القبيلة المغربية من منظور الباحثين الكولونياليين

شارك Share Partager

بقلم: لعبيدي لصفر

  لقد شكلت القبيلة منذ بداية التمهيد لاستعمار المغرب، مقولة أساسية ومفهوم مركزي لمجمل الدراسات الاجتماعية التي أنجزت خلال تلك الفترة حول المجتمع المغربي، والسبب في ذلك  هو أن القبيلة شكلت عائقا أمام محاولات التسرب الأجنبي، ومن أجل استمالة القبائل إلى جانبه عمد المستعمر وكخطوة أولى إلى تكليف عدد من المراقبين المدنيين وضباط الشؤون الأهلية والباحثين المتخصصين في مجالات مختلفة، من أجل القيام بدراسة  مكامن الضعف والقوة لدى القبائل، وجمع المعطيات والمعلومات حول المجتمع المزمع استعماره وحشد الوقائع التجريبية، ولما كان هذا هو هدف هذه الدراسات فإنه تم تغافل طرح الإشكالات النظرية الأساسية التي كانت سائدة آنذاك في الأنثروبولوجيا الغربية، وتبعا لذلك فإن نتائج أبحاثهم جاءت مليئة بالأوصاف ودسمة من حيث مضمونها التصويري لكن فقيرة من حيث أبعادها النظرية.[1]

     لا أحد ينكر أن جل الباحثين سواء من المدرسة الفرنسية أو الأنجلوسكسونية، عندما ركزوا اهتمامهم على دراسة المجتمع المغربي الحديث لفهم تاريخه وبنياته، قد أسقطوا مفاهيم وقوالب جاهزة على تاريخ المغرب، الشيء الذي أوقعهم في كثير من المغالطات والاضطرابات المنهجية والأوهام المعرفية، وقد بدت أبحاثهم بمثابة أنساق مغلقة تدور حول محاور ومفاهيم اعتبروها مركزية في تاريخ المجتمع المغربي: القبيلة و المخزن، السيبة و السلطة، الزوايا والزعامات الفردية… ولا أحد ينكر أن التركيز على مثل هذه المفاهيم لم يكن بريئا، بل كان يحمل شحنات إيديولوجية وخلفيات سياسية.

لقد انطلق جل الباحثين من فرضية قبلية ونتيجة استقرائية، تتجلى في كون القبيلة هي الأساس الذي شيد عليه المجتمع المغربي. لكن هذا الحكم اختزالي يختزل تاريخ المغرب في القبيلة، وهو بذلك  » حكم تعليلي » يتصف بالتعميم والنسبة، كما يذهب إلى ذلك عبد الله العروي، إذ أن القبيلة ليست سوى عاملا من عوامل تشكل المجتمع- عاملا أساسيا وضروريا طبعا- ولكنه ليس كافيا لفهم تاريخ المغرب، و لربما كان مفهوم القبيلة هو العامل الحاسم لتشكل بعض الدول أو الإمارات العربية خاصة في الشرق الأوسط[2].

