانب من المسألة عندما أكد أن منطقة العواصف قد انتقلت اليوم من الغرب إلى الشرق، أي من الدول الامبريالية إلى الدول التبعية حيث تتركز أزمة الرأسمالية كلها، ففي هذه الدول حيث الاستغلال مزدوج، استغلال الطبقات المستغِلة و استغلال الامبريالية تتفاقم الازمة و تظهر أكثر حدة و تظهر معها ضرورة وجود أنظمة أكثر استبدادية للحفاظ على مصالح الطبقات السائدة و مصالح أسيادهم الإمبرياليين. إن حدة الصراع الطبقي بهذه البلدان هو اليوم أكثر حدة منه بالدول الامبريالية و معه تكون اشكال الديكتاتورية الطبقية أكثر حدة و اكثر سفورا و منها تزداد حدة الاعتقالات السياسية للمعارضين للأنظمة القائمة و لسياساتها الرجعية. بالإضافة الى ان الطبقة الاكثر سيطرة و التي تشكل عماد الطبقات المسيطرة بالبلدان الشبه مستعمرة و الشبه اقطاعية هي الطبقة البرجوازية البيروقراطية، الطبقة الأكثر تعفنا و رجعية و دموية.

كل ذلك يجعل و يحدد الفوارق الحالية بين حدًة الاعتقالات السياسية بالدول الامبريالية و الدول التبعية في المرحلة الراهنة من الصراع الطبقي الأممي.

إن الاعتقال السياسي هو شكل من الاشكال التي تمارس بها طبقة ديكتاتوريتها ضد طبقة آخرى و لما كان المجتمع الاشتراكي نفسه مجتمعا طبقيا، فهل يستمر في ظله الاعتقال السياسي؟

« إن كل دولة بما فيها الجمهورية الأوفر ديمقراطية، ليست الا الة قمع في يد طبقة ضد أخرى، أما الدولة البروليتارية فهي آلة قمع في يد البروليتاريا ضد البرجوازية و هذا القمع ضروري بسبب تلك المقاومة المسعورة اليائسة غير المتورعة عن شيء، و التي يبديها الملاكون العقاريون، و الرأسماليون، كل البرجوازية، وكل أعوانها، كل المستغِلين عندما تبدأ الإطاحة بهم، عندما يبدأ إنتزاع ملكية مغتصبي الملكية (لينين: رسالة إلى عمال أوربا و أمريكا).

ان البرولتاريا مثلها مثل جميع الطبقات الأخرى، تحتاج من أجل بسط سيطرتها السياسية الى الدولة كأداة لبسط ديكتاتوريتها ضد الطبقات المهزومة، فبدون هذه الديكتاتورية الطبقية يستحيل على البروليتاريا (و أي طبقة آخرى) الحفاظ على السلطة السياسية بيدها. لقد كانت هذه النقطة بالذات محط جدال قوي لماركس ضد البرجوازية و البرجوازيين الصغار و كانت محط جدال حاد للينين ضد انتهازيي الأممية الثانية و على رأسهم كاوتسكي.

إن الانتقال من الرأسمالية الى الشيوعية، هو مرحلة تاريخية كاملة و طالما لم تنتهي، يظل المستثمرون يحتفظون حتما بأمل العودة، بأمل يتحول إلى محاولات للعودة. (لينين : الثورة البروليتارية و المرتد كاوتسكي ص 32) وقد أثبت التاريخ ما من مرة صحة هذه النظرية بالاتحاد السوفياتي، بيوغسلافيا و بالصين، إن البرجوازيون لا يتوقفون أبدا عند سقوط قلاعهم بل بالعكس يصبحون أكثر شراسة و أكثر خداعا و يناضلون بحزم من أجل استرجاع فردوسهم المفقود.

إن البروليتاريا تحتاج إلى الديكتاتورية، غير أنها و ان كانت في مضمونها الطبقي ديكتاتورية (و هي ديكتاتورية الأغلبية ضد الأقلية) فان البروليتاريا لا تسعى في أفقها الاستراتيجي إلى تثبيت دعائم أداتها الطبقية أي الدولة، بل إنها توفر شروط إضمحلالها التام، لكن المرحلة الممتدة من استلاء البروليتاريا على السلطة و إقامة ديكتاتوريتها الطبقية الى اضمحلال الدولة هي مرحلة طويلة جدا و عنيفة جدا و قاسية جدا، هي مرحلة من الصراع الطبقي الاكثر غموضا في أعين القاعدة الكبيرة من الجماهير التي تربت مئات السنين في كنف المفاهيم البرجوازية حول الحق و الحرية و المساواة و غيرها.

