المشهد الحزبي بالمغرب: 1956 — 1975

إعداد : موحة كوكو

تقديم عام:

يشير الفعل الحزبي داخل المنظومة السياسة العربية عامة والمغرب على وجه الخصوص مندد موجة الاستقلال والتخلص من الاستعمار المباشر العديد من التساؤلات عن أزمة السلطة ومت استتبعها من إشكالات على مستوى التعامل مع مؤسسات الدولة ومكونات المجتمع.

فقد دهب العديد من الباحثين إلى القول بأن ما أل إليه المشهد الحزبي بالمغرب ناتج أساسا عن اختلاف التصور لدى زعماء هذه الاحزاب بين مرحلة التواجد المباشر للمستعمر ومرحلة الاستقلال فنجد هذه التنظيمات في بداياتها أتت بغية مناهضة الاستعمار ووضع عد لعقد الحماية لكن سرعان ما ستتغير الرؤية وتصبح هي التي تتحمل المسؤولية التاريخية في الأزمة التي يتخبط في مستنقعاتها الشعب المغربي مند عقود.

لقد قامت الأحزاب السياسية بالمغرب كمثيلاتها في بلدان العالم الثالث والدول المستعمر هادفة إلى الانعتاق من قيود الاستعمار والتمتع بالاستقلال والسير في خطى ثابتة نحو مقاربة وطرد كل خطر يهدد أمن وسلم المنطقة. وكان تأزم الوضع الناتج أساسا عن سياسية الاستغلال الاستعماري ووضوح الغاية وراء فخ الحماية المدروس من طرف صانعي القرار في السياسة الامبريالية من بين العوامل التي حركت عروق الفئة الواعية في المجتمع المغربي أندالك خاصة بعد ما تم إخماد نيران المقاومة المسلحة في البوادي والجبال.

فالعمل السياسي في الحواضر الذي شكل الدعامة الاساسية للأحزاب السياسية بالمغرب قام بين حطام المقاومة المسلحة مع تفاوت واختلاف سبل ووسائل العمل، فظهر كمحاولة للدخول في مناورات ومحادثات مع المستعمر قصد إيجاد صيغة توافقية في سبيل تحسين مستوى عيش الشعب المغربي، وذلك عبر تقديم مذكرة تضم مجموعة من المطالب الاصلاحية في بداية الامر الشعب الذي كان يعاني من ويلات الاستغلال في أقصى درجاته خصوصا بعد ما دخلت الدول الرأسمالية في دوامة الأزمة 1923.

فلتجاوزها لابد للرفع من حدة الاستغلال لتعويض العجز والازمة.

لقد ظهرت الأحزاب السياسية بالمغرب في أجواء مشحونة سواء على الصعيد الخارجي أو الداخلي بهدف تأطير الجماهير الشعبية والعمل على توجيه ضربات إلى المستعمر وإرغامه على فسخ عقد الحماية، فزعماء هذه  التنظيمات في بداياتها أخدوا في سبيل تحقيق الهدف المنشود أساليب وأدوات انبتت على اسس دينية بالأساس أهمها المذهب السلفي الذي ينص على تنفيد النص وعدم تجاوزه، والرغبة في الاقتداء بالرسول ومحاسبة أتباعهم في الاصول والفروع والاخلاف والقيم وطاعة أئمة المؤمنين وترك الجدل والخشنة، والسعي وراء الجمع والوحدة.

كانت معاهدة الحماية مؤشرا خطيرا على تنازل خطير عن كل مظاهر السيادة الداخلية والخارجية وغير خاف  على أحد ما ترتب جراء ذلك من تشريعات استعمارية تضمن حرمان الشعب من أبسط الحقوق الديمقراطية، وكانت النتيجة المباشرة لانعدام الديمقراطية في ظل الاستعمار المباشر واحساس الشعب المغربي بالخطر الذي يهدده، انطلاق ثورة الريف بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي أنشأ جمعية وطنية كم رجال القبائل والمشايخ والقادة المقاومين أخدت مسؤولياتهما في تنظيم الكفاح والمقاومة وإدارة شؤون الحكم في المناطق المحررة، وكان أول قرار للجمعية هو إعلان استغلال البلاد وتأسيس حكومة دستورية بل أنها وضعت دستورا يقوم على مبدأ سلطة الشعب، غير أن ذلك لم يستمر بين إجهاض الثورة عام 26.

لقد تلمس المغاربة بعد إخفاض ثورة الريف نتائج الهيمنة الاستعمارية على البلاد، وكانت مواجهة الاستعمار هي الحافز الأكثر فعالية في نشأة الحركة الوطنية في الشمال والجنوب، التي سرعان ما تحولت إلى أحزاب سياسية يكاد يجمعها شعور وطني واحد نحو وحدة البلاد وتحريرها.

كما كان لتنامي وتصاعد حركة تصفية الاستعمار من العوامل الرئيسية في ظهورها كأحزاب سياسية لهذا فهي أحزاب نشأة خارج العملية الانتاجية والبرلمان.

إن نشأة الاحزاب في المغرب وتطورها وتنامي دورها، واجب صعوبات وعقبات عديدة وعلى مستويات مختلفة نظرا لظروف وأوضاع المغرب السياسية أثناء مرحلة الاستعمار، فقد تعاقبت مجموعة من الوقائع والأحداث والتنظيمات الحزبية المغربية مند نشأتها حتى اليوم.

فمند نشأتها أخدت تحتك بالسلطات الاستعمارية بين أخد ورد وتماشيا مع مستجدات العصر إلى حيث ثم إنهاء عقد الحماية لتدخل هذه الاحزاب مرحلة حديدة من تاريخها تميزت في غالبيتها باحتدام التنافس والصراع حول موطئ الاقدام إذ ظهر الاختلاف جليا على منطلقات تأسيس مغرب ما بعد الحماية سواء داخل مكونات الاحزاب وفي طليعتها حزب الاستقلال، أو بين هذه الاحزاب والمؤسسة الملكية التي راهنت على استثمار شرعيتها لما قبل الحماية وشرعيتها السياسة في عهد الحماية للتموقع كفاعل مركزي ومتحكم في السلطة السياسية.

انطلاقا من هذه التوطئة التي تعالج وضعية الاحزاب السياسية في المغرب فإن الدافع وراء تناول الموضوع كان لأسباب ذاتين وموضوعية؛ فالذاتية نابعة عن الميل وجب الاطلاع والاهتمام بالقضايا السياسية والحزبية على وجه الخصوص، أما الموضوعية فتعود إلى كون الدراسة تعالج موضوعا حيويا من صميم الساحة السياسية يتمثل في تحديد مركز الاحزاب السياسية في القرار السياسي، ومحلها من الاعراب داخل المنظومة السياسية ككل.

ويحتم الخوض في ذلك التعاطي مع الذاكرة والنبش في أحداث التاريخ واستحضار محطاته ومتعطفاته بشكل يشير العديد من التساؤلات تسير بالقارئ إلى وضع صورة أولية حول مضمون الظاهرة الحزبية بالمغرب، ولهذا الغرض ارتأينا إلى تناول الموضوع على الشكل التالي:

يتضمن تقديم حول الموضوع، وفصلين مركزين بالإضافة إلى خاتمة.

فالفصل الأول حاولنا بإيجاز دراسة السياق التاريخي العام لبروز التنظيمات الحزبية بالمغرب خاصة إبان المواجهة المباشرة مع الاستعمار، وأهم التطورات السياسية التي طرأت عليها في تداخل مجموعة من العوامل والظروف ساهمت في نشأتها وتطورها، والدور الدي لعبته في النضال من أجل الاستقلال.

أما الفصل الثاني حصصناه لتناول مرحلة مهمة في تاريخ المغرب، عرفت تطورات وانعطافات نوعية كان لها انعكاس كبير على الحياة العامة للشعب المغربي، اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، نظرا للدور الذي لعبته المنظومة السياسية بالمغرب خاصة وأن ظروف القمع المسلط على رقاب شعبنا هي التي أنتجتها وما الانشقاقات التي عرفتها الأحزاب السياسية مع نهاية الخمسينات وبداية الستينات إلا دليل حي على ما نقول مما جعل هذه الانشقاقات تكون بمثابة قاعدة أساسية بالنسبة لكل الاحزاب، حيث  نجد انشقاق فلان أو فلان في كل فترة من فترات مغرب اليوم وما عدد الأحزاب بالمغرب حاليا إلا حقيقة على هذا.


 

الفصل الأول: البوادر الاولى لبروز الأحزاب السياسية في المغرب

 

 

يأتي في معرض الحديث عن المشهد الحربي بالمغرب بعد نهاية فترة الحماية 1956، الاشارة إلى الملابسات والظروف التي ظهرت فيها هذه الاحزاب، كما وجب رصد اهم التحولات التي واكبت نشأتها وتطورها كخلوة أولى نحو فهم ميكانيزمات المشهد الحزبي في المغرب خلال الفترة المراد دراستها. لقد أشرنا في مستهل هذا البحث إلى ان الاحزاب في المغرب ظهرت كمثيلاتها في باقي دول العالم الثالث أو الدول المستعمرة في سياق المواجهة مع قوات الاحتلال الاستعمارية من أجل استعادة الاستقلال، فمند إعلان عقد الحماية المشؤوم، لم يتردد المغاربة في إعلان رفضهم لمضامين المعاهدة عبر قيامهم بتفجير العديد من المعارك على شكل مقاومة مسلحة في البوادي والجبال استمرت إلى حدود الثلاثينيات من القرن العشرين، وقد ذكر علال الفاسي في كتابيه الحركات الاستقلالية في المغرب الغربي،  » إن العهد الذي يفصل بين 31 مارس 9212 و16 ماي 1930 يكاد يكون عهد كفاح عسكري محض لأن الأغلبية الساحقة من سكان المغرب أعلنت الثورة بعد توقيع الحماية ولم يكن إخضاعها لها إلا بعد جهود جبارة، وبصفة تدريجية، ولأن …. الجيل الذي سبق الحماية أو عاصرها التجأت كلها إلى الجبال تقود الثورة وتدبر الكفاح، والذين غلبتهم القوة على امرهم أصيبوا بدهشة العسكري المغلوب الذي لا يستطيع أي عمل بعد تجريدة من السلاح فكان لزاما لإزالة هذه الدهشة العامة أن ينتظر نشوء جيل جديد متشبع بروح المقاومة السلمية ينتظر نشوء جيل جديد متشبع بروح المقاومة السلمية التي لا تعطي السلاح المقام الأول في كل معركة.[1]

 

 

المبحث الأول: ظروف نشأة التنظيمات السياسية بالمغرب.

طبعا كانت بداية رد فعل المغاربة ضد سلطات الحماية ردا قويا كان هاجسه حمل السلاح والمواجهة الميدانية مع العدو قصد طرده يؤرخ لذلك مجموعة من المعارك ظلت راسخة في سجل تاريخ نضال المغاربة مند الاستعمار.

إنا ما يهمنا هو محاولة رصد البوادر الاولى لقيام التنظيمات السياسية والتي ستتطور بعد ذلك لتصبح أحزاب سياسية تقوم على تعبئة الجماهير المطالبة بالإصلاحات ثم الاستقلال، وقد تبين لنا أن العمل السياسي بالمغرب ظهر مند إعلان عقد الحماية ولو بصورة لم تكن في مستوى السياسيين المحنكين القادرين على قلب الموازين لصالح المغرب.

ويظهر ذلك جليا في ما نقله أبو بكر القادري في كتابه مذكراتي في الحركة الوطنية المغربية من 1930 إلى 1940؛ » إن الاطلاع على البيعة الحفيظية والمذكرات والمشاريع التي كان يتقدم بها بعض المثقفين المخلصين، ومشروع الدستور المنشور في لسان المغرب وبعض محاضر جلسات مجلس الاعيان كل ذلك يذل على أنه كانت ببلادنا  …. مذكرة وطنية ربما لم تكن لها من الامكانيات والتنظيمات ما يعطيها قيمة حركة وطنية منظمة ولكنها على كل حال كانت موجودة تقوم بواجباتها في دائرة إمكانياتها. »[2]

وفي هذا الباب تجدر الاشارة أيضا إلى تداخل مجموعة من العوامل في بروز هاته التنظيمات السياسية في وضع محلي طابعه الخاص تمثل في التداخل الأجنبي بعد توقيع معاهدة الحماية المشؤمة سنة 1912 مما ولد شعورا قويا لدى المغاربة بالانتماء للوطن، وقد كان هذا الإحساس السبب الرئيسي لتصدي المغاربة للاحتلال الأجنبي عن طريق المقاومة المسلحة والتي لم تستسلم إلا بعد أن استنفدت جميع الوسائل والإمكانيات المتاحة لمواجهة العدو.

ويوضع تاريخ المغرب بعد توقيع معاهدة الحماية بفاس 1912، أن المغاربة لم يتقبلوا أبدا حالة التبعية التي فرضت عليهم، فبعد المقاومة المسلحة للفلاحين والرعاة(1912-1934) طهرت المعارضة السياسية(1930-1942) غير ان الحركة الوطنية اكتسبت طابعا عنيفا بعد انخراط الطبقة العاملة الحديثة التكوين في الصراع (1945-1955) ومن ناقلة القول أن سير الأحداث بالمغرب تأثر تأثيرا بينا بتطور الوضعية السياسية في فرنسا والمغرب.[3]

ويشير الاستاذ عبد الكريم غلاب أن انطلاق العمل السياسي في المدن، يعني ام المدينة أصبحت لأول مرة تدافع عن الريف، بينما كان العكس هو طابع الحركات التحررية من قبل حيث كانت القرية هي السباقة للوقوف امام التدخل الاجنبي، ويوضح أن البرجوازية هي التي قامت بهذا العمل. معلا… الظاهرة بعاملين؛ الأول نفسي والثاني ثقافي. ولا نجد رابطا بينها إلا حجم الصدمة التي أحدثها الاستعمار في نفوس الشباب سواء بتخاذل الآباء وسلبيتهم فكان على الأبناء أن يفكروا عما حدث، أو حينما تمكنت الجيوش الغازية من هزيمة بالمقاومة المسلحة، ويستنتج بالتالي أن الحركة السياسية قد تكون البديل للحركة الوطنية المسلحة، ثم يعود ليعكس المسألة ويحسمها في عنوان جانبي قائلا: » الحركة السياسية ليست بديلا للمقاومة المسلحة، بل هي حركة وجدت لتمتص اليأس الذي كان يهيمن على عامة الناس.[4]

إضافة إلى ما سبق نجد أن هناك اتفاق بين الباحتين على كون سنة 1934 هي البداية الفعلية لانطلاق التنظيم الحزبي مع العلم أن هناك تنظيمات سبقت الحزب الوطني، فقد ثم تأسيس أول تنظيم سياسي عقب الحرب الريفية في غشت 1926 وقد كان نشؤها نتيجة الهزيمة التي تلقها عبد الكريم الخطابي فحاولت النخبة الحضرية تجاوز الاختلاف العسكري عبر العمل السياسي ولكن لم يكن العمل السياسي ممكنا في غياب تنظيم سياسي يسهل عملية التواصل وإمكانيات التنسيق ومع حلول 1934 انهزمت المقاومة المسلحة غير أن الضربة التي وجهها عبد الكريم للجيوش الإسبانيين والفرنسيين أدت ابتداء من 1925 إلى بروز المعارضة السياسية في المدن، وقد تبلورت هذه المعارضة حول » الظهير البربري » سنة 1930 فأعد الشباب المثقف وهم محركوا هذه المعارضة برنامجا للإصلاحات وأسسوا أول حزب سياسي مغربي هو « كتلة العمل الوطني » سنة 1934، ثم انقسموا ليكونوا حزب بينهما  الحزب الوطني الذي تحول بعد أن منع سنة 1937 إلى حزب الاستقلال في 1943 والحركة القومية التي أصبحت في 1946 تحمل اسم الشورى والاستقلال.[5]

وفي نفس السياق وجب علينا عدم إهمال أن المنطقة الشمالية عرفت مند بزوغ فجر الحماية تشكيل جماعات وطنية كان لها وقع كبير على تطور العمل السياسي في المغرب، واستطاعت هذه التشكيلات ان تجد لنفسها موطئ قدم داخل مقاومة الريف للنهوض بأوضاع التعليم عبر إنشاء مدارس حديثة وإرسال بعثات ضل بين إلى المشروف على أساس تكوين خير خلف لخير سلف، وساهم ذلك في تطوير معارف الطلبة وربط اتصالات بجمعيات الطبة من الدول الشقيقة وبوطني الدول المجاورة وكذا بوطني المنطقة الفرنسية والمشاركة في بعض الجمعيات والعصب المناهضة للاستعمار.[6]