2-1- القبيلة عند ميشو بليرMichaux Bellaire

 لعل مساهمة هذا الرجل بالنظر لما أنيط به من مهام في إطار « البعثة العلمية » يشخص هذه المرحلة ويمثلها من موقع توجيه وتطبيق ما تم التخطيط له أنداك من مشاريع السيطرة وبسط النفوذ، وبسبب ذلك فإن تصوراته النظرية لم تكن فقط نتاجا لمجهود معرفي توخى الرصد العلمي لواقع المجتمع المغربي، بقدر ما كانت أيضا أساسا نتاجا لما تبناه من أفكار مسبقة، ولما انطلق من بواعث ونزعات سياسية، فلم يلاحظ المجتمع المغربي ولم يدرسه على العموم إلا من خلال ما أتى به من قوالب نظرية جاهزة، مما أدى به بادئ ذي بدء إلى إقحام المجتمع المدروس ضمن أطر ثنائية  هي اقرب إلى تصوراته الذاتية منها إلى الواقع الفعلي للمجتمع، فلم  يعد المجتمع المغربي تبعا لذلك وحدة متكاملة بقدر ما أصبح مقسما مابين بلاد المخزن / وبلاد السيبة، العرب/ والبربر، السهل/ والجبل، المدينة/ والبادية، الشرع/ والعرف، الاستبداد/ والديمقراطية، أي منطقتين منفصلتين أحدهما يسودها النظام والانضباط لمقتضيات سلطة المخزن، وأخرى ميالة إلى الحفاظ على استقلالها وعصيان ممثلي السلطة المركزية. كما يتحدث ميشو بلير عن صنف ثالث من القبائل لا تنتمي إلى الصنفين المذكورين، بمعنى قبائل تعترف بالسيادة الدينية الروحية للسلطان دون أن تصل إلى حد القبول الكلي لما تستلزمه من خضوع سياسي وتعامل مع الجهاز الإداري للمخزن، ومن تم فالقبيلة هي نظام مغلق منعزل عن الحياة السياسية الشرعية والتنظيمات المخزنية، بل لها نظامها السياسي الخاص ونمط اقتصادها وطقوسها وأعرافها وسلاحها ولهجتها ومعتقداتها…[3]

لم يستطع ميشو بلير حسب الباحث المغربي المختار الهراس أن يبرز الأبعاد النسقية لمكونات الحياة القبلية ولم يحدد التفاعل والترابط داخلها، بل اكتفى فقط بإظهار مستوياتها على أنها منعزلة ومنفصلة عن بعضها البعض، ولا نجد لديه أية إشارة أو تلميح إلى كون عنصر معين يهيمن على بقية العناصر الأخرى، وكأن كل عناصر الحياة القبلية متساوية من حيث قيمتها التفسيرية أومن حيث الوظائف المرتبطة بكل منها.[4]

إن ميشو بلير لا يرى القبيلة تتحدد من خلال عامل القرابة (الأصل العائلي المشترك) بل اعتبرها كوحدة تقوم على التملك الجماعي لنفس الحاجيات والمصالح والأهداف والوسائل واقتسام نفس الرموز الثقافية من أعراف وعادات ومعتقدات، إنه يحدد القبيلة » بما هو مشترك بين الأفراد بما اعتادوا تملكه جماعيا ».[5]

لقد أفاض ميشو بلير في وصف مظاهر العنف والصراعات القبلية دون تبيان وتفسير وظائفها على مستوى ضمان البقاء والاستمرار الاجتماعي ولا بعدها الدينامي كردود فعل أو كتنافس على امتلاك الأرض والموارد، وكأن الغرض الرئيسي من تضخيم أشكالها ونتائجها هو تبرير التدخل الاستعماري كعملية ضرورية في نظره للقضاء على « الفوضى » القبلية وإعطاء المجتمع المغربي ما « افتقده » من وحدة التماسك والالتحام.[6]

2-2- القبيلة عند روبير مونتاني Rober Montagne  

لقد تجاوز روبير مونتاني في تحليله للمجتمع القبلي رصد الوقائع ووصف العناصر والمظاهر المختلفة للحياة القبلية، إلى مستوى تشكيل نسق نظري يساعدنا على فهم طبيعة الآليات والميكانزمات المعتمدة سواء للحفاظ على التوازن والاستمرار الاجتماعي أو التحكم في الإرادة الجماعية وإقرار الاستبداد القيادي.  لقد قام مونتاني بعقد مقارنات مابين « القبائل البربرية » كما درسها في العالم الغربي كما كانت خلال السنة الألف أو الألفين قبل الميلاد، ومشيرا في هذا الإطار إلى بدائية « الحضارة البربرية » وجمودها التاريخي وبالتالي تأخرها عن مسايرة سيرورة التقدم التي عرفتها المجتمعات الأوربية.

