المدرسة الوثائقية و مدرسة الحوليات

شارك Share Partager

المدرسة الوثائقية

مر مفهوم التاريخ بمراحل كبرى شانه في ذلك شان اي معرفة انسانية تتطور و تتغير مع تطور حياة الانسان و مع حلول القرن 19 م و بفعل التحولات الاقتصادية و الاجتماعية و الفكرية التي شهدتها اروبا على وجه التحديد في هذا القرن اندفع الكثير من المؤرخين و فلاسفة التاريخ الى التفكير في مفهوم التاريخ فظهرت تفاسير جديدة للتاريخ الذي توسع مفهومه و اصبح اكثر شمولية بعدما كان محدود النظرة و المنهج يهتم فقط بسر الاخبار و الوقائع السابقة و عليه فقد بدات مناهج البحث التاريخي تتطور و تتقدم نحو مزيد من العلمية و المنهجية بالكثير من الجامعات الاروبية كما ظهرت مدارس و اتجاهات تاريخية متعددة لعل اهمها المدرسة الوثائقية التي تاثر روادها بالفلسفة الوضعية التي سادت اروبا خلال ق19 م فقد دعا رواد هذه المدرسة الى ضرورة اعتماد الوثيقة في كتابة التاريخ فالتاريخ يصنع بالوثائق و لا تاريخ بدون وثيقة كما قال مؤرخي هذه المرحلة لانجلو و سينبوس

و مع مطلع القرن ال20 اصبحت المدرسة الوثائقية عرضة للكثير من الانتقادات الشديدة من قبل جيل جديد من المؤرخين الشباب في فرنسا على وجه الخصوص امثال لوسيان فيفر و مارك بلوك الذين نفخا روح جديدة في الدراسات التاريخية حيث استغلو مجلة التركيب لتوجيه انتقادات شديدة للوضعيين الذين ركزو في كتابة التاريخ على الوثيقة التاريخية بمفهومها الضيق و نادو بضرورة انفتاح الدراسات التاريخية على العلوم الاخرى و في هذا الصدد يقول الؤرخ الفرنسي لوسيان فيفر انه سيساهم في كتابة التاريخ اللغوي و الاديب و الجغرافي و القانوني و الطبيب عالم الاجناس و خبير منطق العلوم الى غير ذلك

و مع انفتاح التاريخ على العلوم الاخرى سواء الانسانية منها او الدقيقة فمكن المؤرخين من التزويد بادوات بحث جديدة جعلتهم يعيدون النظر في كثير من الوقائع التاريخية و يطرحون اسئلة جديدة و مشكلات التاريخية لم تكن الى عهد قريب في متناول المشتغل في التاريخ. لقد نظر التنائي لوسيان و مارك بلوك الى الكتابة التاريخية على انها طرح للمشكلات الكبرى للانسان في سياق الزمن التاريخي الطويل و ذلك بنية اخراج الكتابة التاريخية من نمطية الحدث السياسي و الوقائع الضيقة حيث لم يهتم المؤرخون سوى بكل ما له ارتباط بالاحداث العسكرية من حروب و معارك و تواريخ قيام الدول و سقوطها

مدرسة الحوليات

ظهرت مدرسة الحوليات مع بداية النصف الاولمن القرن 20 بفرنسا و تاسيس مجلة الحوليات سنة 1292 ستاخد الكتابة التاريخية ابعاد جديدة سوسيولوجية و لسانية و جغرافية و ديموغرافية و تحول التاريخ الى دراسة كل ما له علاقة بالانسان و اهتم المؤرخ بالمدد الزمنية الطويلة بعدما كان اسير زمن الحدث التاريخي القصير و في هدا السياق برز نجم المؤرخ الفرنسي فرديناند بروديل الذي اعتبره الكثير من المؤرخين المعاصرين رائد الكتابة التاريخية في العصر الحديث فهو و بشهادة هؤلاء واضع الدعائم الرئيسية لما اصبح يعرف بالتاريخ الجديد و الذي اصبح من اهم سيماته انتقاء الحدود بين التاريخ و السوسيولوجيا و الانتروبولوجيا و لقد مثلت اطروحته الشهيرة و اللتي درس فيها تاريخ العالم المتوسطي هذا التوجه و التي دعا فيها الى تجاوز و نبذ التاريخ (السردي_الاخباري) القائم على دراسة الوقائع السياسية البسيطة في الازمة القصيرة و الانتقال الى دراسة تاريخ البنى الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و ذلك في سياق المدد الزمنية الطويلة بهدف رصد مدى تفاعل الانسان مع مجاله الجغرافي.ميز فرناند بروديل في دراسته للزمن التاريخي بين 3 مستويات 1/الزمن الجغرافي: هو زمن المدد الطويلة و زمن البنايات يتميز بتغييره البطي 2/الزمن الاجتماعي: وهو زمن الظرفيات و زمن المدد المتوسطة مثل تاريخ تطور الاقتصاد و المجتمع 3/الزمن الفردي و يطابق زمن الوقائع و الاحداث السياسية كالحروب و المعاهدات و حكم الملوك.