لكن بالرغم من ان البروليتاريا هي بحاجة ماسة لقمع أعدائها الطبقيين و بالرغم من انها بحاجة الى الدولة كأداة لذلك فان هذه الدولة ليست هي شكلا نفس الجهاز الذي بنته و أسسته البرجوازية بل بالعكس فإن ماركس قد أوحى للبروليتاريا بعدم الاحتفاظ بجهاز الدولة القديم بل دعى الى تدميره و تحطيمه و بناء جهاز دولة من نوع جديد ابدعته البروليتاريا الفرنسية إبان الكمونة و أعطته البروليتاريا السوفياتية شكله الأكثر اتساقا منذ ثورة 1905 : السوفيات و أخذ أشكالا مختلفة إبان الثورة الصينية.

إن شكل الدولة في ظل ديكتاتورية البروليتاريا يجب أن ينسجم و مضمونها بوصفها ديكتاتورية الأغلبية على الأقلية لكنه في آخر المطاف جهاز قمع طبقة ضد آخرى و هو بذلك يمتلك وسائل القمع، لكن عوض جهاز البوليس البيروقراطي الذي ينشر الرعب وسط الجماهير ينتصب جهاز آخر من الجماهير نفسها: المليشيات الشعبية، و الشعب المسلح، و عوض البرلمانات البيروقراطية تنتصب السوفيتات و المجالس الشعبية …. الخ.

لكن مع ذلك تظل البروليتاريا بحاجة ماسة إلى ممارسة ديكتاتوريتها ضد الرجعيين، ففي ظل المجتمع يستمر الصراع الطبقي و قد يأخذ اشكالا حادة إلى ابعد الحدود فكيف يجب ان تتعاطى البروليتاريا مع أعداءها؟ لقد أثير هذا الاشكال ما من مرة وسط الحركة الشيوعية العالمية، و لازال إلى اليوم يثير العديد من الاشكالات النظرية و السياسية، في الصين قدم الخط الثوري اجابته على النحو التالي:

« هل يمكن ان نسمح بأية مساواة في المسائل الاساسية مثل نضال البروليتاريا ضد البورجوازية ودكتاتورية البروليتاريا في مجالات البناء الفوقي بما فيها مختلف المجالات الثقافية ونضال البروليتاريا من اجل مواصلة تطهير الحزب من ممثلي البورجوازية الذين تسربوا اليه والذين يلوحون بالراية الحمراء لمكافحة الراية الحمراء بالذات! لقد ظل الديمقراطيون الاشتراكيون القدامى طوال عشرات السنين والمحرفون المعاصرون منذ اكثر من عشر سنوات لا يسمحون للبروليتاريا ان تتمتع بأية مساواة مع البورجوازية. انهم ينكرون تماما حقيقة ان تاريخ البشرية الذي يرجع الى آلاف السنين هو تاريخ الصراع الطبقي ، وينكرون تماما الصراع الطبقي الذي تخوضه البروليتاريا ضد البورجوازية ودكتاتورية البروليتاريا على البورجوازية . فهم بالضبط عملاء اوفياء للبورجوازية والامبريالية يتمسكون معهما بالايديولوجية البورجوازية الداعية الى اضطهاد واستغلال البروليتاريا وبالنظام الاجتماعي الرأسمالي من ناحية ، ويعارضون معها الايديولوجية الماركسية اللينينية والنظام الاجتماعي الاشتراكي من ناحية اخرى . اذن فهم جماعة من العناصر المعادية للثورة الذين يعارضون الحزب الشيوعي والشعب ، ونضالهم ضدنا هو نضال حياة او موت ليست فيه اية مساواة على الاطلاق . لذا فان نضالنا ضدهم لن يكون بدوره الا نضال حياة او موت ، وان علاقتنا معهم ليست علاقات مساواة بأي حال من الاحوال ، بل هي علاقات اضطهاد طبقة لطبقة اخرى ، أي الدكتاتورية او الحكم الاستبدادي الذي تمارسه البروليتاريا على البورجوازية ولا مجال لوجود اية علاقات اخرى مثل علاقة المساواة المزعومة او علاقة تعايش سلمي بين الطبقات المستغلة والطبقات المستغلة او علاقة قائمة على المروءة والشفقة . »( اخطار من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني)