بالإضافة إلى هذا المنظور التطوري نجد لدى مونتاني بعدا نظريا وظيفيا خصوصا عندما يتحدث عن نظام « اللف » بما يتضمنه من انقسام إلى حزبين أو حلفين متعارضين ومتصارعين، أي أن مونتاني لم يتحدث عن « اللف » استنادا إلى وظيفته الحربية بل كذلك تحدث عن دوره في تأطير النشاط الاقتصادي ( أي إبراز الطابع السلمي للف).[7]

يرى روبير مونتاني أن تاقبيلت (وهو المفهوم المستعمل عادة في جنوب المغرب، سوس) تستمد كيانها و ماهيتها من وحدة الرقعة الجغرافية التي تسكنها وتدافع عنها ويدعي أهلها الانتساب المشترك ولو كان « وهميا ».  إن وحدة تاقبيلت تظهر من خلال نشاطها الفعلي في مجرى الحياة اليومية، ومن تم يكون لها دور حيوي وديناميكي وفعال، فهي وحدة سياسية واجتماعية ودفاعية واقتصادية إنتاجية.[8]

ويذهب مونتاني إلى أن اجماعة رغم ما يبدو عليها من  طابع مساواتي، فإنها لم تكن مع ذلك تجسيدا للإرادة الجماعية ولا تعبيرا شاملا في كل مكونات الكيان القبلي، فإنها لم تكن تنجو من وراء ذلك من سيطرة الأقوياء والأغنياء بغية توجيه قرارها نحو الاستجابة لمصالحهم، كما أنها كانت مجال للنزاع والمنافسة حول من يظفر بحكمها.

كما اعتبر روبير مونتاني أن أساس التضامن مابين سكان القبيلة ليس هو الأصل المشترك بل التعايش على أرض واحدة، أي أن القبيلة لا تتحدد بإنتماءها لجد مشترك بقدر ما تتحدد بوحدة الاسم والتراب والعيش وفق نفس التقاليد والأعراف، إلا أنها  على خلاف « تاقبيلت » لا تتوفر على مؤسسة سياسية، أما الإتحاد القبلي لا يبرز إلا عندما تصبح مكوناته تحت إمرة رئيس موحد.

وعلى خلاف ميشو بلير الذي اكتفى بوصف مكونات القبيلة، فإن روبير مونتاني حدد القبيلة لا كمجرد تجميع لعناصر متفرقة بل عمد إلى البحث عن مواطن الضعف والقوة في النظام القبلي، عن التغيرات العضوية المؤدية إلى الانهيار، وكذا عن أهم دعائم البقاء واستمرار الوجود.[9]

حسب المختار الهراس، هناك تشابه بين روبير مونتاني وابن خلدون سواء فيما يتعلق بتشكيل الأحلاف القبلية، أو فيما يخص تخلي الرئيس عن حلفاءه ومناصريه بعد الإمساك بزمام الحكم والقضاء على منافسيه أي كل ما يتعلق بالإنفراد بالسلطة، وهذا التشابه في نظر الهراس إن دل على شيء فإنه سيدل على استمرار الطرح الخلدوني في هذا المجال إلى حدود أوائل القرن 20، أي أن روبير مونتاني اعتمد على بعض النصوص الخلدونية وفقا لنزعته الإيديولوجية والسياسية،   فهو لم يختلف عما ظهر لدى سابقيه من نزوع اديولوجي إلى تأطير المجتمع المغربي ضمن ثنائيات وقوالب جاهزة، فعلى غرار ميشو بلير تحدث هو أيضا عن التعارض فيما بين العرب/والبربر، المدينة/والبادية… إلى غير ذلك من الثنائيات وكأن المجتمع المغربي لا يتضمن إلا عناصر الاختلاف والتباين.

يرى الهراس على خلاف مونتاني أن ثنائية العرف و الشرع  لا توجد في مناطق  دون أخرى بل هي موجودة في كل من مناطق سواء الناطقة بالعربية أو البربرية، كذلك سلطة المخزن متواجدة في السهول والجبال، حسب الهراس أن السيبة التي يستدل بها مونتاني ليست ظاهرة قديمة بدليل أن ابن خلدون لم يستعمل هذا المفهوم، والذي ظهر لأول مرة حسب العروي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