ومن جهة نجد ان علال الفاسي في كتابه الحركات الاستعمارية بالمغرب العربي يقول بأنه كان التأثير الايجابي للمقاومة الريفية في تنمية الحس الوطني  والانفتاح الخارجي لدى قادة الحركة الوطنية المتمثلة في الاتصال المبكر بالمشرق والقرب من أوربا، وليونة المواقف الإسبانية بالنظر إلى الموقف المتشدد للاحتلال الفرنسي في المنطقة السلطانية كلها عوامل ساهمت في بروز الحركة الوطنية وشكلت سنة 1936 ميلاد جزب الإصلاح الوطني بقيادة « ع. الخالق الطريس ». وسنة 1937 أنشأ  » المكي الناصري » حزب الوحدة المغربية بدعم المنطقة الخليفية إليه، فنظم نفسه وفتح فروعه وأسس هيئة للشبيبة ».[7]

 ويرجع جون واتر بوري إلى أن أصول الحركة الوطنية المغربية كمثيلاتها في الشرق الاوسط تراجع إلى النهضة الدينية السلفية التي قيل عنها إنها مثال أخر لنموذج تاريخي لكل كلاسيكي أي نموذج الحركة المتزامنة التي  تتحمس لها الفئات  الشعبية المضطهدة، ذات الأوضاع المتدهورة أثناء مراحل الاضطرابات والتحولات الاجتماعية، سواء في المدن او البوادي.[8]

هكذا اذا اكتشف القادة الشباب للحركة الوطنية وهم يخطون أولى خطواتهم في ميدان النضال؛ الواقع المرير بمختلف أبعاده فرأوا بكل وضوح الأخطار التي كانت تهدد مستقبل الشعب المغربي إزاء النظام الاستعماري، وبالتالي استوجب الامر تدارس الوسائل والأساليب التي قد تساهم في ايقاف المسلسل الاستعماري الخطير، في ذلك الصرف لم تكن الوسائل هي الرجوع إلى حمل السلاح فقد قامت المقاومة المسلحة كل ما كان في جعبتها أن تقدمه في الجبال والبوادي طوال ثلاثة عقود التي تلت الحماية، وفي صدد البحث عن سبل وأدلة تكون مرشدا للعمل لم يكن أمامهم سوء الأخذ بيد الوازع الديني وذلك راجع إلى أن الثقافة التي كانت سائدة أنذلك ذات أبعاد دينية بالأساس، كانت عبادة الأولياء، والممارسات الهرطقية وما إلى ذلك من أشكال البدع المختلفة منتشرة في أرجاء المغرب، حيث الزوايا والطرق من أكبر الدعاة.

وكما أشرنا سابقا على ان الثقافة التي كانت سائدة أنذلك في أوساط المجتمع المغربي هي الثقافة الدينية بحكم عدد الزوايا التي كانت موجودة ببلاد المغرب، فقد كانت التنظيمات الحزبية في بدايتها على شكل جماعات تضم مجموعة من الأفراد تجمعهم نظرة موحدة إلى الواقع، فإذا كان عملهم قبل ذلك يقتصر على بعض الأشغال الاجتماعية والاقتصادية فإن الوضع حتم على هذه الجماعات تنظيم نفسها وإعطاء حيز كبير من التفكير حول ما آلت إليه الأوضاع خصوصا بعد وضوح النوايا الاستعمارية، والتحرك في مدار توسيع دائرة الجماعات عبر فتح العديد من قنوات الجوار المباشر والغير المباشر مع مختلف الجهات التي وضعت يدها على جرح الأزمة المغربية الداخلية منها والخارجية.

والواقع أن بداية تنظيماتنا الجديدة كانت عمليا وبإحكام أكبر قبل سنة 1943 عند ما بدأ تفكيرنا يتضاعف وعزمنا يتقوى للقيام بعمل حاسم تستفيد منه بلادنا ونرفع به قيمة وطننا فصرنا نؤسس الخلايا الحزبية، وبدأ التفكير في الوقت نفسه بتوسيع دائرة الطائفة وهي الجناح السري في الحزب بتكوين خلايا خاصة أدخلنا فيها بعض العناصر الشابة التي أبانت عن وطنيتها ونضجها وحماسها.[9]

وفي نفس السياق ومحاولة من أعضاء الحركة الوطنية جعل الطائفة تلعب الدور المنوط بها أندلك في مواجهة الاحتلال والصراع من أجل استقلال الوطن يضيف أبو بكر القادري في كتابه الحركات الاستقلالية بالمغرب العربي » فقد طورت الجماعات نفسها عبر القيام بعدة تحركات همت بالأساس إدخال تعديلات على الطائفة؛ الدعامة الأساسية للتنظيم واستقطاب طاقات تشابك وتكونت لجان من الطلبة وغيرهم، خصصت لها مهمة كتابة المنشورات وتوزيعها على الدور والحوانيت وتعليقها على الجدران تدعو الناس إلى الثبات والاستمرار في التضامن والتمسك بالمطالبة بالاستقلال.[10]

ومع بروز هذه التنظيمات ساهمت مختلف مكونات الشعب المغربي كل حسب موقعه في أن تؤدي دورها كمساهمة في المسيرة التحررية للشعب المغربي من نير الاستعمار ومختلف أشكال العنف والاضطهاد التي مورست في حقه طيلت مرحلة تاريخية هامة لها انعكاس على الحياة العامة للشعب مما فتح آفاق رحبة أمام الحركة الوطنية التي ظهرت كحركة تحررية بديلة عن حمل السلاح في البوادي والجبال الذي اتخذه أعضاء المقاومة المسلحة إلى حدود بداية الثلاثينات، فلعبت الزوايا والطرق دورها، ولعبت الطائفة دورها والتنظيم الحزبي في شخص كتلة العمل الوطن لعب دوره في هذا الباب  ومختلف الفئات المثقفة في الشعب المغربي مما سيطور من أداء هاته التنظيمات السياسية الحزبية في مستقبل السنوات المقبلة.

 

 

 

 

 

 

– المبحث الثاني:  تطور التنظيمات السياسية المغربية.

نشأة كتلة العمل الوطني تبعا لرغبة الوطنيين المغاربة في الانتظام في دائرة تعمل على تنسيق الحركة الوطنية وتوجهيها، فبصدور قانون إلحاق المغرب بوزارة المستعمرات الفرنسية في فبراير 1934 حيث ان هذا الإلحاق يفقد المغرب شخصيته السياسية كما يمس سيادته المنصوص عليها في معاهدة الحماية وفي هذا السياق عمات النخبة الوطنية على صياغة مطالب تتماشى  مع المرحلة الجديدة.

وفي هذه الفترة برز أول تنظيم حزبي علني باسم كتلة العمل الوطني يتجلى نشاطه بالأساس في وضع برنامج أثار العناية بالحركة الوطنية، المغرب أكثر مما أثارتها المظاهرات في الشوارع.[11]

وتعتبر مرحلة ما بعد ظهور حزب كتلة العمل الوطني البداية الفعلية للتحولات والتطورات الهامة التي عرفها مسار العمل السياسي بالمغرب بما هو تطور هاته التنظيمات في نشاطها وعملها السياسيين، حيث رفعت كتلة العمل الوطني يومي 16 و17 ديسمبر سنة 1935 للسلطان والمقيم العام ووزير الخارجية الفرنسي ورئيس الجمهورية ورئيس لجنتي الخارجية في مجلس الشيوخ عدة برقيات تتضمن الاحتجاجات الصارخة على هذه الحركات الباطلة التي يقوم بها المستعمرون والفرنسيون متناسين الشعب المغربي وحقوقه الطبيعية.[12]

وعلى كل حال فمهما تعددت أسباب انقسام الكتلة فإنه وكما يقول » العلوي مصطفى » « لم يكن غربيا أن تنقسم الحركة الوطنية في سنواتها الأولى، فقد كان ضروريا وطبيعيا نتيجة التطور الذي عرفته المجموعة الوطنية في أولى سنوات وجودها لأن الانقسام من سنن التطور وليس من سنن المصلحة الفردية كما يدعي القائلون فرق تسد ».[13]

وبعد انسحاب محمد حسان الوزاني ثم اختيار احمد فريج كأمين عام، ومن ثم فقد تابعت اللجنة التنفيذية اعمالها ككتلة بإصدارها مجموعة من الصحف كصحيفة « الأطلس » في 19 يناير 1937 وجعلت من هذه الصحيفة لسانها الناطق بالعربية ومن صحيفة  »العمل الشعبي » كلسان ناطق بالفرنسية، وعملت كل ذلك للتعبير عن موقفها وأخدت فاس مركزا عاما لها وهذا ما أدى إلى تصاعد النضال الوطني وتجاوب الشعب معه في كل مناطق المغرب سوآءا، وفي البوادي أو في المدن مع هذا النضال ودلك بالانخراط فيه، مباشرة بعد صعود الجبهة الشعبية إلى الحكم في فرنسا، حدث تحول جذري في بنية كتلة العمل الوطني التي عاشت مجموعة من التناقضات نتيجة الإجراءات المتسامحة التي اتخذها المقيم العام الفرنسي نوجيس، وهكذا فقد أصبحت الكتلة منفتحة على القواعد الشعبية، وتأسست فروع جديدة، لها في عدة مدن كمكناس، صفروا،  ووزان، قصبة تادلة وغيرها هذا الانفتاح سيفجر مجموعة من الخلافات داخل الكتلة والتي كانت تضم تيارين مختلفين تماما في توجهاتها، وهكذا سيشكل مشكل الفساد داخل الكتلة سببا رئيسيا في انشقاق هاته الأخيرة، وهذا ما أكده محمد ضريف حينما قال أن تحول بنية كتلة العمل الوطني من حزب مغلق على نفسه إلى حزب منفتح على القواعد الشعبية سيطرح مشكل القيادة داخل الحزب، إذ أن فكرة القيادة الجماعية لم تعد صالحة بعد هذا التحول وكان هناك شخصان فقط مؤهلين لتزعم الحزب الذي أصبحت له أصول الجبهة الشعبية قدرة على تحريك الشارع هذه الشخصان هما علال الفاسي  ومحمد وحسن الوزاني.[14]

وفي اكتوبر 1936 عرفت كتلة العمل الوطني تحولات في بنياتها، هذا التحول سيدعو إلى بذل المزيد من الجهود قصد هيكلتها، وما الاجتماع الذي انعقد في يناير 1937 واختيار لجنة تنفيذية جديدة للحزب، سوى نقطة من الخلافات التي كانت بين علال الفاسي، ومحمد حسن الوزاني مما ادى بهذا الأخير بعدم قبول التركيبة الجديدة للجنة التنفيذية  وانسحابه من كتلة العمل الوطني لتنفجر في الأخير، وقد ظهر عن هذا الخلاف بروز حزبين في الساحة السياسية هما: الحركة القومية، والحزب الوطني.[15] غير أنه سرعان ما تحول إلى: حزب الشورى والاستقلال بالنسبة للحركة القومية سنة 1946 بزعامة محمد حسن الوزاني، والحزب الوطني الذي تحول إلى الاستقلال سنة 1944 بزعامة احمد بلافريج، وفي هذه السنة قامت رموز بارزة من الحركة الوطنية المغربية ومن نشطاء » كتلة العمل الوطني » المنحلة بإعلان « وثيقة الاستقلال » وثم تأسيس حزب المغربي من طرف بلافريج لتحقيق مبادئ الوثيقة الاستقلالين ومنها استمد الحزب اسمه، وفي العودة للحديث عن انشقاق حزب الشورى والاستقلال عن كتلة العمل الوطني باعتباره من اهم الأحزاب السياسية التي نشأت في مدة الأربعينيات من القرن العشرين للوقوف بوجه الاستعمار الفرنسي، وحمل هذا الحزب بداية تأسيس اسم الحركة القومية التي شكلها محمد حسن الوزاني. وفي العام نفسه تعرض الوزاني للاعتقال والنفي إلى جنوب المغرب مما اضعف من تأثير الحزب في الساحة السياسية بالمغرب على الرغم من تقديمه وثيقة الاستقلال في الثالث عشر من كانون الثاني /يناير1944 التي نافست وثيقة الاستقلال التي قدمها حزب الاستقلال في الحادي عشر من كانون الثاني / يناير 1944.[16]

وفي نفس السياق وجب علينا عدم إهمال ان المنطقة الشمالية عرفت مند بزوغ فجر الحماية تشكيل جماعات وطنية كان لها وقع كبير على تطور العمل السياسي ببلاد المغرب، واستطاعت هذه التشكيلات أن تجد لنفسها موطئ قدم داخل النخبة السياسية. وكان همهم الأكبر خصوصا مع إخماد نيران المقاومة بالريف للنهوض بأوضاع التعليم بإنشاء مدارس حديثة، وإرسال بعثاث بين المشرق على أساس تكوين خير خلف لخير سلف، وساهم ذلك في تطوير معارف الطلبة وربط اتصالات بجمعيات الطلبة من الدول الشقيقة وبوطن الدول المجاورة، وكذا بوطن المنطقة الفرنسية والمشاركة في بعض الجمعيات والعصب المناهضة للاستعمار.[17]

هكذا إذا وقعت الانشقاقات داخل التنظيمات السياسية في امس الحاجة إلى تعدد الأحزاب في تلك المرحلة خاصة مع تزايد إجرام المستعمر الاجنبي الذي لم يستثني أحد هذا من جهة ومن جهة أخرى نجد ان هذه الانشقاقات ناتجة بالأساس في الاختلاف بين القادة والزعماء الوطنيين أندلك وهذا ما تؤكده مجموعة من المصادر خاصة و…..على مقربي من تحقيق الهدف المنشود أنداك أي طرد المستعمر الاجنبي والدخول في مرحلة سياسية جديدة.

 

 

– المبحث الثالث: العمل السياسي والاستقلال.

ستنصب جهودنا في المبحث حول أبرز المتغيرات التي عرفتها الساحة السياسية المغربية، والحرص على إيصال صورة واضحة تعطي انطباعا أوليا للحالة  التي كانت عليها التنظيمات الحزبية بالمغرب في احتكاكها مع سلطات الحماية  حول مطلب الاستقلال، مع الوقوف عند أهم المحطات التاريخية التي تفاعلت فيها هذه الاحزاب مع الاطراف السياسية القائمة أنداك مما يجعلنا أمام مهمة صعبة  تمكن في ندرة المصادر التي تناولت الموضوع من جهة وتباين واختلاف أراء أولئك الذين تناولوا الموضوع رغم قلتهم كل حسب مصلحته من الدراسة بطبيعة الحال.

لقد علمنا أن العمل السياسي بالمغرب تأسس في العشرينيات من القرن الماضي بديلا عن المقاومة المسلحة بغية الاستقلال، وتماشيا مع الشروط الدولية وتحولات العصر، خاصتا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وظهور آليات كهيئة عصبة الأمم وإعطاء العمل السياسي أهمية كبيرة في حين تراجع العمل المسلح كوسيلة لتحقيق الهدف، تغيرت معه تصورات المغاربة تجاه السبل المتخذة لطرد المحتل واشتدت الرغبة إلى الجلوس على طاولة الحوار مع سلطات الحماية لوضع حد لمعاهدة الحماية.

طبعا وكما سبقت الإشارة فالتنظيمات السياسية بالمغرب ظهرت في بداياتها على شكل تجمعات سرية تكونت في معظمها من الطليعة أبناء البرجوازية الصغرى متأثرين بالنزعة الشرقية كمرجعية ومرشد العمل عبر بعث وإحياء الماضي واتباع السلف الصالح، كما تأثروا كذلك بالتجربة الفرنسية على مستوى التنظيم، هذه الازدواجية في بنية هذه الأحزاب سيكون لها قسط من التأثير على مجريات الأحداث التي ستعرفها الساحة السياسية عموما، سواء في الجنوب او في الشمال و أخد العمل السياسي يترعرع وينمو في طريق ليس باليسير ولا هو مفروش بالورود.