بأي تصور يجب مناهضة الاعتقال السياسي، و بأي تصور يجب الدفاع عن المعتقلين السياسيين؟ هل بتصور حقوقي أم بتصور شيوعي؟

ينطلق التصور الحقوقي عامة من قاعدة المساواة بين الناس و بين « المواطنين » و على أرضية هذه القاعدة يتأسس كل الإطار العام لما يسمى « بحقوق الإنسان » الذي يشكل المرجعية الفكرية لكافة المواقف السياسية التي يرفعها أصحاب هذا التصور بما فيها الموقف من الاعتقال السياسي و كيفية التعاطي معه.

إن الانطلاق من قاعدة المساواة بين أفراد المجتمع هي إحدى الوسائل المفضلة لدى البرجوازية لتشويه وعي الجماهير و هي تدخل في صميم الإيديولوجية البرجوازية التي تحاول إخفاء الجوهر الطبقي لأجهزتها القمعية وعلى رأسها جهاز الدولة.

و يحاول العديد بل أغلب المفكرين الإيديولوجيين للبرجوازية تثبيت هذه القاعدة و نشر فكر المساواة بين المواطنين حتى أصبحت المساواة لديهم مجرد مفهوم عام فارغ من أي مضمون تاريخي و غير مرتبط بالواقع المادي و بطبيعة علاقات الإنتاج القائمة و بالطابع العدائي و غير المتساوي لهذه العلاقة لا في « الحقوق » ولا في « الواجبات » و لا في أي شيء آخر.

إن الانطلاق من قاعدة المساواة بين أفراد المجتمع هو تحريف للواقع و تشويه له، تشويه المراد منه تزييف وعي الجماهير و حجب الحقيقة عنها، ليس حقيقة غياب المساواة، فتلك الحقيقة تشكل مركز دعاية الحقوقيين، بل حقيقة استحالة المساواة في مجتمع طبقي تنعدم فيه شروط تأسيس المساواة. و مثل هذا التصور يحرف حتى اتجاهات النضال، فعوض النضال ضد الشروط المادية التي تمنع قيام المساواة تتجه المجهودات نحو وهم تحقيق المساواة في ظل علاقات انتاج اجتماعية تمنع تحقيقها.

إن الانطلاق من قاعدة المساواة بين أفراد المجتمع، هو أساس الدعاية البرجوازية حول المساواة أمام الحق و أمام القانون و أمام الدولة التي كثفها السياسيون البرجوازيون في شعار « دولة الحق و القانون » الذي تنبثق عنه مختلف الشعارات السياسية الاخرى التي يرفعها اصحاب التصور الحقوقي مثل الشعارات المرتبطة بمناهضة الاعتقال السياسي و المطالبة بالحرية، حرية التعبير، و الحرية الفكرية .. و « المحاكمات العادلة » و غيرها.

إن التصور الحقوقي يناضل من أجل تحقيق المساواة بين جميع الناس و ينشر الاعتقاد و الوهم بإمكانية تحقيق هذه المساواة في ظل مجتمع طبقي تستحيل فيه المساواة بين افراده، و هو بذلك ينمي وعيا مشوها برجوازيا للمساواة و يحرف اتجاهات النضال السياسي أمام الجماهير حيث تصبح الواجبات السياسة انطلاقا من هذا التصور هي تنظيم النضال من أجل تحقيق المساواة داخل المجتمع و « بناء دولة الحق و القانون » و « العدالة الاجتماعية » و غيرها من الشعارات البرجوازية. إن التصور الحقوقي هو تصور إصلاحي في مبادئه و في افقه.

لكن عندما يرفع الشيوعيون شعار مناهضة الاعتقال السياسي يربطونه بأصله الطبقي و يحدد مضمون شعارهم ضد الاعتقال في الدعاية السياسية ضد النظام و ضد الطبقة المسيطرة، في التشهير السياسي بالنظام و تبيان حقيقة جهاز الدولة و جهاز البوليس و جهاز القضاء باعتبارها أدوات من أجل قمع الجماهير و بسط ديكتاتورية طبقة ضد الطبقات الشعبية الأخرى.