و عموما فان مؤرخي مدرسة الحوليات احدثو قطيعة ابستمولوجيا مع الاتحاد السابق في الكتابة التاريخية فقد عملو على تجاوز التاريخ الحدثي و دعو الى تاريخ اشكالي يقر باهمية العوامل التركيبية في دراسة التاريخ

الاتجاه الجديد

لقد ساهم ظهور هذا الاتجاه الجديد في الدراسات التاريخية في اتارة مجالات جديدة للبحث كتاريخ الدهنيات و الطقوس اليومية و الخوف و الجسد…الخ

خصوصا و ان البحث التاريخي اغتنى بمناهج جديدة و متنوعة و في هذا الصدد يقول الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو « يتوفر المؤرخون على ادوات صاغوها بانفسهم في جانب منها و تلقوها في جانب اخر كنماذج النمو الاقتصادي و التحليل الكمي و منحى التغيرات الديموغرافية و دراسة المناخ و تقلباته و رصد التوابث السوسيولوجية.

لقد مكنتهم تلك الادوات من ان يبينو داخل حقل التاريخ طبقات رسوبية متباينة فحلت مكان التعاقبات الخطية التي كانت حتى تلك الاونة تشكل موضوع البحث التاريخي عمليات سبر الاغوار و تعدد مستويات التحليل.

و عليه فان دراسة الماضي اصبحت تقوم على رؤية متعددة المقاربات فبدل النظر الى الوقائع التاريخية المدروسة من وجهة نظر احادية الجانب لتفسيرها و تعليلها اصبح لزاما على المؤرخ استحضار كل العناصر و العوامل الاخرى و التي قد يكون لها دور في بناء الاحداث و الوقائع التاريخية تبنى و تشيد لبنة لبنة

ان النقلة الابستيمولوجية الحديثة التي تحققت في مجال المعرفة التاريخية سواء على مستوى المواضيع و القضايا التي اصبح المؤرخون يدرسونها او على مستوى مناهج البحث و المقاربة للظاهرة التاريخية المدروسة مرتبطة و الى حد بعيد بالحاجيات الجديدة للمجتمع الحديث و كذا المشكلات الراهنة التي تواجه الانسانية جمعاء و في هذا الصدد ميز احد الدارسين بين اتجاهين: اتجاه تاريخي تقليدي و اتجاه حديث خاصة بعد ان تبين فشل و عجز الاتجاه التاريخي الاول عن مسايرةالتطورات التي اصبحت تعرفها الانسانية فيس الوقت الراهن و يشير الفيلسوف الفرنسي المعاصر ادغار موران الى ان المعرفة الملائمة يتوجب عليها ان تواجه ما هو مركب و ان تصل لمختلف العناصر المكونة للكل(الاق-السياسي النفسي السوسيولوجي الوجداني الاسطوري كما ان من واجب التربية الحديثة ان تطور القدرة الطبيعية للفكر البشري على طرح المشاكل الجوهرية ومنه فان دراسة التاريخلا يجب ان تنحصر فقط في معرفة الماضي و انما لا بد ان تسهم في فهم الحاضرالانساني بكل تعقيداته و مشاكله و استنزاف مستقبل افضل للبشرية

شارك Share Partager

Laisser un commentaire