قد عملت التنظيمات الحزبية في البداية على التفاوض مع سلطات الحماية قصد المطالبة بالإصلاحات وتطبيق ما جاء في معاهدة الحماية من بنود بعد ذلك ستعرف هذه التنظيمات خاصة في المنطقة السلطانية تطورا سلبيا تمثل في بروز ظاهرة الانشقاق أواخر الثلاثينات ، ثم بعد ذلك نقل صراعها مع الحماية من المطالبة بالإصلاحات إلى المطالبة بالاستقلال مستغلة مجموعة من المحددات أهمها تصاعد مؤشر المد التحرري واتساع رقعته، فقد ثم الإعلان بالمطالبة بالاستقلال في وقت واحد تقريبا من الأحزاب الوطنية في المنطقة الإسبانية( ديسمبر 1942) والحزب الشيوعي المغربي (بداية 1943)، ومن طرف حزب الاستقلال (يناير 1944) ويبدو ان الظروف كانت ملائمة.[18]

فقد انفتحت قضية تحرير الشعوب وتقرير مصيرها بنفسها والحرب العالمية على أشدها وعندما ما صدر ميثاق الأطلسي وانعقد مؤتمر أنفا سنة 1943 كانت قضايا تحرير الشعوب مسجلة في جدول أعمال ولقاءات الكبار.[19]

كانت الأربعينيات من القرن الماضي مرحلة حاسمة مشحونة بالكثير من النزعات همت بالأساس تداخل المصالح الاقتصادية، لعبت فيها الأحزاب السياسية أدوارا طلائعية ساهمت في تقوية صفوفها بالمزيد من التنظيم، فنجد أن قادة الحركة الوطنية اهتموا بخلق موارد مالية تضمن لهم السير العادي لعملهم، لهذا نجد قيادة حزب الاستقلال اهتمت باستقطاب البرجوازية الكبرى التي اغتنت من بيع المخزونات الهامة التي أدخرتها قبل سنة 1939.[20] فالتوفر على مؤهلات مالية مهمة والاعتماد على دعامات وركائز من هذا القبيل يزيد العمل دفعة قوية نحو غايته، وهذا ما جعل بعض الباحثين يؤكدون ان السيولة المادية التي اعتمد عليها حزب الاستقلال جعلت منه حزبا قويا قادر على تحمل المسؤولية.

ومند سنة 1944 تغير اتجاه الحركة الوطنية بتأسيس حزب الاستقلال والمطالبة بالاستقلال الكامل لأول مرة نحو تنظيم حزب جماهيري واسع وقررت البورجوازية في الوقت نفسه تمويل نشاطه.[21]

كمت شهدت نهاية الحرب العالمية الثانية  دخول الولايات المتحدة الأمريكية على الخط إذ أخدت المبادرة لإحداث تغيرات على الخريطة السياسية للعالم نظرا لتضاعف ثروتها ومطامعها  والانهيار الشبه التام لمعظم البنيات الاقتصادية للنظام الرأسمالي في القارة العجوز فاضطرت لمساندة الحركات التحررية التي يمكن أن تسمح بإقامة سيطرتها الاقتصادية بدل من سيطرة منافسيها الذين تراجعوا فأخدت في مقاومتهم، فقبلوا بالخضوع على أساس ان يحتفظوا بجزء من مستعمراتهم.[22]

لقد عرفت تحركات الولايات المتحدة الامريكية  في هذا السبيل تصاعدا منقطع النظير وشهد التاريخ أو رأسماليو و. م. أ  قدموا مجموعة من المشاريع الاقتصادية على هذا النحو نذكر مشروع « مارشال » الرامي إلى إعادة إعمار أوربا وإحيائها خوفا من انتشار المد الشيوعي القادم من الشرق، ووجب القول أن فهم السياق التاريخي لمطالبة الأحزاب المغربية بالاستقلال يرتبط ارتباطا وثيقا باستيعاب الجو الدولي المحيط بهذا الحدث.

وفي نفس السياق تميزت المرحلة التي تبدأ بعد سحق قوات المحور(1944-1945) (إيطاليا، ألمانيا، اليابان) بتقدم القوى الديمقراطية في العالم ، فقد كان المعسكر الاشتراكي حول الاتحاد السوفياتي الذي حطمت جيوشه الآلة الهتلرية، أما في بلدان أوربا الغربية فقد تراجعت القوى الرجعية التي أضعفتها الحرب وأذلها التواطئي، أمام تصاعد المد الشيعي وساهمت الشعوب المستعمرة في الكفاح من أجل الحرية، كما أعطيت لها بعض الوعود وأعاد ميثاق الأمم المتحدة( يوليوز 1945) بعد ميثاق الأطلسي تأكيد حق الشعوب في تصريف شؤونها بنفسها. وطالب باحترام حقوق الانسان وانبعثت حركة الانعتاق والتحرر في إفريقيا وأسيا، وقامت مجموعة من الدول مثل الهند وباكستان وإندونيسيا برفض تير الاستعمار الانجليزي والهولندي.[23]

فالانتشار الواسع لشعارات الاستقلال وصلت مداها إلى مسامح وأدهان الزعامات الوطنين آنذاك فتسارعت خطواتهم وعرفت دينامية غير مسبوقة في اتجاهات مختلفة كل حسب قناعته وأمليه أن يكون النجاح من نصيبهم، فتباينت آرائهم السياسية إلى القضايا المطروحة أنداك أهمهما مطلب الاستقلال.

فنشير إلى أن حزب الاستقلال لم يكن يعارض سلطات الحماية ولم يقف عكس مشاريعها ورغباتها الاستعمارية، كما أعلنوا مؤازرتهم للحلفاء في الحرب العالمية الثانية ، وصرح قادة الحرب في 19 يناير 1944 قائلين لم يكن هدفنا إثارة أو طلاق حركة عصيان داخل البلاد ، يمكن ان يكون من نتائجها عرقلة جهود الحلفاء في الحرب التي يجب أن يقوم بها كل واحد.[24]

هذا ما يوضح أن حزب الاستقلال مند إعلانه وثيقة 1944 كان مستعدا للتفاوض مع كل الأطراف التي دخلت على خط الزمة المغربية من أجل إيجاد حل يرضي مصالح كل طرف  مناديا فرنسا إلى الإسراع بإعلان استقلال المغرب  ضمن حدوده الطبيعية  وإلغاء الحماية الفرنسية، فضلا عن ضرورة تمتع المواطن المغربي بحقوقه الوطنية كافة.

فقد جاء في كتاب الحركات الاستقلالية بالمشرق العربي أن قادة الوطنيين قدموا مذكرة إلى الحكومة الفرنسية أواخر الأربعينيات جاء فيها ان هؤلاء يسعون إلى استرجاع السيادة المغربية وتطبيقها تطبيقا تاما وتحقيق استقلال الوطن ضمن نطاف وحدته الترابية والسياسية وفي دائرة ملكية دستورية، ثم الاتجاه المغرب في مرحلة انتقالية  تسمح له بأن ينظم شؤونه تنظيما حرا وبأسرع  الطرق نحو مستقبله ومصيره الحر أي نحو سيادته التامة واستقلاله المضمون بمعاهدة تحالف وصداقة تبرم طوعا واختيارا.[25]

كما أكد ذاك علال الفاسي يبدوا أن تنظيمه أبان عن نيته في مد يد العون إلى السلطات الفرنسية، فالتركيز على معاهدة التحالف والصداقة طوعا كانت أم ..اخيار دليل على قيمة التنازلات التي كان يقدمها الحزب بالوريث التاريخي لكتلة العمل الوطني  لفرنسا، والسعي إلى كسب تأييدها والعمل على ان يكون السلطان رقم في معاهدة الاستقلال  والضامن لوحده البلاد في كلمة أدلى بها علال الفاسي لبعض الصحف الفرنسية إثر زيارته لباريس يقول  » لقد جئت لفرنسا كي أواصل الجهود، وسأتصل بجميع الأوساط الفرنسية التي أرجوا ان أجد قبولا وتأييدا ».[26]

فقد كانت خطتهم مبنية على أن يبقى الملك صلت وصل بين الشعب المغربي وبين ممثلي فرنسا ومن صفته الرسمية وشخصيته التقليدية ما يخوله ان يكون العامل على التقريب بين وجهتي النظر المغربية والفرنسية.[27]

يتضح مما سبق أن حزب الاستقلال ألح ان تكون البلاد تتمتع بكامل سيادتها وبعد ذلك القيام بما يجب القيام به من إصلاحات دستورية وقوانين تنظيمية توجه العمل السياسي بعد الإستقلال، دون ذكر أي محاولة للانتفاض ضد فرنسا والمطالبة بجلاء أخر فرنسي من داخل  البلاد، فيما رأى قادة حزب الشورى والاستقلال أن ذلك ليس سوى مدخلا للهيمنة ومعبرا الملكية رجعية تحكم من قبل الحزب الواحد لذلك أكد الحزب على ضرورة أن تسير العملية السياسية بالبلاد وفق ملكية ديمقراطية مع مطلب الاستقلال ونتيجة للضغط الشعبي الواسع وقيام الثورة الجزائرية سنة 1954 دفعت فرنسا من خلال الأزمة المغربية وكانت الحدث أيام 22-27 بمؤتمر إكس ليبان.

أدركت فرنسا أنه لا مجال لكل الأزمة المغربية سوء بالمفاوضات مع قادة الحركة الوطنية لذلك دعتهم لحضور مؤتمر إكس ليبان كما دعت بعض المغاربة المتواطئين معها لحضور المؤتمر من الأعيان والقواد وشيوخ القبائل كقوى ثالثة ترغب فرنسا في أن تجد لها مكانا في القائمة التي ستحل محل الإقامة العامة.[28]

يعتبروا كثير من المؤرخين الذين عايشوا هذه المرحلة أن سلطات باريس استدعت الصف الوطني   في وفد 37 عنصر يضم ممثلي المصالح الفرنسية بالمغرب، مما جعل نتائج المفاوضات لا تخرج عن مرامي فرنسا المتطلعة إلى رفع يدها عن المغرب برموزها السيادية دون أن تخرج عن مرامي فرنسا المتطلبة إلى رفع يدها عن المغرب برموزها السيادية دون أن تفرط في مصالحها الاقتصادية والثقافية والاستراتيجية بالبلاد.

وفي هذا السياق يروي السياسي والكاتب الراحل ع .الهادي بوطالب الذي كان ضمن الوفد المغربي عن حزب الشورى والاستقلال، إن فرنسا كانت تريد أن يكون مؤتمر حوار مغربي أي الأحزاب والقوة الثالثة التي اصطنعتها الإقامة العامة ليصلوا إلى صيغة توافقية في موضوع مغرب ما بعد الاستقلال على أرضية مشتركة يمكن أن يستقر عليها الطرفان بالتراضي.[29]

لقد كانت « إكس ليبان » عبارة عن جلسات اجتماع دعيت إليها مختلف الأطباق السياسية المغربية لتقدم تصوراتها لحل الأزمة المغربية أمام لجنة وزارية فرنسية وعرض ممتلوا الأحزاب المغربية وجهات نظرهم، كما لا يمكن نفي دور » إيكس ليبان » في مسار الأحداث فهي محطة أساسية في رسم ملامح مرور المغرب إلى مرحلة أخرى. وكما أشار إلى ذلك العديد من الباحثين، لم يخرج مؤتمر  » إيكس ليبان « بأي نتيجة او وثيقة تظهر المنحى الذي سيأخذه العمل السياسي في البلاد غير ما أكده؛ أن الوفد المغربي مرغم على تشكيل حكومة تسهر على التفاوض على مطلب الاستقلال.

كما شكلت مباحثات إيكس ليبان  محطة بالغة الأهمية في تاريخ كفاح الشعب المغربي لاسترجاع حريته واستقلال بلاده، فهذه لمباحثات في رأي بعض القادة السياسيين ومن الذين شاركوا فيها أو تتبعوا أطوارها من بعيد. لم تكن في واقع الأمر سوى مجرد مصيدة أو فخ سياسي سقطت فيه قيادات وطنية عن حسن نية، أو حسي تحليلات خاطئة ومتسرعة فكانت  من نتائجها الملموسة إجهاض الثورة المغربية وهي في طور المخاض والتبلور، وحصول المغرب على استقلال أطلق عليه عدة أطراف سياسية وطنية أو صافا ونعوتا من بينها استقلال زائف، ممنوح، شكلي ، منقوص إلى غير ذلك من النعوت والأوصاف.

وقد حرصت السلطات الحكومية الفرنسية على عدم الدعوة لهذه المباحثات زعماء الأحزاب الوطنية  البارزين علال الفاسي، محمح حسن الوزاني، واحمد بلافريج كما حرصت على عدم دعوة ممثلي  حركة المقاومة المسلحة باعتبارهم ارهابيين ومتطرفين وقادة يتلقون الدعم من جهات خارجية معادية لفرنسا  وللعالم الحر.[30]ختاما، لقد شهد العمل السياسي بالمغرب مند بروز أحداثا كثيرة أترث من قريب أو بعيد عي مساره حال دون تحقيق ما كان يصبو إليه، ووقف عاجزا أمام إحداث حواجز قوية ومتينة تتصدى لكل الأطماع التي تكالبت على المغرب مند فجر النزعة الاستعمارية، اتسم في معظمه بالركود نظرا لعدم وضوح الرؤية إلى الأمور مند البداية فنجد أنها نهجت أسلوب الاعتدال في مجمل احتكاكاتها بسلطات الحماية، ويتضح ذلك جليا في مذكرة الاصلاحات التي من ورائها المطالبة بإشراك المغاربة في تقليد المناصب إلى جانب الفرنسيين، وهي وجه من الأوجه التي تتم عن حجم الانزلاقات التي كانت تعرفها وتتخبط في مستنقعاتها المنظومة الحزبية بالمغرب في سبيل لتفاوض مع فرنسا، دون إهمال الإطار التقليدي الذي تأسست عليه هذه الأحزاب، بحيث نجدها قامت في بداياتها على شكل طوائف يكون فيها الولاء للزعيم أهم القواعد التي تقوم  عليها الطائفة وهذا ما سيؤثر على قرارات هذه الجماعات خصوصا عندما تصل في طريق تطورها إلى تنظيمات حزبية قائمة. هذه الصفة بطبيعة الحال تسهل على الأعداء اختراق المجال الداخلي للحزب ويعرضه للانشطار بين من يثقف من أراء الزعيم ومن يعارضها، كما كان اختلاف  الآراء حول الاستقلاب بين من يرى أن الظروف تستوجب الكفاح من اجل إنهاء عقد الحماية ثم التفكير في سبيل مواجهة تحديات المرحلة القادمة، ومن يرى أنه وجب إرفاق مطلب الاستقلال باستراتيجية مواجهة التحديات.

بل أن الملكية الديمقراطية كانت في رأيه مدخلا أساسيا للاستقلال.[31]

في المقابل كان موقف فرنسا في هذه المفاوضات يتطلع إلى الحفاظ على مصالحها وفق أهدافها البعيدة المدى هادفة إلى إقامة نظام سياسي يضمن لهل مصالحها، ويبرر الفرنسيون موقفهم بأن المغرب الأقصى بلاد غنية  وذات موقع عسكري لا يمكن الاستغناء عنه في البحر الأبيض المتوسط ولذلك فإن ترك فرنسا له يعرضه حتما للاستيلاء الأمريكي أو الروسي وكلاهما خطر عليه وعلى فرنسا.[32]

وأمان تصاعد حدة المفاوضات وتزايد نشاطها قادة العمل السياسي بالمغرب، رافق ذلك زيارة الملك محمد الخامس لمدينة طنجة في أبريل 1947 وأكد في هذه الزيارة على وحدة المغرب تحت سيادته وألقى خطابا تاريخيا أكد على عروبة المغرب وإسلاميته مؤكدا سياسة البلاد المستقبلية المرتبطة بجامعة الدول العربية ورفض فكرة ضم المغرب إلى الاتحاد الفرنسي ونادى بضرورة استعادة المغرب وحدته واستقلاله وبين عطفه على الآمال القومية للمغرب لكي يتمكن من النهوض والتقدم في ظل حياة ديمقراطية دستورية.[33]

يتبين إذن من اختلاف الآراء والتوجهات السياسية للإقامة العامة الفرنسية بالمغرب والملك والأحزاب السياسية الوطنية المغربية، فحاول كل طرف اثبات نفسه على الأخر دون جدوى وامام هذه الدينامية الوطنية الواسعة والمؤيدة من قبل السلطات لجأت فرنسا للضغط عليه وإرغامه سنة 1951 بالاختيار بين التبرؤ من الحركة الوطنية أو التنازل عن العرش.[34]بين هذا وذاك ظلت فرنسا تساوم وتفاوض كل الأطراف، وتارة تسعى إلى كسب عطف أحدهم على الأخريين والأخريين على الاخر وأحيانا التعامل بصرامة مع الجميع مع الحذر من جميع الأطراف.