إن التصور الشيوعي يناضل من أجل القضاء على الشروط المادية التي تنتج الاعتقال السياسي، و ينشر بين الجماهير الوعي باستحالة تحقيق المساواة في ظل مجتمع منقسم إلى طبقات متناقضة و متصارعة، و انطلاقا من هذا التصور تصبح الواجبات السياسية مركزة في النضال من أجل توفير الشروط للقضاء على الانظمة الرجعية و الاستغلالية. أي الانتظام في حزب من أجل الثورة لا حزب من أجل الاصلاحات.

إن كل من التصور الحقوقي و التصور الشيوعي يرفعان معا شعارات مناهضة للاعتقال، غير أنهما ينطلقان من مرجعيات مختلفة و متناقضة، إن هذان التصوران يحددان اتجاهات النضال و الواجبات السياسية المنبثقة عنه.

بالنسبة للحقوقي، يتحدد الافق السياسي في النضال أجل بناء دولة « الحق و القانون » و « سيادة القانون » و « استقلال القضاء » في ظل مجتمع طبقي متناحر.

بالنسبة للشيوعي يعلن من البداية، استحالة كل ذلك بدون تهديم النظام و إسقاطه، تبيان استحالة ذلك بدون قلب علاقات الإنتاج، و منه يتحدد اتجاه النضال في التهيئ و القيام بالثورة.

وعلى أرضية هذا الفهم و التصور الذي يحدد اتجاهات النضال، تتحدد أيضا الواجبات السياسية اتجاه الاعتقال السياسي و اتجاه المعتقلين السياسيين.

بالنسبة للتصور الحقوقي الذي يناضل من أجل « دولة الحق و القانون » و « سيادة القانون » تكريسا لمبدأ « المساواة »، تصبح الواجبات السياسية اتجاه الاعتقال السياسي ذات بعد قانوني و تصبح الواجبات اتجاه المعتقلين في تحسين وضعية اعتقالهم داخل السجن، أو في التعريف بهم كأشخاص أو كمناضلين و بالقمع و الاضطهاد الذي تعرضوا له و في توفير شروط « المحاكمة العادلة »، و ذلك شبيه من الناحية النظرية، بلص مجرم يحاول سرقة شخص ما، و نحن تتحدد واجباتنا اتجاه هذا الوضع في مطالبة اللص المجرم بعدم السرقة، أو بعدم استعمال العنف أو العنف المفرط في جريمته أو أن نضع له قواعد و قوانين أقل إجحافا لكنها تظل قواعدا لتنظيم السرقة و لتنظيم الإجرام لا للقضاء عليه.

بالنسبة للتصور الشيوعي الذي يناضل من أجل القيام بالثورة في أفق القضاء على الشروط المادية التي تنتج الاعتقال السياسي تصبح الواجبات السياسية اتجاه الاعتقال السياسي ذات بعد سياسي، و تصبح الواجبات اتجاه المعتقلين ليس فقط في تحسين وضعية اعتقالهم داخل السجن، و في التعريف بهم كمناضلين و بالقمع و الاضطهاد الذي تعرضوا له بل في الدعاية للمشروع الثوري و للقضية التي اعتقلوا من اجلها و الاستفادة من ذلك للتشهير بالنظام تشهيرا سياسيا ينمي وعي الجماهير و يفتح اعينها حول الطريق الصحيح: طريق الثورة.

ففي ظل الأنظمة الاستبدادية، حيث تغيب أبسط مظاهر الحريات السياسية،و تسعى دائما الى قمع أي تحرك نضالي تخوضه الطبقات و الفئات المضطهدة، فلا يكاد يمر يوم دون أن نسمع عن قمع وقفة، أو اعتقال و محاكمة مناضلين، ايقاف الجرائد، حجب المواقع الالكترونية… إن كل القوانين التي تسنها الأنظمة الرجعية (القوانين المنظمة للصحافة، الاضراب، الاحزاب، الجمعيات…) و التي تسعى إلى تضييق دائرة الخطوط الحمراء و تشرعن الحضر العملي و المنع « القانوني » لأي تحرك نضالي يخرج عن الاتجاهات المرسومة سلفا، فبقوة قانونهم يتم حل العديد من الجمعيات و الأحزاب أو عدم الترخيص لها، و بقوة قانونهم أيضا تقمع نضالات المضطهدين و يزج بالشرفاء داخل أسوار السجون، و بقوة قانونهم الرجعي تهدم المنازل فوق رؤوس الفقراء و تغلق المدارس في وجه أبناء الشعب…

هذه الأنظمة الفاسدة، حين لا يسعفها قانونها، فهي لا تتوانى في سلك الأساليب الأكثر وساخة، فمن تلفيق التهم عبر محاضر مطبوخة، إلى تعذيب المناضلين و ترهيبهم في أقبية المخافر، وصولا إلى الاغتيال السياسي. ليصبح القمع و الاعتقال السياسيين نمط يومي في ممارسة الأنظمة الرجعية، لا تستثني كل الطبقات و الفئات المتضررة و الرافضة.