إن ثنائية المخزن والسيبة حسب الهراس حتى وإن وجدت داخل المجتمع المغربي فإنها لا تشير إلى طرفين متناقضين يقيمان في قطاعين أو في مجالين جغرافيين مختلفين ولا إلى فواصل قارة وثابتة، بقدر ما كانت تعبر عن تفاعل متواصل وحركية مستمرة في اتجاه بعضها البعض، كما أن نظرية مونتاني حول تعارض الأحلاف تظل قاصرة حسب الهراس في تفسير الاستقرار والتوازن الاجتماعي، وذلك لتغافلها عما يمكن أن يحدث من تضارب داخل الحلف ذاته.[10]

2-3- القبيلة عند جـاك بيـرك Jack Berque

في دراسة بيرك لقبيلة سكساوة أكد على وجود نسق قبلي قائم بذاته بل هناك تطابق بين المستوى الطبيعي والبنية الاجتماعية، كما لاحظ انعدام اللف في سكساوة، وفي تحديده للقبيلة والنظام القبلي، يعطي بيرك أهمية بالغة للعنصر الإيكولوجي دون إغفال العناصر الأخرى كالعادات والأعراف والاقتصاد والجغرافيا وأيضا التاريخ.

تتحدد أهمية العنصر الإيكولوجي عند بيرك في تحديد النشاط الفلاحي وتقسيم العمل القبلي، إذ يعتبره الحجر الأساسي في فهم البنية الاجتماعية لقبيلة سكساوة، لقد وجد بيرك أن أهداف اجماعة وبنيتها العليا مجسدة في البنية العقارية وأساليب توزيع المياه، وهذا طبيعي مادامت الأرض مقياس هوية الفرد ومادام النسق الاجتماعي محكوم بالأرض.

إن العلاقة بين العائلة الأصلية والأرض علاقة ارتباط انطولوجي وقدسي في نفس الوقت، لا تنبني على استغلالي اقتصادي بقدر ما تؤكد قيم المساواة وترسيخ شرعية نظام اجتماعي وثقافي ذي جذور ضاربة في القدم. لقد شكك بيرك في التفسيرات التي تعتمد على السلالة الواحدة والأصل المشترك، وأقر بالنسبة لشمال إفريقيا(سكساوة) بواقع الاختلاط والانصهار ضمن الوسط الجغرافي، معلنا تواجد أصول كثيرة متفرعة في كل المناطق بحيث نجد كل أسماء القبائل أينما كنا في المغرب الكبير المعاصر، ومن المحتمل إذن أن تكون لبنية القبائل الحالية علاقة بالظواهر المتعددة وبالأحداث المتشابكة التي يحفل بها ماضي شمال إفريقيا.

لقد مزج بيرك بين مجموعة من المناهج(المنهج البنيوي، التاريخي، السيميولوجيا، وسوسيولوجيا غورفيتش) وذلك سعيا إلى بلوغ العمق الحقائق الفاعلة في حركية المجتمعات، هنا حسب الهراس تكمن صعوبة تصنيف بيرك ضمن أي من الاتجاهات النظرية المعروفة.

في الأخير يمكن أن نشير إلى  أن اقتصارنا  على هؤلاء المؤلفين الثلاثة في معرفة الطريقة التي حدد بها مفهوم القبيلة إبان الاستعمار، ليس كافيا في الإحاطة بهذا الموضوع من كل جوانبه.

الهوامش:

[1]

المختار الهراس » القبيلة والسلطة، تطور البنيات الاجتماعية في شمال المغرب »، المركز الوطني لتنسيق وتخطيط البحث العلمي والتقني،1986،ص ص (25-26).

[2]

الهادي الهروي:  » القبيلة والإقطاع والمخزن »، مقاربة سوسيولوجية للمجتمع المغربي الحديث 1844-1934 إفريقيا الشرق، المغرب،ص 45.

[3] الهادي الهروي، مرجع سابق، ص 56.

[4] المختار الهراس، مرجع سابق، ص 27.

[5] الهادي الهروي، مرجع سابق، ص 56.

[6] المختار الهراس، مرجع سابق، ص 27.

[7] نفس المرجع، ص، ص (28-29).

[8] الهادي الهروي، مرجع سابق، ص 60.

[9] المختار الهراس، نفس المرجع السابق، ص 31.

[10] المختار الهراس، نفس المرجع السابق، ص 33.

 

شارك Share Partager

Laisser un commentaire