عموما اضطر الملك الموافقة على الشرط الأول لتجنب البلاد ما يترتب عن خاق فوضى وعدم الاستقرار، إلا أن الشعب المغربي عموما والحركة الوطنية بوجه الخصوص لم تعد موافقة  الملك وتوقيعه للمطالب الفرنسيين ذو أهمية تذكر لأن  الملك أجبر على ذلك.[35] وكونه كان يحتل مكانة لامعة في مشاريع وأهداف أغلب الأحزاب القائمة أنذلك، سارعت إلى توحيد الجهود للقضاء على المناورات الفرنسية فقاموا بتأسيس الجبهة الوطنية المغربية في أبريل 1951 بمدينة طنجة ضمن الجبهة حزب الاستقلال بزعامة علال الفاسي، وحزب الشورى والاستقلال بزعامة محمد حسن الوزاني، وحزب الاصلاح الوطني بتطوان بزعامة. ع. الخالق الطريس، وحزب الوحدة الوطنية في طنجة بزعامة المكي الناصري بتأسيس هذه الجبهة تمت الوحدة بين الأحزاب السابقة التي قامت بنشاط مشترك.[36]

كان من بين أهم المبادئ التي قامت عليها الجبهة النضال في سبيل استقلال المغرب ورفض الاندماج مع الاتحاد الفرنسي، وتحديد علاقات المغرب مع فرنسا وفق معاهدة، مودة وصداقة جديدة واتباع منهج السلطان.[37] لقد سعت الجبهة إلى العمل  بالمقاومة والقيام باحتجاجات واضطرابات في المدن ثم المطالبة بإدراج  المشكلة المغربية في جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة كما عملت الجبهة بإرسال وفد لباريس لاطلاع الرأي العام الفرنسي بالقضية المغربية.[38]

حاولت فرنسا فك الارتباط الذي كان بين الوطنين والملك محمد الخامس خاصة بعد ما بارك جدول أعماله الجبهة، فلجأت لتهديد الملك بخلعه ونفيه إن لم يوافق على كل طلباتها المتمثلة بخضوعه التام لها، رفض الملك الشروط التي عرضت عليه مقابل بقائه في السلطة، فما كان من سلطات الحماية إلى ان خلعته ونفيه مع أسرته في غشت 1953 وعينت مكانه محمد بن عرفة سلطانا جديدا للمغرب.[39] لم تتكشف السلطات الفرنسية بذلك بل شنت في الوقت نفسه حملة اعتقالات واسعة في صفوف الحركة الوطنية وخيم تظاهر الارهاب البوليسي على المغرب كله أنداك.[40]

أمام هذا الوضع فقد وصل حزب الشورى والاستقلال لاستنتاج مفاده أن العمل الوطني السياسي أصبح عقيما والوضع في المغرب يندر بالمخاطر فليفعل كل واحد منكم ما يراه مناسبا وليستعمل الوسيلة التي يراها صالحة سواء كان عنيفا أو فشل أو القيام باضطرابات وكل ما يؤدي إلى إزعاج الفرنسيين والعملاء المغاربة ومضايقتهم.[41] أما حزب الاستقلال فقد كان موقفه مند البداية مند بدأ  ازداد القيام بأعمال مسلحة باعتقاده أنه لا يؤدي إلى نتيجة وفق طبيعته البرجوازية التي تراهن على التفاوض.[42]

وأعلن تأسيس وتشكيل حيش التحرير المغربي 1954 فتصاعد نشاط الحركة الوطنية واشتدت   الاضطرابات وأعمال العنف وتكبدت فرنسا خسائر فادحة.

 

 

 

 

الفصل الثاني: المشهد الحزبي بالمغرب بعد الاستقلال

نشأت الأحزاب السياسية بالمغرب كرد فعل ضد السياسة الاستعمارية الفرنسية والإسبانية فكان أول حزب سياسي مغربي ظهر متمثلا في كتلة العمل الوطني 1934 ردا على إلحاق المغرب بوزارة المستعمرات الفرنسية. الأمر الذي حكم عليها موضوعيا وذاتيا بالدخول في مواجهة مفتوحة مع السلطات الاستعمارية التي عملت بدورها على تفكيكها والضغط عليها. وإبان هذه المواجهة سيعرف الجسم الحزبي بالمغرب عدة نوبات حتمت عليه بعدم الاستقرار، والدخول في فترات غلب عليها طابع الغموض في التصور والممارسة. لعل أبرز السمات التي طبعت طريق هذه الأحزاب منذ نشأتها حتى إعلان الاستقلال هي الاختلاف التي تأتي من داخل جماعة الأفراد المكونة لها، فرغم أن الهدف كان مشتركا إلا أن معظم التنظيمات جعلت من الإجراءات المتخذة مجالا للاختلاف دون إهمال تدخلات القوى الخارجية الطامعة في الطفر بقسط من الغنيمة. لقد وردنا في الفصل السابق بعض ملامح المشهد الحزبي إبان التواجد المباشر للقوات الاستعمارية، مقتصرين على بعض النماذج من التنظيمات دون أخرى، وذلك لما كان لها من تأثير على التحولات التي عرفها المغرب في هذه المرحلة من تاريخه خصوصا في محطة المطالبة بالاستقلال.

يشد دريمي لوفو وعبد الله العروي أن الأحزاب في المغرب لم تأت نتيجة تطور سياسي واجتماعي داخلي بقدر ما تحكمت في نشأتها عوامل خارجية وفي جميع الأحوال، ولدت الأحزاب السياسية في المغرب محملة برصيد العلاقات الاجتماعية بوسطها المطبوع بعصبية القبيلة القائمة على التبعية للزعيم أو القايد أمغار بالأمازيغية في مواجهة الآخر، فقد قاد عملية التأطير والتوجيه نخبة حضرية في المدن التقليدية، على خلفية ثقافة سياسية تقوم على علاقة الولاءات العائلية والحرفية وتراتبية الزاوية المطبوعة بخضوع المريد للشيخ.

لم يكن الهدف في المنطلق خوض الصراع السياسي ضد طرف مغربي آخر من أجل الوصول إلى الحكم، بل انحصرت المهمة الكبرى في حسم التناقض الأساسي أولا، بمقاومة الاستعمار الذي شكل التناقض الرئيسي أمام أحزاب الحركة الوطنية ثم بعد ذلك ستشهد المنظومة الحزبية عدة تغييرات. ابتدأت بحصول انشقاق في حزب الاستقلال، فحدث السيخ في المشهد الحزبي بانفصال الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كتنظيم يجمع ثلة من الأشخاص المحسوبين ضمن الإطار التقدمي كالمهدي بن بركة و ع الرحيم بوعبيد، محمد الحبابي. وغيرهم وذلك بعدما تعاقبت أربع حكومات على تسيير شؤون البلاد كان آخرها حكومة ع الله إبراهيم التي أثارت جدلا واسعا بعد إقالتها. كما شهد العصر على ميلاد أحزاب أخرى كان لها أثرها على مجريات تاريخ المغرب المعاصر كما سنرى في الفصل الثاني من هذا البحث المتواضع.

 

 

 

المبحث الأول: الصراع على السلطة:

شكل الحزب بالمفهوم الحديث مادة دسمة للبحث التاريخي والسوسيولوجي باعتباره وسيلة للوصول إلى السلطة. وبالتالي تطبيق مختلف الآراء والنظريات التي يؤمن بها أصحابه. والتي تشكل رؤيتهم الخاصة لإصلاح وبناء المجتمع، ووفقا للموسوعة السياسية، فالحزب هو مجموعة من الناس ذوي الاتجاه المشترك والنظرة المتماثلة. والمبادئ المشتركة يحاولون أن يحققوا بها الأهداف التي يؤمنوا بها وهم يرتبطون ببعضهم وفقا لقاعدة أو قواعد تنظيمية مقبولة من جانبهم تحدد علاقتهم وأسلوبهم في العمل فالمتتبع للتجربة الحزبية بالمغرب يرى أنها خارجة عن هذه التصورات في احتكاكها مع الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي القائم نظرا لكون الأحزاب قامت على قواعد مختلفة. كل قاعدة سعت إلى العمل في نطاق يختلف عن الأخرى، بشأن ذلك، ما وقع في خضم المطالبة بالاستقلال عندما أكد حزب الاستقلال على فكرة الحصول على الاستقلال ثم بناء نظام سياسي يتماشى مع تحولات العصر، فيما كان حزب الشورى والاستقلال يرمي إلى العمل على إرساء دعائم نظام سياسي ثم المطالبة بالاستقلال. وهذا ما يؤكد أن التنظيم الحزبي بالمغرب لم يكون بعد قد حقق لديه الشرط لمباشرة التفاوض مع السلطات الاستعمارية، وإنما فرضت عليه، واستقبلها بصدر واسع، عموما لقد أعلنت جلسات إكس ليبان على ضرورة تشكيل حكومة تضم كل المتفاوضين المغاربة على الاستقلال. تكون أولى مهامها استكمال المفاوضات مع السلطات الفرنسية حول صيغة الاستقلال وكيفية سير العلاقات بين البلدين بعد ذلك بعد خمسة أيام من عودة محمد V من المنفى في 16 نونبر 55 أعلن عن إجراء مشاورات مع وفود الأحزاب والهيئات السياسية حزب الاستقلال حزب الشورى والاستقلال وكذلك بعض الشخصيات الوطنية لتشكيل حكومة مغربية تتولى إدارة المفاوضات مع فرنسا.[43]

كما كلف مبارك البكاي بإجراء اتصالات مع الأحزاب السياسية والشخصيات المنسقة لتشكيل أول حكومة، أشرف الملك على تلك الاتصالات واستقبل وفود الأحزاب. اشتد النزاع بين حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال حول المناصب ومدى أهمية الوزارات التي سيتولاها كل حزب. ولم يقبل حزب الاستقلال إشراك عدد من المستقلين في الحكومة، أدى ذلك إلى إطالة المشاورات التي كان يجريها مبارك البكاي باشا إقليم صفرو وصديق الملك كما كان ضمن الوفد الذي حضر إيكس ليبان، بعدما تم استدعاؤه من طرف فرنسا لحضور الجلسات، فتم تشكيل حكومة احتل فيها أشخاص مستقلين مكانا لامعا بحصولهم على أكبر عدد من الحقائب رغم أنهم لم يلعبوا أدوارا حاسمة في فترة الحماية، سيطرتهم هذه لم تأت عن محض الصدفة وإنما من خلال تعلقهم بالنظام الملكي. فاستفادوا بزعامة أحمد رضا اكديرة ورشيد ملين بعدما تمكنوا من الظفر بمقاعد في الحكومة برئاسة مبارك البكاي.[44] تكون المجلس الحكومي الذي دعت إليه فرنسا بمباركة الملك محمد v في مجمله من وزراء مستقلين على ثماني وزارات هي وزارة البريد ووزارة الدولة، وزارة التعليم والصحة، ووزارة الداخلية والدفاع إلى جانب الوزارة الأولى ونائبه. فيما كان من نصيب حزب الاستقلال ست وزارات وهي وزارة الخارجية والعدل ووزارة الزراعة، والتجارة والصناعة والأشغال العمومية ثم الأنباء والأحباس.

أما حزب الشورى والاستقلال فقد كان أعضاؤه على رأس وزارة المالية، وزارة السكن والتعمير، الشبيبة والرياضة ثم الشؤون الخارجية.[45]

يتبين من خلال هذه التشكيلة حضور قوي لشخصيات مستقلة لم يكن لهم وقع بارز في خضم المطالبة بالاستقلال بقد ما كان عملهم يقتصر على مزاولة بعض المهن المخزنية. كما نلاحظ أن الوزارات التي ترأسوها تعد من بين الوزارات المؤثرة على الساحة السياسية على سبيل المثال وزارة البريد التي تتكلف في غالب الأحيان بمهام التجسس والترقب إلى جانب وزارات الداخلية والتعليم والصحة التي تعتبر أهم الميادين التي تشغل الرأي العام.

كما يلاحظ غياب قادة الحزب الشيوعي الذين قدموا تضحيات جسام في سبيل تحرر الشعب المغربي، ولكونه كان من السباقين إلى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال.

على أي حال لقد تسلم الوزراء المغاربة الجدد مهامهم من مديري الأدوات الفرنسية التابعة للإقامة العامة وأصبح المديرون الفرنسيون بمثابة مستشارين فنيين للوزراء المغاربة. ولم يعد ممكنا الاستغناء عنهم في مختلف الوظائف نظرا لحاجة العمل الحكومي لهم بسبب قلة عدد المغاربة الذين يحملون مؤهلات علمية وتقنية بحيث لم يكفي هؤلاء لتعويض الموظفين الفرنسيين كما لم يسمح الوقت لحكومة البكاي بإدخال تغييرات جذرية على الوظائف الحكومية.[46]

يتضح من أعلاه أن أحزاب الحركة الوطنية قبلت أداء أدوار من اللعبة السياسية التي انبثقت من قرارات المفاوضات مع مجموعة من الأطراف أهمها الإدارة الفرنسية التي عملت كما يبدو على جر رؤوس الزعامة السياسية إلى قبول مضامين المباحثات المشتركة بين الطرفين. كما لعبت دورا هاما في كون الملك أو الملكية تحتل درجة عالية في برامج هذه الأحزاب، فقد اتخذت سياسة فرنسا خصوصا في عهد ليوطي صناعة الوهم بأن ما يقدم نظريا هو الواقع فعلا لذلك، فجعلت تحركاتها مشروطة بالمرور عبر قناة السلطان وإلا فإن الحماية ستتدخل لمنعها باسم السلطان بقدر ما منحت للحماية طريقة جديدة في معارضة النخبة بالسلطان ومعارضة السلطان بالنخبة.[47]

فقد غاب عن وعي النخبة ضمن إستراتيجيتها هذه هو أن عملها هذا جعلها تتحرك لمدة طويلة في إطار إيديولوجي مخزني وهذا ما سينعكس عليها حتى بعد الاستقلال. فحقل السياسة أصبح مجالا غير محدد المعالم وخاصيته الأساسية هي أنه حقل لتأكيد الخضوع الديني للسلطان.[48]

رغم ما حققته حكومة البكاي ورغم اتفاق الأحزاب على إنهاء النزاعات إلا أن هذه النزاعات ما لبثت أن طغت على السطح مرة أخرى وكانت السبب في عدم استمرار الحكومة هذه الخلافات كانت بين حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال أكبر حزبين في البلاد، وقد علق مبارك البكاي على ذلك بقوله ((اذا كانت هناك أزمة فإنها ليست أزمة حكومة بل هي أزمة ثقة)).[49]

إن هذه الانقسامات وعدم الاتفاق بين الأحزاب فيما بينها راجع إلى شعور كل منهما بأنها صـاحبة الفضل في الاستقلال، أدى بمبارك البكاي إلى تقديم اسـتقالته إلى الملك فـي تشـرين الاول56، وعهد الملك مبارك مرة أخرى بتشكيل حكومة الوزارة الثانية.[50]

فبدأت الخلافات بين الأحزاب تطفو على السطح بصورة واضحة بعـد الاسـتقلال بسبب أن الهم الرئيس لديها قبل ذلك كان كيف الحصول على الاستقلال، لكـن مـا إن تحقق ذلك حتى بدت الفوارق بينهما تظهر وعدم الانسجام، فضلا عن سعي كـل طرف لفرض نفسه على الساحة السياسية ليحظى بحصة الأسد، والتقليل من شأن الآخر فمن خلال المشاورات التي أجراها الملك مع الأحزاب لتشكيل حكومة وطنية، تبين أن حزب الاستقلال اعتبر نفسه المعبر الوحيد عن الرأي الوطني العام. فقد صرح علال الفاسي وهو عائد من منفاه الاختباري إثر عودة السلطان – يقول حدد فيه القوى الكبرى في مخبر تلك اللحظة في ثلاث هي القصر وحزب الاستقلال وحركة المقاومة ليردف ذلك بالقول بأن المقاومة هي جزء من حزب الاستقلال ويقلص القوى الكبرى في قوتين هما حسب ترتيبه قوة حزب الاستقلال وقوة القصر.[51]

فقد شكل الاهتمام بالماضي القريب وبتاريخ النضال ضد الاحتلال مكونا أساسيا من مكونات النشاط الفكري والإيديولوجي للأحزاب السياسية الوطنية وبؤرة صراع حول السلطة والمصالح المادية والمعنوية.[52]

فنجد أن معظم الأحزاب التي كانت حاضرة في لحظة نهاية عقد الحماية. كانت ترمي إلى فرض السيطرة على المستمد السياسي بصفة عامة والحزبي على وجه الخصوص مستغلة الوضع المهترئ والمتحكم فيه من طرف فرنسا، عامل ساهم أيضا تفكك بنيات العمل الحزبي وتشرذمه، حال دون وضوح النظر إلى المستقبل.