إن الشيوعي لا ينفي اهمية القيام بالإصلاحات ولا ينفي ضرورة الاستفادة من كل ما يمكنه خدمة المعتقلين السياسيين و خدمة القضية التي اعتقلوا من اجلها، مثل القانون، لكن الاعتماد على القانون في التعاطي مع ملف الاعتقال السياسي هي مسألة محدودة جدا بالنسبة للشيوعيين، حدودها تكمن في إرباك الدولة و تبيان عنفها و عدم التزامها حتى بالقوانين التي تضعها بنفسها، و الاستفادة من ثغرات القانون لتبيان ما سبق أو لتخفيف حدة العقوبات على المناضلين، هذا في الوقت الذي نقبل ضمنيا وجود قضاء مستقل أو قضاة يلتزمون بالقوانين و فقط و ليس بتعليمات أجهزة المخابرات.

لكن المسألة الأهم هنا من الناحية السياسية و النظرية هي ربط الاعتقال السياسي بالقانون، و هي النظرة التي تعكس فهما برجوازيا مشوها للاعتقال السياسي فبالنسبة للحقوقي يشكل القانون مركز النضال ضد الاعتقال السياسي و تتحدد واجباته السياسية اتجاهه في « إضفاء الطابع الديمقراطي على القوانين » وتثبيت « سيادة القانون  » داخل المجتمع.

إن هذا التصور يحمل فهما برجوازيا لطبيعة القانون، فهم يحاول إخفاء الطابع الطبقي للقانون و جوهره المرتبط بمسألة الدولة. فالقانون من الناحية الفلسفية ليس مفهوما أو مقولة فوق تاريخية، أي أنه لا يقف فوق التاريخ الاجتماعي كشيء أبدي ، ثابت و مستقل عن الزمان و المكان، بل إن للقانون جوهر طبقي تاريخي محدد، و هو ليس مجرد قواعد لتنظيم حياة أفراد المجتمع و علاقتهم ببعضهم البعض ( و إن كان شكليا ذلك) بل إنه مجموعة من « القواعد » التي تقدمها الطبقة المسيطرة من خلال جهاز الدولة، لفرض ديكتاتوريتها الطبقية. وعلى ضوء هذا الفهم تتشكل حدود الاعتماد على القوانين للنضال ضد الاعتقال السياسي أو لدعم المعتقلين السياسيين.

هل يجب النضال من أجل دعم المعتقلين السياسيين المدافعين عن تصور رجعي؟

إن التبعات السياسية لكل تصور فكري هي مسألة في غاية الاهمية و سوف نحاول ان نوضح احدى التبعات السياسية للتصور الحقوقي من مسألة الاعتقال السياسي.

حول هذا السؤال يجيب أصحاب التصور الحقوقي بنعم، بل هناك أيضا من يدعي « الانتماء » الى الماركسية أو الماركسية اللينينية و يذهب في نفس الاتجاه، حجج هؤلاء السادة متنوعة من الناحية الشكلية لكن لها نفس المضمون كما سوف نوضح لاحقا، حجج تتنوع بين القول بعدم صحة تجزيء قضية الاعتقال السياسي و الطابع الكوني و الشامل لحقوق الانسان و بين القول بعدم السكوت عن القمع الذي يتعرض له الانسان بغض النظر عن الطبقة التي ينتمي لها. بل يجب استعمال هذا القمع للدعاية و التحريض ضد النظام و ضد الدولة متذرعين بلينين عندما أكد: أنه  » لا يمكن أن يكون وعي الطبقة العاملة، وعيا سياسيا حقا إذا لم يتعود العمال الرد على كل حالة من حالات الطغيان و الظلم و العنف و سوء الاستعمال على اختلافها بصرف النظر عن الطبقة التي توجه اليها » (ما العمل؟) و غالبا ما ينسون تتمة كلمات لينين القائلة  » بشرط ان يكون الرد من وجهة نظر الاشتراكية الديمقراطية، لا من أية وجهة نظر أخرى » (لينين: ما العمل؟).