تشكلت الحكومة الثانية في 26 أكتوبر 1956 لكن أبعد عنها حزب الشورى والاستقلال لأنه اعتذر عن قبول وزارات أقل من قوته الشعبية والوطنية، فضلا عن رفضه تقليص المقاعد الوزارية وبذلك تشكلت الحكومة من حزب الاستقلال فتحول حزب الشورى والاستقلال إلى معارض في الحكومة الجديدة قائلين على لسان ع الهادي بوطالب ((إننا نفضل أن نخرج من الحكومة لنقوم بدور المعارضة[53] فقد الحزب تظاهرات احتجاجية على سياسة الحكومة، فضلا عن الحملة الإعلامية التي شنتها صحيفة على الحكومة، وبدأ الحزب يهاجم الحكومة بعنف ويدينها بما دل على أعضاء الحزب من مضايقات واعتقالات واغتيالات بعدما زاول الحزب عمله بفضح ديكتاتورية حزب الاستقلال في تجمعات كان يعقدها بالخصوص في الأحياء الشعبية بالدار البيضاء.[54] لقد وصل حد الرغبة في الهيمنة إلى حد اللجوء إلى استخدام القوة في وجه كل من يسعى إلى زعزعة توازن الآخر، بالإضافة إلى حملات الاعتقالات التي شنتها الحكومة على المعارضين لم تكن باسم حزب الاستقلال، بل وافق على ذلك مجموعة من الأطراف التي كان لها مصلحة وراء ذلك.

دفع هذا التوتر في الأوضاع وعدم الاستقرار بالملك V لإنشاء المجلس الوطني الاستشاري لتهدئة الوضع وحل الأزمة تدريجيا ودخل حزب الشورى والاستقلال في هذا المجلس كعنصر رئيس فيه.[55]

أعلن الملك محمد V عن تأسيس المجلس الوطني الاستشاري موضحا أنه مقدمة لبناء أسس نظام ديمقراطي دستوري في المغرب وفي 12 نونبر 56 افتتاح المجلس بحضوره.[56]

ضم المجلس 76 عضو مثلوا مختلف الاتجاهات السياسية والهيئات العلمية والاقتصادية وأصحاب المهن وانتخب المهدي بن بركة رئيسا للمجلس وشملت اختصاصات المجلس كما حددها الملك النظر في الأمور المالية ومناقشة المسائل العامة.[57]

كان الهدف وراء تأسيس المجلس امتصاص قوة حزب الاستقلال الذي أصبح مسيطرا على احتواء معارضة هذا الأخير حتى لا تخرج عن الحد الطبيعي.

هذا ما يؤكد على أنه كان هناك صراع على السلطة بمختلف مظاهرها كما يبدو أن حزب الاستقلال لم تكن له نزعة ديمقراطية وإنما كان مرتبط بالنزعة الوطنية التي لم تكن قادرة على استيعاب التعددية، فقد وجد نفسه محاطا بمجموعة من الأحزاب التي كان هو نفسه يعترف بها وبمشروعيتها في المقابل أراد العمل على ممارسة اللعبة داخل نظام تكون له فيه الهيمنة.

في البداية اختار حزب الاستقلال خيارا مرحليا تمثل في نظام الحزب المهين، هذا الاختيار الاستراتيجي كان يهدف إلى إقامة الحزب الوحيد متأثرا في ذلك بالتجربة التونسية ومحاولة القضاء على الأحزاب المعارضة، فقد سعى إلى إدماج بعض التنظيمات الحزبية في صفوفه كما فعل مع الحزب الوطني عن المنطقة الشمالية سنة 56. غير أنه لم يكن بإمكانه إقناع جميع الأحزاب بالذوبان في خليطه وبغية إقامة اختيار استراتيجي سينهج سياسة مناهضة الأحزاب المناهضة لتوجهاته.[58]

وفي المجلس الاستشاري حدث نوع من التقارب بين النجاح اليساري لحزب الاستقلال ولحزب الشورى والاستقلال خاصة أن الأخير كان يعاني من ركود في قيادته حيث أن الأمين العام محمد حسن الوزاني كان لا يسير مع شباب الحزب على وثيرة خطاهم. وكان يجد تحديات عديدة في اتخاذ القرارات، فكانت اجتماعات الحزب تمتد وتطول ولا تنتج شيء يعادل الوقت الذي أخذته في النقاش. فأصبح بذلك الحزب ذو شقين. شباب الحزب الطامح للتغيير وشق المحافظين الذي يرغب في الإبقاء على ما هو عليه، حدث ذلك في الوقت الذ كان يعاني حزب الاستقلال من نفس المشكلة حيث كان الطرفين يرفضون الزعامات التقليدية التاريخية، فجرت اتصالات بين الجناحين عبر عبد الحق العراقي (حزب الشورى والاستقلال) والمهدي بن بركة (حزب الاستقلال)[59] ساعد على ذلك أن الحزبين كانا يمران بحالة مخاض مما سهل التقاء الجناح اليساري لكل منهما، هذا التقارب دفعهم للتفكير في تكوين حزب يكون ف مستوى التطلعات ويتماشى مع مطامح الشعب المغربي حسب زعمهم.

طرأ على بنية الحكومة والإدارة بعض التعديلات في ظل حكومة مبارك البكاي الثانية. فقد ركزت جهودها على إعادة تركيب علاقات طيبة مع فرنسا من أجل كسب ثقتها لأن المغرب في نظرها كان يحتاج إلى عقد المزيد من لاتفاقيات الاقتصادية بالأساس والإدارية والثقافية، وعلى تطوير البناء الإداري الموروث المتمثل في الدولة التقليدية. وقد ادعى زعماء حزب الاستقلال بأن الإخفاق في إبعاد المظاهر الخارجية لعهد الحماية، إنما سببه وجود وزراء الحزب الذين يعارضهم المجلس الحكومي، ثم دعوا إلى تكوين حكومة منسجمة تكون قادرة على حل المشكلات المطروحة في النظام السياسي ودعما لهذا الطرح بعدما قدم مبارك البكاي استقالته في 11/08/58 قام الملك باستدعاء أحمد بلافريج وذلك بعد استشارة مختلف الاتجاهات، فعرض عليه منصب رئيس الحكومة، فقبله، ثم أصدر الملك ميثاقا نموذجيا يحتفظ بسلطة التشريع ويفوض السلطة التنفيذية وهي مقيدة ببعض الشروط منها تعيين الملك الإطارات العليا للدولة وهذه الشروط تمكن الملك من الاحتفاظ بسلطته تجاه حزب الاستقلال الذي لاحظ سيطرته السياسية والإدارية منذ 1956م.[60]

أثناء تأسيس حكومة بلافريج برزت عدة آراء سياسية للوجود أهمها رأي الأمير ولي العهد الحسن ثم رأي المهدي بنبركة. فالأول يؤكد على اختيار سياسة محددة وجب أن يسبقها اختيار الجماعة الحاكمة، أما بن بركة فقد عبر عن عكس رأي الأمير فألح على إيجاد جماعة ذات برنامج سياسي بحيث ستكون الجماعة ملتحمة وقادرة على القيام بمسؤولياتها، كما أدان المشاورات التي كان يقوم بها الملك مع رؤساء الفرق في المجلس الاستشاري.[61]

هنا وجب الانتباه إلى نقطة مهمة وهي بروز آراء الحسن الثاني على السطح إذ بدأ يعبر عن نواياه في الإمساك بزمام الأمور والتأثير المباشر على مجريات الساحة السياسية، كما تعبر هذه الفترة على دخول المغرب مرحلة جديدة من تاريخيه تميزت بلمعان مكانة الملكية أكثر مما كانت عليه قبل إذ سيجد الحسن الثاني نفسه مرغما في السير خطى ثابتة نحو الوقوف أمام كل مد يسعى إلى امتلاك السلطة، خاصة بعد اتضاح تزايد نفوذ بعض الأحزاب على رأسها حزب الاستقلال.

بتكوين حكومة بلافريج تدهور حزب الشورى والاستقلال وتم إغلاق الكثير من الفروع، كذلك تعرض حزب الأحرار المستقلين لنفس التنكيل حيث ينظر إليه من صنه القصر ولهذا تم إقصاؤه من الحكومة الثالثة ولم يعد يذكر من نشاطهم إلا القليل.[62]

ذلك ما أدى إلى عودة النزاعات مرة أخرى إلى الواجهة بحيث لم تتمكن حكومة بلافريج من إيجاد صيغ مثالية تكون منطلق السير إلى الديمقراطية، كما زادت من حدة التصدعات داخل الأحزاب والرغبة في تشكيل أحزاب أخرى.

إن ما حاولنا أن نبرزه في هذا المبحث هو أن مغرب ما بعد 56 عرف عدة توترات تجلت في معظمها في الصراع على السلطة فالعنوان الذي أعطيناه له لم يأت هباء وإنما كانت المرحلة طبعا شهدت تصاعد نفوذ الأحزاب في سبيل محاولة إيجاد موطئ قدم يضمن استمرارية العمل بالتأثير والتأثر مع باقي المكونات المحسوبة ضمن الفئة الحاكمة. هذه الأخيرة التي لم تعرف انسجام في القواعد والمبادئ لسير الفعل السياسي في الطريق الصحيح. إلى جانب كون الحكومات الثلاثة المتعاقبة ظلت تدور في فك ومدار تم رسمه قبل ذلك. أو بتعبير آخر كانت الفئة الحاكمة بما في ذلك الأحزاب الملكية، النقابات والمجالس تفعّل فقط ما تم المصادقة عليه سابقا في عدة معاهدات ومفاوضات مع الإدارة الفرنسية وكل القوى المؤثرة على السياق العالمي.

تميز المشهد الحزبي في غالبه باختلاف الرؤى والمسارات، فوقعت اشتباكات كانت وراءها أسباب ذاتية وصراعات حول النفوذ والمواقع وتدخلات الأجهزة القمعية في سياق لم تغب عنه يد القوات المرتبطة بالاستعمار الفرنسي.

وهكذا توالت حلقات العنف في فجر الاستقلال، أثثها تعدد الجماعات المسلحة التي وظفت من لدن أطراف داخلية وخارجية على السواء. هذه الفترة التي تعد من بين الفترات الأشد تعقيدا لما كان لها من وقائع حول شكل وأسلوب بناء المجتمع الجديد. حيث شكل الاغتيال السياسي أداة لبناء وإعادة بناء التحالفات ومراكز القوى داخل المجتمع الجديد، وامتدت تداعيات هذه المرحلة في جل مراحل تاريخ المغرب بعد 56.

المبحث الثاني: حكومة « عبد الله إبراهيم » منعطف نوعي في تاريخ الفعل الحزبي بالمغرب:

لقد كانت أهداف حكومة بلافريج والتي حددها الملك في خطاب الأمة هو ما يعرف تاريخيا بالعهد الملكي، الذي وضع الإطار العام للتعدية، تصحيح اقتصاد البلاد، فتم وضع التصميم الثلاثي هدفه إعطاء الأولوية للقطاعيين الفلاحي أي سياسة حرث مليون هكتار، والصناعي من أجل ادخار صناعي والمحافظة على الصناعة المحلية وتشجيعها، لكن كل الأولويات لهذا التصميم باءت بالفشل لأنها لقيت صعوبة في التأطير وفي قلة رؤوس الأموال وفي وجود تعصبات سياسية متطرفة.[63]

إن الإصلاحات الاقتصادية هذه تمثلت في قانون تشجيع الادخار وإصلاح التعرفة الجمركية لحماية الصناعة المحلية، لكن لم يتم من هذه الإصلاحات سوق قانون الاستثمار رغم المحاولات التي بدلت في سبيل تصميم مخطط حماسي.[64]

إن ما يبرز أن المغرب قد دخل فعلا في مرحلة جديدة مع تولي أحمد بلافريج رئاسة الحكومة هو ما ذكرناه أعلاه في كون زعامات الأحزاب التاريخية بدأت تدق ناقوس الخطر في وجه الملكية والمصالح الأجنبية القائمة، فقد وصلت تحركاتها إلى حد التفكير العميق في إصلاح المنظومة الاقتصادية بالأساس، سعيا منهم إلى تنمية مشاريع ذات الدخل الوفير تعود بالنفع على الشعب المغربي في نظرهم.

ولهذا فعهد حكومة بلافريج لم يعرف الهدوء والسكينة في النسق السياسي المغربي، ولولا وجود رمزية الأمة لانطلقت فتنة بين المدن والقرى، ففي المدن كان الاضطراب السياسي قد وصل أوجه حيث كانت مواجهة إيديولوجية حادة بين نزعتين واضحتين في حزب الاستقلال على وجه الخصوص.[65]

كما ظهرت نزاعات للرفض والعصيان في الريف وجبال الأطلس المتوسط، فأصبحت البلاد عرضة للخطر الانهيار نتيجة لرفض الريف وكذا حزب الاستقلال بالمدن الانصياع لسلطات الحكومة، فقدم عبد الرحيم بوعبيد استقالته في 10 نونبر، كما كان بلافريج قد اتخذ موقفا جذريا حازما في مسألة اختيار وزير الداخلية، وبذلك تأجل إيجاد حل للحكومة وازدادت معه الثورات في المناطق الريفية.[66]

واجهت الحكومة الثالثة برئاسة أحمد بلافريج التي كان معظم وزرائها استقلاليين باستثناء ثلاثة منهم، عدة اضطرابات اجتماعية بالأساس كما عرفت العديد من التطورات نتجت في غالبيتها عن الشرخ الذي حدث في الجسم الحزبي، فقد ذهب العديد العديد من الباحثين إلى القول بأن ما حدث في الأحزاب آنذاك يعود إلى الانقسام الذي لاح في الأفق بين الطاقات الشابة التي سعت إلى تركيز السلطة في يد الشعب، والزعامات التقليدية التي أرادت العمل في نطاق المحافظة على دواليب السياسة كما كانت عليه، وعلى أنقاض هذا الوضع سيعرف مغرب ما بعد 1956 بالضبط في 24 دجنبر 1958 تشكيل حكومة رابعة برئاسة « عبد الله إبراهيم »، التي ستستمر إلى غاية ماي 1960 حيث أقالها الملك.

إن مسألة إقامة نوع من أنواع الحكومة النيابية في قطر مستقل حديثا تثير تحديات صعبة كثيرة في النظام السياسي كما تتطلب مجموعة من القوانين، وإذا نظرنا إلى مدى ارتباط هذه القوانين بالمفهوم العام للحكومة الديمقراطية النيابية فإننا نرى أن النظام السياسي في حد ذاته على وضع القوانين.

فبعد استقالة الوزير بلافريج بدأ في البحث وزير آخر فكلف علال الفاسي بتشكيل حكومة، إلاّ أنها قوبلت بمعارضة شباب الحزب وربما بمعارضة بلافريج أيضا، اقترح الملك أسماء أخرى لتقليد هذا المنصب إلا أنها لم تكن مناسبة للمهام المطروحة، توجه الملك بعد ذلك لاختيار عبد الله إبراهيم فقبل هذا الأخير منصب الوزير الأول على شريط أن تتمتع الكومة بالسلطات الكافية لتحرير اقتصاد البلاد من الهيمنة الفرنسية وتهيئ الجو لانتخابات محلية، وتلبية المطالب المشروعة للقبائل الريفية، فهنأت القيادة الجديدة الوزير الأول الجديد.[67]

تكلف عبد الله إبراهيم الذي عينه الملك محمد الخامس، رئيس الحكومة بأن يدافع عن حقوق الطبقة العاملة وعن المحرومين بصفة عامة ثم أراد أن يصفي امتيازات المعمرين وذلك بتوزيعها بصفة عادلة على مختلف طبقات المجتمع المغربي، كما قدم لائحة الوزراء الجدد يمثلون الطبقة العاملة وقدماء المقاومة،فطالب بسلطات كاملة وواسعة لتمكنه بالقيام بمسؤولياته، لكن لائحته الوزارية غيرها الملك في آخر لحظة لتأخذ بعين الاعتبار هدفين اثنين؛ أولهما: تحديد مهمة عبد الله إبراهيم، وهي تختص في أن يحضر الانتخابات المغربية الأولى على مستوى المدن والقرى والبلديات ثم إصلاح قوى الأمن والقضاء على البطالة وتحسين الإدارة واتخذ كذلك معيار الكفاءة في تعيين الوزراء.