و بالرغم من أن كلمات لينين هذه تطرح قضية التشهير السياسي حصرا ، فإن هناك من يحاول استعمالها لتبرير دعم المعتقلين الرجعيين، صحيح أنه يجب الاستفادة من كل مظاهر الظلم و الطغيان و القمع الذي يمارسه النظام الرجعي من أجل رفع الوعي السياسي للعمال و للجماهير، و صحيح أن هذا التشهير السياسي يجب أن يكون بغض النظر عن الطبقة التي تعرضت لهذا الظلم و القمع، لكن من وجهة نظر شيوعية، ذلك يعني التشهير بمن يملك أدوات القمع و لا يعني الدعاية لمن يتعرض للقمع، من وجهة نظر شيوعية دعم المعتقلين السياسيين هو عمليا يحقق هذفيين اثنين، أولا : التشهير بالنظام الرجعي الذي يقمع، ثانيا: أنه ضمنيا يمارس الدعاية لصالح المعتقل السياسي و يحقق تعاطف الناس معه و يمارس ضمنيا الدعاية للمشروع السياسي الذي يحمله المعتقل السياسي و هو المشروع الذي قد يكون رجعيا أو حتى فاشيا.

ان الاستفادة من مظاهر الظلم و الطغيان و القمع تعني، من وجهة نظر شيوعية، التشهير بالنظام الرجعي الذي يمارس القمع و كذا التشهير بالمشروع السياسي الرجعي بغض النظر عن حامله هل هو خلف القضبان أم خارجها.

إن الاستفادة من مظاهر الظلم و الطغيان و القمع من أجل التشهير بالنظام الرجعي و تكثيف هذا التشهير يهدف من بين ما يهدف الى رفع درجة الوعي السياسي لدى العمال و الجماهير و ليس إلى تشويه وعيهم ،و هذا يتطلب الجرأة على نقد الذي يقمع لكن حتى المقموع إذا ما كان نفسه يحمل مشروعا رجعيا.

و بغض النظر عن كل ذلك فان الاستفادة من مظاهر الطغيان و الظلم و القمع .. الخ لا تعني بتاتا و لا يمكن ان نستنتج منها انه يجب التضامن أو دعم هذه الطبقة التي تتعرض للقمع أو تبني وجهة نظرها في ذلك خصوصا إذا ما تحدثنا عن طبقة رجعية أو عن ممثليها الفكريين و السياسيين.

إن دعم المعتقلين السياسيين ذوي المشروع الرجعي، ليست فقط وسيلة للتشهير بالنظام القائم بل هو أيضا وسيلة للتعريف بهؤلاء المعتقلين و كسب تعاطف الجماهير معهم وهو وسيلة تحقق عمليا نشر و كسب تعاطف مع مشروعهم الرجعي و هو بذلك وسيلة لتقوية مشروع رجعي لا يختلف مضمونا مع ما يمثله النظام القمعي في شيء.

إن هذا الموقف الذي يطالب بدعم جميع المعتقلين السياسيين بصرف النظر عن مشروعهم الفكري و السياسي و الاهداف التي يناضلون من أجلها و التي اعتقلوا من اجلها إنما هو مثل من يتقدم خطوة إلى الأمام و يخطو معها خطوتان الى الوراء.

يتقدم خطوة إلى الأمام عند التشهير بالقمع و بالنظام الرجعي الذي يمارس القمع حتى يعزله وسط الجماهير و ينمي لديها الحقد عليه، و يخطو خطوتان الى الوراء عند دعم المعتقلين السياسيين الحاملين لمشروع و أهداف رجعية لأنه يقوي هؤلاء الرجعيين و يكسب تعاطف قسم من المجتمع معهم (الخطوة الاولى الى الخلف) و لأنه يشوه وعي الجماهير و يحجب عنها حقيقة تناقض مصالحها مع مصالح الرجعيين حتى و ان كانوا خلف القضبان (الخطوة الثانية إلى الخلف).