ثانيهما: الاحتفاظ بشخصيات وافية للقصر وذلك في مناصب مهمة بالإخوان باحنيني محمد وأحمد.[68]

لقد ورد في خطاب ألقاه ع الله إبراهيم أمام طلبة حزب الاستقلال قبل أن يتسلم مهامه حيث قال: « إن الثروة في البلاد موزعة توزيعا غير عادل بين السكان إذ أن 1% من السكان بما فيهم الأوروبيين يمتلكون 20% من أراضي المغرب وأن الرأسمال الأوروبي يدير اقتصادنا بشكل لا يستفيد منه الشعب المغربي، وأننا نرغب في أن نراجع اتجاهنا الاجتماعي ولاقتصادي عاملين لصالح الجماهير وأن برنامجنا يجب أن يكون واقعيا وتقدميا وقد لوحظ في البرنامج الاجتماعي الأول للحكومة مدى حدة المشاكل التي ستواجهها، تمثلت في كيفية وضع حد للاضطرابات في البادية وكيفية تكييف الفرنك المغربي مع سعر العملة في فرنسا ثم أهمية الخطوات الواضحة لرسم تصميم الانتخابات.[69]

وفي الوقت الذي تشكلت فيه الحكومة كان علال الفاسي في طنجة فانتقل إلى الرباط ليعبر عن مساندته لرئيسها الجديد، كما طلب من ع. الله إبراهيم الإدلاء بتصريح حول انعقاد المؤتمر بل فرض عليه ذلك. وتصلب موقف كل منهما فدخلا في مواجهة في اجتماع خاص بأطر الحزب بالرباط، وهكذا ظلت اللجنة التنفيذية جامدة منذ هذه الأزمة كما توقفت المفاوضات بسبب تباين المواقف كما ظهر موقف آخر تمثل في ضرورة تعيين ما يقارب من مائة من الأعيان.[70]

لقد عارض بلافريج وأصدقائه حكومة عبد الله إبراهيم قبل انشقاق الحزب حيث بدل الحزب جهدا كبيرا لكي يوضح أن عبد الله إبراهيم تسلم زمام مهمته دون مساندة حزب الاستقلال له، كما انتقدوا سياسته الاقتصادية وفشل سياسته الخارجية، والإهمال في الدبلوماسية وفي مواجهة المشكلات الوطنية الهامة مثل مشكلة الحدود، والارتباط المالي والاقتصاد في المغرب بفرنسا.[71]

وقد صاحب ذلك أحداثا مهمة في تاريخ المغرب المعاصر، أبرزها افتتاح محاكمة عامل إقليم تافيلالت عدي أبيهي، وعزل الحسن اليوسي من منصبه كوزير لمجلس العرش عندما فضحه علانية عدي أوبيهي بصفته كان مشجعا للتمرد.

تقديم الرئيس البارزين للحركة أحرضان والخطيب أمام محكمة قضائية بفاس بتهمة إحداث الشعب والاضطراب في بعض الجهات الجبلية والقروية.[72]

إن المشكل الأول الذي انعطفت عليه حكومة ع الله إبراهيم بتعاون مع رئيس أركان الجيش الملكي التي يتولاها ولي العهد الحسن الثاني هي تهدئة الريف، فرغم تحرير زعماء الحركة الشعبية فإن الحالة بقيت غامضة في الريف حيث أن بعض رؤساء التمرد، استمروا في مزاولة الاضطراب وهم في منفاهم بمدينتي مليلية وملقا بإسبانيا وكان يعتبر التدخل الإسباني في تمرد الريف كإجراء معاكس للعمل الذي كان بقوم به جيش التحرير المغربي بسيدي إفني لتحريره من الاحتلال الإسباني.[73]

إلى جانب أن خصوم ع الله إبراهيم السياسيين اتهموه بالفشل الدبلوماسي خاصة في التعاطي مع القضايا الخارجية أبرزها القضية الجزائرية بعد قيام الثورة الجزائرية حيث وقف بين مطرقة مساندة الحركة التحررية وسندان التزام الحياد وعدم إثارة نزعات القوات الفرنسية، فرغم أنه لم يكن مساندا في مهامه حيث أن جميع أطر الدبلوماسية العليا كانت تابعة لنزعة العالين خاصة الرئيس الإداري الكاتب العام الطيب بن هيمة الذي كان يقترب كذلك إلى القصر أثناء زيارة عبد الله إبراهيم مجموعة من الدول العربية كمصر وسوريا والعراق، وكان يطالب بالوحدة العربية وتوثيق أوامر الاتحاد وقد اغتنم الفرصة أثناء إقامته بالشرق ليتنصل في القاهرة بزعيم الثورة الريفية محمد بن عبد الكريم الخطابي، فطلب منه الدخول إلى المغرب بعد 34 سنة من المنفى وعند وصوله لسوريا عين رشيد الخطابي ابن الزعيم سفير المغرب بها كمكافئة لأبيه الذي قضى شبابه في سبيل شرف المغرب.[74]

كما كان من بين أوجه الاختلاف المؤدي إلى الصراع، وعند نهاية زيارته للمشرق تطرق لقضية صراعه مع علال الفاسي فقال: « إن علال يضيع الوقت للمغاربة فهو لا يعمل إلا على التأكيد إلى المحافظين المغاربة لأقدمية المملكة الباهرة وبنصوص القرآن، عوض أن يعمل على تكوينهم للاستعداد للكفاح السياسي والاجتماعي المتوقع في المغرب.[75]

فعلال الفاسي كان يعتبر أن هذه الحكومة لا تغير أي اهتمام إلى مشاكل الحدود المغربية، في الوقت نفسه انعقد مؤتمر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بأكادير يوم 21 غشت 1959 وندد المؤتمرون بعناصر الجيش بأنها لا تصلح إلا لحضور السهرات والزينة لا للتشيد والبناء. ثم بعد ذلك استقل القبطان محمد المذبوح من منصبه كوزير للبريد من حكومة عبد الله إبراهيم والتحق بالجيش، وتكونت جماعة من الضباط يرأسها ولي العهد وأركان الجيش كما ذهب للقصر للاحتجاج على مقررات المؤتمر فلقي مساندة من محمد الخامس ضد من يطعن في شرف الجيش ودشن بنفسه الدخول في معمعة سياسية.[76]

فلما شعر عبد الله إبراهيم أن وضعية تماثل الوضعية التي كان يعاني منها بلافريج وأنه يستعرض بدوره للهجومات من طرف باقي الأحزاب القائمة آنذاك ولأول مرة تبادرت إلى ذهنه وبعض أنصاره إلى إمكانية نشود حزب جديد وتجسدت الفكرة في الإعلان عن تأسيس الجامعات المستقلة لحزب الاستقلال في 25 يناير 59 ولم يكن في مقدرة عبد الله إبراهيم وبوعبيد أن ينضافا علينا إلى الحزب الجديد بسبب مشاركتهما في الحكومة في حين كان المهدي بن بركة محط الأنظار لأنه قطع علاقته بالقيادة القديمة وبمجرد تأسيس الجامعات عاد علال الفاسي من طنجة ووضع يده على الجهاز الإقليمي للحزب وطرد المتمرد من الحزب فكلما حاولت الجامعات فتح مكتب بنفس الاسم إلا ورفع القضية للمحاكم وعلى سلسلة من الحوادث قرر بن بركة و عبد الله إبراهيم وأنصارهما تأسيس حزب حديث سيكون نصيبه التأثير على مجريات الساحة السياسية في قادم المواعيد، كما أن الفترة الممتدة من 58 إلى 59 هي فترة التحالفات والاختيارات.[77]

يمكن القول بأن حكومة عبد الله ابراهيم شكلت منعطفا خطيرا في سيرورة تاريخ المغرب بعد 1956 ، فقد عاشت البلاد عدة أحداث و تحولات سياسية و يكفي أن نعلم بأن عبد الرحيم بوعبيد قدم استقالته من حكومة بلا فريج بهدف إخراج المغرب من حالة الجمود السياسي و اللا مبالاة تجاه ما كان يجري في منطقة الريف، عصيان خطير ساهم الخطيب و أحرضان في إشعال نيرانه حسب بعض الباحثين و أصبح تمردا يهدد البلاد .

تم تنصيب حكومة عبد الله ابراهيم في 24 دجنبر 1958 ، وعامة الناس لا علم لهم بما يجري في دهاليز الحياة السياسية ، المهم أن الحكومة حلت حكومة بلا فريج ، القاسم المشترك بينهما أن بوعبيد ضل نائبا لرئيس الحكومة ووزيرا للإقتصاد و المالية ، كانت بداية هذه الحكومة الإعلان عن فصل الفرنك المغربي عن الفرنك الفرنسي و سينحول البنك المخزني إلى بنك المغرب ، وسيتم إنشاء صندوق الإيداع و التدبير ، والبنك المغربي للتجارة الخارجية ، البنك الوطني للإنماء الإقتصادي ، المكتب الوطني للري ، الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي ،  مكتب الأبحاث و المساهمات الصناعية ، كما تم الإتفاق مع الإيطاليين لبناء مصنع لتكرير البترول  » لا سمير  » وغير ذلك من القرارات التي مهدت للإعلان عن إجراءات كان الهدف منها تحرير الإقتصاد الوطني من التبعية الخارجية و إجراءات بقرارات 22 أكتوبر 1959 وهي قرارات تزامنت مع صدور ظهير شريف أعلن عن تأسيس الدرهم كعملة وطنية غير قابلة للتحويل أي ممنوع تداولها خارج الوطن .

لقد عبر اكديرة في كتابه ( مغرب الحسن الثاني ) بأن الأمير اعتبر تأسيس حكومة عبد الله ابراهيم تولى فيها عبد الرحيم بوعبيد نائب رئيس الوزراء خطرا ، في منتصف الثمانينات شرح اكديرة الخطر الذي يكمن في حكومة عبد الله ابرراهيم على أن الأمر يتعلق بحدث من أحداث عالم الخمسينات و الستينيات الذي كان خاضعا لقوة اليسار ، فقد عبرت تدابير هذه الحكومة على الصعيد الإقتصادي نوايا أصحاب هذه التدابير وحوافزهم مما جعل الحسن الثاني يشكل مجموعة قوية حوله تتكون من الشخصيات الأكثر تمثيلية وهي عناصر منتمية أو غير منتمية لأحزاب كانت قائمة و أخرى دفع إلى تأسيسها نظمت معارضة حقيقية لسقوط حكومة عبد الله ابراهيم .

هذا فيما يخص الشق الإقتصادي للحكومة ، أما فيما يخص الشق السياسي فيقول اكديرة في كتابه بأن التيار اليساري بالذات لم يكن سوى شكل من أشكال رد الفعل ضد الإمبريالية .

عموما لقد أولينا اهتماما كبيرا لحكومة عبد الله ابراهيم ليس عبثا و إنما لما كان لها من أدوار على مجموع التحولات التي عرفها المغرب أنذاك ، فقد صادفت العديد من الأحداث كانت تصب في مجملها في بحر الإتجاه بالبلاد نحو مستقبل مجهول.

لقد عاصرت هذه الحكومة وقائع قد لا يجود الزمان بمثلها نذكر أحداث الريف التي عبرت من خلالها ساكنة المنطقة عن إدانتها للإهمال الذي طالها ، الإنشقاق الذي عرفه حزب الإستقلال حيث خرج الجناح اليساري بقيادة المهدي بن بركة و إعلانهم عن نهج سياسة من الشعب إلى الشعب ، نجاح ثورة الضباظ الأحرار بمصر ، مما ولد شعورا لدى القصر بفقدان مكانته و حقه التاريخي جعله يسرع من خطواته في خلق جو متوازن عبر دعم تأسيس  الأحزاب تحت غطاء التعددية الحزبية قصد تقوية جبهته و الحفاظ على مكانته مما أغنى المشهد الحزبي بالبلاد بالمزيد من الألوان زادت الخريطة الحزبية تنوعا في البرامج يظهر أنها رسمت بيد واحدة ، فمنذ ذلك الحين لم تعرف الساحة الحزبية ميلاد تنظيم قوي قادر على مصارعة البرامج القائمة.

المبحث الثالث: الأحزاب السياسية في ما بعد الاستقلال:

تثير ظاهرة الأحزاب السياسية جدلا واسعا في الآونة الأخيرة لما لها من إسهام في إغناء الساحة السياسية لا سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي أو المحلي، وتدرج المصنفات السياسية على تناول ظاهرة الأحزاب السياسية كظاهرة حديثة لم تتبلور إلا في منتصف القرن التاسع عشر.

ولقد سبق وأن أشرنا إلى أن الأحزاب السياسية في المغرب ظهرت في أولى تنظيماتها في سنة 1934 في شخص « كتلة العمل الوطني »، أي إبان المواجهة المباشرة مع المستعمر الأجنبي خلال فترة الحماية (1912-1956) لكن المراد هنا هو تسليط الضوء على الأحزاب السياسية في مرحلة ما بعد 1956، إذا أخذت الحركة السياسية المغربية تعيش ميلاد تنظيمات جديدة قناتين: الأولى كانت التنظيمات السياسية التي أقيمت بمساعدة القيصر، وهي التنظيمات المسماة بـ « أحزاب الإدارة » والثانية الانقسامات التي أخذت تظهر في صفوف حزب الاستغلال وتكرست التنظيمات المنشقة عنه، وعموما فإن ذلك لم يخرج بالحركة السياسية عن الحيز الأساسي والدور المطلوب في السلطة والمعارضة في اللعبة السياسية المغربية، والتي كان أضيف إليها مجموعة التنظيمات الأخرى من جميع الاتجاهات المتعددة، وسنقتصر في الحديث على تجربة تعتبر رائدة في الميدان حيث لن يختلف اثنان على أنها ساهمت في اغتناء الساحة السياسية بالمغرب وسنلحقها بإطلالة خفيفة عن أحزاب سياسية أخرى، كلها تجارب بالرغم من أنها لم تحظى بالنصيب الأوفر من الكتابات والدراسات، إلا أنه كان لها دور ووقع كبير في تطوير المشهد الحزبي بالمغرب وتغير المشهد السياسي العام ببلادنا وما صاحبها سياسة كبيرة منذ بروزها.

لقد شكل 6 شتنبر 1959 حدث بارز في المشهد الحزبي بالمغرب قامت له كل الأطراف السياسية ولم تقعد، وهو بروز الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي انشق من رحم حزب الاستقلال نتيجة الصراع الدائر داخل هذا الأخير آنذاك تمثلت في جولة من الصراعات العنيفة في مستويات مختلفة من قياداته وهيئاته، وفي السادس من شتنبر أعلن عن تشكيل حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية نتيجة الفرز الإيديولوجي والسياسي والشخصي بين قادة حزب الاستقلال.

 ولما شعر عبد الله إبراهيم أن وضعيته تماثل الوضعية التي كان يعاني منها بلافريج وأنه سيتعرض بدوره لهجومات عمومية من طرف الحزب ولأول مرة تبادر إلى ذهنه وبعض أنصاره إلى إمكانية إنشاء حزب جديد وتجسدت الفكرة في الإعلان عن الجامعات المتحدة المستقلة لحزب الاستقلال في 25 يناير 1959 ولم يكن في استطاعة عبد الله إبراهيم وبوعبيد أن ينضما للحزب بسبب مشاركتهما في الحكومة.

وكان المهدي بن بركة محطة إنذار لأنه قطع علاقته بالقيادة القديمة وبمجرد تأسيس الجامعات المتحدة عاد علال الفاسي من طنجة ووضع يده على الجهاز الإقليمي للحزب وطرد القادة المخالفين وعلى رأسهم بن بركة وشرع في منع الجناح المتمرد من الحزب فكلما حاولت الجتمعات فتح مكتب بنفس الاسم إلا ورفع القضية للمحاكم وعلى سلسلة من الحوادث قرر بن بركة و إبراهيم وأنصارهما تأسيس حزب حديث تحت اسم « الاتحاد الوطني للقوات الشعبية » في 6 شتنبر 1959 والفترة الممتدة من 1958 إلى 1959 هي فترة الاختيارات والتحالفات.[78]

ولقد انعقد المؤتمر التأسيسي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية بسينما الكواكب في الدار البيضاء، شارك فيه كتاب اللجان الفدرالية للجامعات المتحدة لحزب الاستقلال مع ممثلي الجماهير المنضوية تحت لواء حزب الشورى والاستقلال، وحزب الحركة الشعبية، وحزب الأحرار المستقلين، والاتحاد المغربي للشغل والاتحاد المغربي للشباب والاتحاد الوطني لطلبة المغرب.[79]

ويصعب تحديد أسباب الانشقاق أو تحديد نصيب الأشخاص الذين لعبوا فيه دورا ما ولهذا فأسباب الانشقاق تتعدد ويتعدد المسؤولين عنه، ولا يجوز استبعاد الخلافات الإيديولوجية وصراعات الأجيال ولا يجب أن نهمل أيضا أهمية النزاعات الشخصية والأحداث العارضة.[80]

صحيح أن قادة الجيل القديم لم يكونوا مهيئين لمشاكل الاستقلال إذ لم يكن لها أي برنامج سياسي ملموس ورغم ذلك ضلت أطر الحزب مطمئنة وبين 1956-1959 أصبحت مراقبة الحزب بين ائتلافين هشين فظهرت الجماعات المتميزة داخل حزب الاستقلال خلال اجتماعات مدريد 1955-1956 والتي شارك فيها قادة المقاومة والاتحاد المغربي للشغل وجيش التحرير أول مرة أتيح لهذه المجموعات أن قوتها من أجل إعداد برنامج يحظى بموافقة كل الاتجاهات كي يقدم للمؤتمر الأول للحزب، إلا أن قرارات المؤتمر لم تكن سوى تدابير للتراضي وقد أدت تلك المواجهات إلى نشوء جو الأزمة داخل الحزب واتخذ هذا الأخير طابع ائتلافي سياسي وأصبحوا يشهرون بأنهم ينتمون لحزب آخر هذا من جهة.

ومن جهة أخرى تعود فايز سارة في كتابها « الأحزاب والقوى السياسية في المغرب »، إلى أصول الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى التيارات اليسارية في حزب الاستقلال، والتي شهدت نموا واسعا في نهاية الأربعينيات وحتى منتصف الخمسينيات، إذ نشطت مجموعات شابة وتقدمية من رموز حزب الاستقلال في الأوساط الشعبية، وخصوصا في أوساط صغار الفلاحين والعمال الزراعيين وعمال المدن وسكان أحياء القصدير في المدن المغربية، واستطاعت هذه المجموعات النشيطة أن تقيم نفوذا للاتجاهات اليسارية في حزب الاستقلال، وقد ترسخ تيار يساري رئيسي في لحزب عند تشكيل لاتحاد المغربي للشغل، والذي حسب قياداته عموما انشقاق حزب الاستقلال على التيارات اليسارية.[81]

ويمكن إضافة معطى آخر في هذا الصدد وهو العلاقات بين المقاومة المسلحة في المدن المغربية وجيش التحرير في الريف من جهة مع حزب الاستقلال غالبا ما تمت من خلال رموز التيارات اليسارية في الحزب بسبب كون علال الفاسي الذي كلفه الحزب في إقامة هذه العلاقات والإشراف عليها، خارج المغرب لفترة طويلة وهذا ما يفسر انشقاق رموز من قيادات المقاومة إلى جانب « الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال » التي انشقت عن الحزب في يناير 1959 وشكلت فيما بعد الاتحاد الوطني، وجدير بالذكر على أن « الجامعات المتحدة المستقلة » قامت خلال الفترة الفاصلة بين يناير وشتنبر 1959 صلات وحوار في الأوساط السياسية المغربية وكانت المحصلة تشكيل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بمشاركة مختلف العناصر والمجموعات من الأحزاب التي تم ذكرها في السابق.

وفي ميثاق المؤتمر التأسيسي الصادر في شتنبر 1959 جرى التأكيد على؛ « أن الهيئات السياسية- المغربية في شكلها الحاضر أصيبت بالتعفن، ولم تعد صالحة للقيام بتربي الجماهير وتجنيدها للمهام البنائية، بل صارت أداة للتفرقة ووسيلة لاكتساب مراكز شخصية أو للاحتفاظ بها ».[82]

واستنادا للميثاق التأسيسي فقد لاحظ أن المشاركين قرروا « التخلي عن صفاتهم الحزبية وألوانهم السياسية » وتأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المغربي، وقد انبثقت قيادة للحزب تمثل جميع الأطراف المشاركة في الحزب الجديد وبرز في مقدمتها كل من ع. الله إبراهيم، عبد الرحيم بوعبيد، المهدي بم بركة، الفقيه محمد البصري وغيرهم من الرموز، وتمت صياغة مطالب الحزب الجديد تمثلت في خمسة مطالب أساسية وهي:

  • الدفاع عن الاستقلال والوحدة الكاملة للتراب الوطني.
  • جلاء القوات الأجنبية وتصفية مخلفات الاستعمار من القيود العسكرية والاقتصادية.
  • مواصلة سياسة التحرر الاقتصادي لضمان التشغيل الشامل والعدالة الاجتماعية.
  • تحقيق الإصلاح الزراعي وانتهاج سياسة التصنيع.
  • المطالبة بالإصلاحات في الإدارة وإقامة الديمقراطية والتعاون مع الشعوب المناضلة من أجل التحرر الوطني.[83]

وبالرغم من العلاقة التي كانت تجمع قيادي الحزب الجديد بحزب الاستقلال وبكون أحد قادته وهو عبد الله إبراهيم تولى منصب الوزير الأول لحكومة لا حزبية خلفت حكومة بلا خريج زعيم حزب الاستقلال إلا أن الأجهزة البوليسية المغربية شنت حملة اعتقالات واسعة في صفوف الحزب الجديد قبل أن تقال حكومة عبد الله إبراهيم في ماي 1960 وكان من نتائج هذه الحملة اعتقال مجموعة من مناضلي حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية منهم الفقيه محمد البصري وعبد الرحمان اليوسفي مدير ورئيس تحرير صحيفة الحزب « التحرير » بتهم ملفقة من قبل الأجهزة التي يترأسها الحسن الثاني ولي العهد آنذاك، ومن جهة أخرى نجد هجوما على المهدي بن بركة الزعيم الآخر للحزب من لدن صحف حزب الاستقلال متهمة إياه بالاشتراك في مؤامرة اغتيال ولي العهد، وذلك في إطار مؤامرة مكتملة الأركان شارك فيها ولي العهد وزعامة حزب الاستقلال معا، بعد قام محمد الخامس بإقالة وزارة عبد الله إبراهيم وترأس الوزارة بنفسه مما دفع بالمهدي بن بركة للهجوم على العهد الجديد.

لقد كان عاما من عمر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والذي امتد ما بين شتنبر 1959 وأكتوبر 1960، كافيا نتيجة لما حمل من أحداث أن يدفع بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية نحو اتخاذ مجموعة من الإجراءات والتبدلات في سياساته ومواقفه على نحو مختلف حيث بدأت موجة الولاء للقصر تضعف في صفوف الاتحاد، خصوصا إذا ما استحضرنا هجوم الزعيم الأساسي للاتحاد الوطني المهدي بن بركة على القصر وحكومته.

وتبين ذلك عقب اجتماع المجلس الوطني لاتحاد القوات الشعبية في 21 أكتوبر 1960، والذي اشترك فيه ممثلوا الأقاليم عن الاتحاد الوطني، وممثلوا الاتحاد المغربي للشغل، والاتحاد الوطني لطلبة المغرب، والاتحاد النسوي والذي خلص إلى بإصدار بيان تناول مجموعة من القضايا الوطنية كان أبرزها على سبيل المثال لا الحصر مشكلة جلاء القواعد الفرنسية في المغرب باعتبارها تمس كرامة الوطن أولا، وكونها تقدم المساعدة الفعالة للجيوش الفرنسية  في حروبها على الشعب الجزائري انسجاما ومبدأ توحيد المغرب العربي المتفق عليه في مؤتمر طنجة.[84]

ونكر من بين النقط التي ناضل من أجلها الحزب كانت مهمة وساهمت في تغيير نظرة القصر للحزب والحزن القصر وهي: « تطبيق سياسة خارجية مبنية على مبدأ عدم التبعية والتعاون الحر والتضامن مع الشعوب المناضلة من أجل التحرر وعلى أساس تقوية دعائم السلام العالمي ». لقد اعتبرت هذه الوقفة ضد الملك وسياسة القصر خطوة مهمة لحزب الاتحاد الوطني وأعقبها تحرك لدى قيادة الحزب لإمدادات تغييرات سياسية وتنظيمية على الصعيدين السياسي والداخلي بلع ذروته إبان المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني عام 1962، إذ ألقى الزعيم المهدي بن بركة تقرير الأمانة العامة أمام المؤتمر واعتبر هذا التقرير وثيقة مهمة، كما تم في نهاية المؤتمر إقرار وثيقتين: أولاهما القرار المذهبي، وثانيهما القرار السياسي، وتضمنتا فضحا وتعرية للنظام السياسي المغربي وطبيعة توجهاته الداخلية والخارجية والمهام المنوطة بالمنظمات السياسة المغربية الفاعلة في المشهد الحزبي بالمغرب وفي مقدمتها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بهدف الخروج من المأزق الذي تعيشه البلاد في ضل « الحكم الرجعي المطلق ».

وكان طبيعيا كنتيجة لجملة هذه التحولات في فهم مواقف الاتحاد الوطني أن تشن السلطة المغربية هجوما على الحزب 1962، حيث تمت ملاحقة واعتقال العشرات من الكوادر والأعضاء في الحزب من بينهم عشر أعضاء من المجلس الوطني للاتحاد – وهو أحد المؤسسات القيادية- تحت تهمة العمل على قلب النظام واغتيال الملك وتكوين عصابة مسلحة. وتوبعت عملية الهجوم عليه فاقتيدوا إلى السجون والمحاكم في حين تم اختطاف زعيم الاتحاد المهدي بن بركة في باريس وقد تمت تصفيته بالتعاون ما بين الأجهزة المغربية وأجهزة البوليس الفرنسي.[85]

لقد مهدت الحملة على الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وتصفية العديد من قياداته وخصوصا زعيمه المهدي بن بركة، خاصة إذ ما استحضرنا الظروف التي عايشها المغرب آنذاك خاصة بعد عام 1967 الطريق إلى اتخاذ الحزب منحى آخر في مساره السياسي إذ قام بتشكيل قيادة جديدة وفتح باب الحوار مع حزب الاستقلال بزعامة علال الفاسي سنة 1970 لمواجهة سياسة القصر الملكي، وكانت من بين نتائج الحوار تشكيل جبهة معارضة رئيسية في البلاد. وقد هاجم الملك الحسن الثاني التحالف الذي قيم بين حزب الاتحاد وحزب الاستقلال وبعض السياسيين والذين جعلوا من السباب ومن الفضيحة معاشهم اليومي، مما سيؤدي إلى انفصام عرى التحالف القائم بين الحزبين في سنة 1970 ونتيجة للصراعات الداخلية في صفوف الاتحاد فقد خرجت من صفوف الاتحاد بداية التسعينيات مجموعة يسارية أطلق عليها « منظمة 23 مارس » وهي مجموعة تبنت الماركسية اللينينية »

وفي الإطار نفسه فقد انقسم القسم الباقي عن الاتحاد في سنة 1972 بحيث خرجت مجموعة بزعامة عبد الرحيم بوعبيد الذي يعتبر نفسه الوريث الشرعي لنضالات الاتحاد الوطني فشكلت « الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية » فيما حافظت المجموعة الأساسية بقيادة عبد الله إبراهيم والمحجوب بن الصديق على الاسم الأول للاتحاد التي وصفت بالتحول اليميني بالرغم من حفاظها على سياسة المعارضة ومواقف الحزب الأساسية.[86]

وتعود « فايز سارة » في كتابها « الأحزاب والقوى السياسية في المغرب » إلى أن حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بمرحلتين متفاوتتين بالنسبة إلى وزنه الجماهيري والتي يمكن تحديدهما بشكل عام في ما يلي:

  • الفترة بين التأسيس وغياب المهدي بن بركة زعيم الحزب.
  • الفترة ما بين اغتيال المهدي بن بركة حتى الآن.

ففي الفترة الأولى مثل الحزب قوة المعارضة المغربية الأساسية في مواجهة سياسات القصر والسياسات اليمينية لقيادة حزب الاستقلال بزعامة أحمد بلافريج وعلال الفاسي فيما بعد، وقد انعكست قوة الحزب ليس في تأييد قطاعات شعبية واسعة من الطلبة والعمال وفقراء المدن ورموز المقاومة فحسب، وإنما في انخراط عدد من أعضاء وقياديين من قوى سياسية أخرى في صفوفه عند تشكيله عام 1959 بعد أن تخلو عن تنظيماتهم السابقة هذا من جهة. ومن جهة أخرى نجده في الفترة الثانية قد ساهم كل من التوجه الاقتصادي للقيادة النقابية « الاتحاد المغربي للشغل » والذي بدأ منذ عام 1963 وهجمات السلطة على الحزب وخصوصا بعد أحداث مدينة الدار البيضاء عام 1965 واغتيال بن بركة في العام ذاته، إلى نمو صراعات بين قادة الحزب، وإلى شل فاعلية الحزب وتمزقه الداخلي، الأمر الذي حوله إلى « حزب أقلية » يعيش على ذكريات الماضي التي تشير إليها بعض مطبوعاته وخصوصا جريدته المسماع « الاتحاد الوطني ».[87]

وهكذا يمكن اعتبار تأسيس الاتحاد الوطني عام 1959 أول عملية فرز على مستوى الجماهير الشعبية، فقد كانت الحركة الوطنية قبل ذلك تضم جميع فئات الشعب، وكان هدفها التحرر من الاستعمارين الفرنسي والإسباني. وبعد سنة 1956، ستواجه الحركة الوطنية مرحلة جديدة تستلزم تحديد مواقف ثابتة في الميادين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية مما أدى إلى ظهور التناقضات وبالتالي استحالة استمرار الإجماع القديم ضد الاستعمار في مرحلة البناء، وهكذا تأسس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1959 وجاء نهاية المخاض داخل الحركة الوطنية.

وكما تمت الإشارة في السابق من هذا على المبحث على أننا سنقتصر الحديث عن قوة سياسية كان لها وزنها الكبير في إضافة نوعية للمشهد الحزبي بالمغرب والمتمثلة في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وسنشير ولو بشكل موجز إلى أحزاب أخرى كان لها أيضا الفضل الكبير في إغناء الساحة السياسية المغربية وسنتناول هنا حزب آخر أقيم بدعم خاص من القصر لمواجهة النفوذ المتزايد لحزب الاستقلال خاصة مع نهاية الخمسينيات من القرن الماضي. لقد تأسست الحركة الشعبية في المغرب في أكتوبر سنة 1957 بعد ما يزيد عام من خروج الاحتلال الأجنبي بلاد المغرب من قبل حد وأبرقاش خريج جامعة القرويين، تأسست وحظيت بدعم من ولي العهد آنذاك (الحسن II) لخلق معادلات جديدة في الساحة السياسية.

وقد صرح المحجوبي أحرضان أحد زعماء ومؤسسي الحركة قائلا: « نحن لم نكافح من أجل الاستقلال كي نفقد حريتنا »، وذلك في معرض تعليقه على محاولة حزب الاستقلال الانفراد بالساحة السياسية المغربية.[88]

وإذا كنا قد أشرنا إلى أن الأحزاب التي أقيمت بمساعدة القصر تسمى بأحزاب الإدارة المغربية فإن الحركة الشعبية تدخل ضمن هذا الصنف من الأحزاب كونها كانت قد حظيت بدعم من (ولي العهد الحسن الثاني)، ونظرا إلى كون قانون الحريات العامة لم يكن قد صدر بعد قد تعرض قادة الحركة الشعبية للملاحقة والاعتقال برغم تعاطف (ولي العهد معهم)، ولكن الأمر الذي لم يدم طويلا إذ نالت الحركة الشعبية رعامة من الملك محمد الخامس وولي عهده، توج باعتراف قانوني بها في فبراير 1959 بعد صدور قانون الحريات العامة الذي فنن التعددية الحزبية.[89]

وتعود أصول معظم قادة الحركة الشعبية إلى مناطق الريف وسوس والأطلس، وهي مناطق بربرية، وقد حصلت الحركة على بعض التأييد هناك الأمر الذي أدى إلى وصف الحركة بأنها « حركة اثنية » بربرية على رغم نفي قادة الحركة لهذه الصفة.