ملحق

كيف ينظر الشيوعيون إلى اعتقال الثوريين؟

إ

ن الثوريين (ات) مستعدون بكل تأكيد لبذل كل التضحيات من اجل الثورة، مستعدون للاعتقال بل حتى للاستشهاد من اجل قضية الجماهير و هم متأكدون كما علمهم التاريخ و تعلمهم وقائع الحياة أن طريق الثورة ليس طريقا مفروشا بالورود بل طريق مليء بالتضحيات و طريق مليء بالبطولات، إن الثورة نفسها  » ليست مأدبة و لا كتابة مقالات و لا رسم صورة و لا تطريز ثوب، فلا يمكن أن تكون بمثل تلك اللباقة و الوداعة و الرقة، أو ذلك الهدوء و اللطف و الأدب و التسامح و ضبط النفس. إن الثورة انتفاضة و عمل عنف تلجأ إليه إحدى الطبقات للإطاحة بطبقة أخرى. »(ماو)

لكن تربية الثوريين على بذل اقصى التضحيات و استعدادهم للاستشهاد من اجل الثورة لا يجب في أي حال من الاحوال ان يحرف نظرة الشيوعيين إلى الاعتقال و الاستشهاد من نظرة علمية إلى نظرة دينية و صوفية، إن الشيوعيين لا يسعون إلى الاعتقال و لا يسعون إلى الاستشهاد بل إنهم يناضلون من أجل أن يرموا الرجعيين خلف القضبان و بالمقابر، إن الشيوعيين يناضلون من اجل الثورة و يربون الاجيال لجعل الثورة « مهنة لهم »، و بالنسبة لهم فإن اعتقال هؤلاء الثوريين هو  » بمثابة « حادثة شغل »، هو من جهة، بمثابة تعثر في العمل و خلل في الإجراءات المتخذة من قبل الثوريين لتأمين و تحصين المناضلين من بطش الرجعية و من استنفاد القوى او تعطيلها او الحد من أدائها. فالمناضل هو في اخر التحليل منتوج اجتماعي، يفرزه صراع الطبقات، حيث تستثمر الحركة في تكوينه سنين و سنين، من الجهد و التضحيات، و من نضال طويل لآلاف الجماهير، فعبر هذا النضال يوجد المناضل و ينمو و يتطور ليعبر، بشكل او باخر ، عن مطامح هذه الجماهير. لذلك يكون تحصين المناضلين و تأمينهم، هو تحصين و تأمين لتراكمات كبيرة من نضال الجماهير، سواء تعلق الامر بحركة جزئية مثل الحركة العمالية او الفلاحية أو الحركة النسائية أو الحركة الطلابية الحركة النقابية، المعطلين،…، او تعلق الامر بحركة الجماهير ككل.

ف »بمقدار ما تشتد حركة العمال بوجه عام، وتنمو جماهير العمال بوجه عام، وتتزايد الإضرابات، ويصبح نضال العمال الجماهيري أكثر صراحة، هذا النضال الذي يقوي الملاحقات الحكومية وحوادث الاعتقال والإبعاد والنفي،– يصبح هذا النقص في القوى الثورية ذات الكفاءات العالية أشد بروزا، ويترك دونما شك أثره في عمق الحركة وطابعها العام. »

فاعتقال المناضلين هو قمع تمارسه الطبقات الرجعية ضد الجماهير و هو يهدف الى تحييد المناضل و الحد من عطائه النضالي و عزله عن نضال الجماهير و عن همومها و آمالها . لقد عرف الشيوعيون دائماً كيف يحولون السجون و المعتقلات إلى ساحات للنضال ضد الرجعية سواء من خلال معاركهم داخلها او بمساهماتهم الفكرية و السياسية. لكن و مع ذلك فإن الشيوعيين(ات) لا يسعون الى الاعتقال بالرغم من انه شرف لهم، بل يتفادونه ما استطاعوا لذلك سبيلا، لكنهم في المقابل لا يخشونه و لا يتوهمون انهم بمنأى عنه في ظل نظام رجعي. بل يحاولون ايجاد الحلول و الوسائل و الاساليب الكفيلة للحد منه. »(من مقال الاعتقال السياسي « حادثة شغل » بالنسبة للشيوعيين يجب التغلب عليها).

طريق الثورة – المغرب

*المقال نشر أول مرة في العدد الثالث من مجلة المسيرة الصادرة عن رابطة النضال الشبابي التونسية.

شارك Share Partager

Laisser un commentaire