عقد المؤتمر التأسيسي للحركة في أكتوبر 1959 ولكن « الأمية السياسية » التي كان يغرق فيها قادتها، منعت من صياغة وإقرار برنامج سياسي للحركة.

حتى انعقاد مؤتمرها الوطني الثاني في أكتوبر سنة 1962، حيث تبنت الحركة الشعبية « الاشتراكية الإسلامية » كقاعدة لبرنامجها السياسي، ولاحظ البرنامج السياسي الذي أقره المؤتمر أن الهدف الأساسي للحركة يتمثل في بناء « اشتراكية في إطار الاشتراكية الإسلامية، ووفق ميول الشعب المغربي الذي تشكل الأراضي الجماعية والتويزة بقايا بليغة لها ».

ومن هنا جاءت مطالبة الحركة بتوزيع أراضي الدولة، وأراضي الأحباس على القبائل والجماعات المحلية كما طالبت بتشجيع تعليم اللهجات البربرية المحلية.[90]

وقد قيم الدكتور عبد الكريم الخطيب الزعيم الثاني للحركة الشعبية برنامجها، وشعار « الاشتراكية الإسلامية » بأنه يهدف إلى: أن نمنع عن شعبنا الاتجاه إلى المادية، وخاصة الماركسية، فنحن نريد أن نبني دولة على الرغم من عصريتها تقف جذورها ثابتة على الإسلام. ونحن لا نعتقد أن في وسعنا أن نتقدم بالنسبة لصبائعنا ودخائل نفوسنا بدون الدين.[91]

وفي السنوات التالية تكرر عقد المؤتمرات الوطنية للحركة، وسط خلافات على الزعامة في صفوف قيادتها، وخصوصا بين المحجوبي أحرضان والدكتور عبد الكريم الخطيب، وقد تفجر هذا الخلاف خلال المؤتمر الوطني الخامس للحركة عام 1966، وانقسمت الحركة إلى اتجاهين: الاتجاه الأول تقليدي بقيادة المحجوبي أحرضان، والذي حافظ على اسم الحركة بزعامته، والاتجاه الثاني مناهض بقيادة عبد الكريم الخطيب، الذي شكل حزبا جديدا باسم « الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية » سنة 1967. وقد أكد الخطيب أن السبب الجوهري للخلاف تمثل في تأييد زعيم الحركة أحرضان لحالة الاستنفار (الطوارئ) في البلاد، والتي أعقبت اندلاع أحداث مدينة الدار البيضاء سنة 1965.[92] وهكذا اتصف حزب الحركة الشعبية بأنه حزب الإدارة كونه كان شيارك في الحكومات المغربية منذ عام 1961 وحتى الآن حيث شارك أمينة العام في عدة وزارات.[93]

وكإضافة إلى ما سبق ذكره نجد في المشهد الحزبي بالمغرب ظهور قوى سياسية أخرى ساهمت بدورها في إغناء المشهد الحزبي وانطلاقا من كون المشهد الحزبي وانطلاقا من كون المشهد السياسي بالمغرب عرف منذ ظهوره إلى الآن ظهور أحزاب وقوى سياسية جديدة منها من ساهم من موقعه بالإيجاب وعاد له الفضل الكبير في تطوير الحياة السياسية ببلاد المغرب، ومنه من ساهم في تكريس الأزمات السياسية التي عاشها المغرب طيلة مرحلة ما بعد 1956 إلى حدود سنة 1975، وما تشكله هذه السنة في الذاكرة الحية للمشهد الحزبي بالمغرب حيث المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية باعتباره منعطف نوعي لا سواء في مسار الحزب ذاته أو مجموع القوى السياسية التي كانت مرتبطة به آنذاك، فإنه – المشهد الحزبي بالمغرب- يشبه لوحة الفسيفساء المغربية كما جاء على لسان العرب « فايز سارة » فمنها أحزاب الحركة الاستقلالية ومنها أحزاب الإدارة، ومنها القوى السياسية اليسارية حال منظمة إلى الإمام الماركسية اللينينية، ومنها القوى السياسية الدينية والمتمثلة بالأساس في منظمة الشبيه الإسلامية والذي يعتبر عبد الكريم مطيع أحد مؤسسيها.

وقد ارتأينا عدم تناول كل من القوى السياسية لا سواء اليسارية خاصة منها التي ظهرت بداية السبعينيات، ولا سواء الحركة الدينية كون مبحث فقط في هذا البحث المتواضع لا يكفي لإعطائها حقها في الدراسة التاريخية بالرغم من أنها أضافت إضافات مهمة ونوعية لازالت انعكاساتها إلى يومنا هذا وبهذا اكتفينا بدراسة بمعنى الأحزاب التي صنفت حسب الدراسات ضمن أحزاب الحركة الاستقلالية والبعض الآخر صنف ضمن أحزاب الإدارة والتي هي من أقيمت بمساعدة القصر أو كان له الفضل الكبير في تأسيسها.

 

 

خاتمة:

ليس من شأن هذا البحث أن يتوغل في إظهار كل جوانب الفعل الحزبي بالمغرب وتطوره إلا بالقدر الذي يخدم الغرض من البحث، فقد أخذنا سبيل الخوض في ما تحفظه الذاكرة من أحداث ووقائع. على الصعيد الداخلي والخارجي على السواء، والتي كان لها أثر على تطور مسلسل المنظومة الحزبية، بغية رسم صورة المشهد الحزبي بهذه الرقعة الجغرافية.

 لقد بات التساؤل عن الحزب السياسي في المغرب بالأساس تساؤلا عن طبيعة النظام السياسي، إذ لا يمكن تحليل مكامن الخلل في الفعل الحزبي أو تجليات التعثر في الممارسة الحزبية دون استقراء العامل الاستراتيجي المهيكل لجوهر السلطة السياسية، فالتجربة الحزبية بالمغرب مرت بمراحل متعددة من الصعود والانكسار، تعود جذورها لسنوات الكفاح الذي خاضته الأحزاب المغربية من أجل الاستقلال.

فهي لم تنشأ انطلاقا من التجربة الديمقراطية والتداول على السلطة بل ارتبطت ولادتها بالصراع ضد الاستعمار، هذه الميزة تشترك فيها الأحزاب المغربية مع الأحزاب السياسية في العالم الثالث أو الدول التي نالت جرعتها من طعم الاستغلال، إلا أن التجربة المغربية عرفت مسارا مختلفا للمسار الذي سارت فيه العديد من الدول العربية، التي انقلبت مسارا على النظام الوراثي وفرضت نظام الحزب الوحيد.

فظروف نشأة الأحزاب السياسية المغربية ومسارها انعكس على تحديد نوعية تعاطيها مع مجموعة من القضايا وكذلك أثر في تموقعها داخل النظام السياسي في المغرب، فنجدها ارتبطت ارتباطا وثيقا بالعامل الخارجي، وصل إلى حد التأثر بالتجربة الخارجية في تنظيم الحزب.

وقد تمخضت عن هذه الحركة تشكيل أول حزب سياسي هو « كتلة العمل الوطني »، لم يكن مهيكلا أو مضبوطا بأي قانون تنظيمي، إذ اقتصر فقط على العلاقات التقليدية في التنظيم الداخلي للحزب.

ومع استمرار التفاوض مع سلطات الحماية استطاعت النخبة المغربية أن تكون تراكما مهما فظهرت نتيجة ذلك العديد من الأحزاب كالحزب الشيوعي المغربي 1943، حزب الإصلاح الوطني، حزب الوحدة الوطنية، حزب الاستقلال ثم حزب الشورى والاستقلال… وغيرها – تفاعلت فيما بينها بين أخذ ورد إيجابا وسلبا جعلت بعضها يختلف عن الآخر في إعطاء المضمون الحقيقي لكفاحها ضد الاستعمار خاصة في علاقتها مع مطلب الاستقلال.

وبدخول المغرب عهد نهاية الحماية تحول نشاط الأحزاب من النضال التحرري من أجل الاستقلال إلى النضال السياسي لتدعيم أركان الدولة وإقامة دولة المؤسسات العصرية، إلا أن بواكر سنوات 1956-1959 أظهرت رغبة حزب الاستقلال لوضع حد للتعددية الحزبية التي شهدها المغرب في فترة الحماية، وبتكريس نظام الحزب الوحيد، اصطدم بمعارضة باقي الأحزاب الأخرى، وأثار تخوفات القصر الذي فضل التعددية الحزبية، باعتباره النظام الأنسب لملكية دستورية، وصدر العهد الملكي في خطاب محمد الخامس في 8 ماي 1958، فرسخ هذا العهد خيار التعددية، فتم التأكيد عليها منذ أول تجربة دستورية في تاريخ مغرب ما بعد الاستعمار المباشر، تقديم دستور 1962 للتصويت حيث ينص الفصل الثالث من الدستور إلى: « أن الأحزاب السياسية تساهم في تنظيم المواطنين وتمثيلهم، ونظام الحزب الوحيد ممنوع في المغرب ».

هذا الخيار ساهم في بروز أحزاب أخرى، بعضها تناسل عن الأحزاب التاريخية، وأخرى نشأت بفعل تضافر مجموعة من العوامل والظروف كان أهمها محاولة خلق توازن في الساحة السياسية كي لا تعرف منحنيات خطيرة قد تؤدي بإخلال النظام العام. تعاقبت معها العديد من الأحداث ابتداء ببروز مشكل الحدود الوهمية مع الجزائر، مرورا بحكومة عبد الله إبراهيم، ودستور 1962، وصولا إلى المؤتمر الاستثنائي لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية لسنة 1975.

فالمشهد الحزبي بالمغرب عرف هشاشة مزمنة على مستوى التنظيم الداخلي وكذا على صعيد الأنشطة والسلوكيات التي تقوم بها هذه الأحزاب في سبيل الإسهام في القرار، فهي اتخذت أنماطا وأشكالا متعددة تبدأ بجانب الاهتمام بالشأن السياسي ثم الدراية والاقتناع بمبادئ وقواعد الحزب، حالت دون وضوح خطواتها، كما تميز بالاندثار تحت لواء التعددية الحزبية.

هكذا إذن أصبحت التعددية الحزبية قوة مادية في الواقع تجسدها مجموعة من القوى السياسية أفراد وجماعات على أرض الميدان فداخل المشهد السياسي بالمغرب زوبعة من الانشقاقات وتأسيس أحزاب جديدة ومنظمات سرية في مرحلة ما بعد 1975، وما كانت تشهده الساحة السياسية في العالم ككل نستحضر هنا أبرزها ما سمي بالحرب الباردة؛ بين قطبين الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي، وصولا إلى نهايته، وانهيار جدار برلين لتعرف الساحة الدولية موجة من التراجعات في صفوف القوى السياسية خاصة المتشبعة بالفكر الاشتراكي وهيمنة القطب الواحد مما سينعكس على المشهد الحزبي بالمغرب، اعتبارا للعلاقات التي تربط المغرب بالإمبرياليات العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، فأصبحت الأحزاب المغربية تابعة لها حتى في برامجها السياسية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر والمراجع:

بالعربية:

  • علال الفاسي، الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، الطبعة السابعة.
  • أبو بكر القادري، مذكراتي في تاريخ الحركة الوطنية، الجزء الأول.
  • محمد ضريف: الأحزاب السياسية المغربية، مطابع إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 1988.
  • وليام هوينسطن، الحماية الفرنسية بالمغرب بين الأوج والأفول تحت قيادة الجنرال نوجيس 1936-1943 الطبعة الأولى 2001/2002.
  • ألبير عياش، المغرب والاستعمار حصيلة السيطرة الفرنسية الجزء السادس.
  • عبد الكريم غلاب، الحركة الوطنية بالمغرب مع نهاية حرب الريف إلى إعلان الاستقلال.
  • عبد الرحيم برادة، إسبانيا والمنطقة الشمالية المغربية 1931-1956 الجزء الثاني.
  • جزن واترابوري، أمير المؤمنين، الملكية والنخبة السياسية.
  • عبد الهادي بوطالب، نصف قرن السياسة مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء في أكتوبر 2001.
  • قاسم الزهيري، محمد الخامس الملك البطل.
  • عبد الرحيم الورديغي، الخفايا السرية في المغرب 1956-1961 دار الرشاد الحديثة الدار البيضاء 1982.
  • أشفورد دوجلاس،التطورات السياسية في المملكة المغربية ترجمة الدكتور سليمان عارف والدكتور أحمد مصطفى بوحاكمة دار الطباعة والنشر بيروت، نيويورك 1963.
  • أحمد عيسى المعجزة المغربية دار القلم للطباعة الأولى 1975 بيروت لبنان.
  • روم لاندو، تاريخ المغرب في القرن العشرين.
  • مصطفى العلوي، الأغلبية الصامتة بالمغرب، مطابع دار الكتاب الدار البيضاء، 1977.
  • المهدي بنونة، المغرب السنوات الحرجة الطبعة الأولى 1989.
  • ستار محمد علاوي، أطروحة الدكتوراه تحت عنوان محمد حسن الوزاني دوره الفكري والسياسي بالمغرب.
  • محمد عابد الجابري، في عمار السياسة فكرا وممارسة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر الطبعة الأولى بيروت.
  • فايز سارة، الأحزاب والقوى السياسية في المغرب، رياض الريس للكتب والنشر.
  • مجلة وجهة نظر، عدد مزدوج 40/41.
  • مجلة الشرق الأوسط 09/04/1983.
  • مجلة الشراع، 26 فبراير 1973.

الأجنبية:

  • Mohamed Kenbib La Grande Encyclopédie Du Maroc Histoire- Faculté Des Lettres Rabat 1988.
  • Charles André Julien Le Maroc Face Aux Impérialismes 1415-1956 Édition Paris 1976.

 

 

الفهرس

تقديم عام: 2

الفصل الأول: البوادر الاولى لبروز الأحزاب السياسية في المغرب.. 6

المبحث الأول: ظروف نشأة التنظيمات السياسية بالمغرب. 8

– المبحث الثاني:  تطور التنظيمات السياسية المغربية. 13

– المبحث الثالث: العمل السياسي والاستقلال. 16

الفصل الثاني: المشهد الحزبي بالمغرب بعد الاستقلال. 25

المبحث الأول: الصراع على السلطة: 28

المبحث الثاني: حكومة « عبد الله إبراهيم » منعطف نوعي في تاريخ الفعل الحزبي بالمغرب: 36

المبحث الثالث: الأحزاب السياسية في ما بعد الاستقلال: 43

خاتمة: 53

المصادر والمراجع: 56

الفهرس.. 58

 

 

  • – علال الفاسي، الحركات الاستقلالية بالمغرب العربي.[1]

 -أبو بكر القادري: مذكراتي في الحركة الوطنية المغربية من 1930 إلى 1940 الجزء الأول ص29. [2]

 ألبير عياش: المغرب والاستعمار حصيلة السيطرة الفرنسية. الجزء السادس ص 378.[3]

 عبد الكريم غلاب، الحركة الوطنية بالمغرب من نهاية حرب الريف إلى إعلان الاستقلال. ص. 72.71. [4]

 ألبير عياش: المغرب والاستعمار حصيلة السيطرة الفرنسية. الجزء السادس ص 386. [5]

  عبد الرحيم برادة، اسبانيا والمنطقة الشمالية المغربية 1931، 1956 الجزء الثاني ص 232.[6]

 علال الفاسي. الحركات الاستقلالية بالمغرب العربي.[7]

 جون واترابوري، أمير المؤمنين الملكية والنخبة السياسية ص 86.[8]

 أبو بكر القادري الحركات الاستقلالية بالمغرب العربي الجزء الثاني، ص  221[9]

 نفس المرجع السابق ص 266[10]

 وليام هوينسطن: الحماية الفرنسية بالمغرب بين الاوج والافول تحت قيادة الجنرال  نوحيس 1936-1943 الطبعة الأولى 2001/2002.[11]

 علال الفاسي. الحركات الاستقلالية في المغرب العربي ص 187-188[12]

 العلوي مصطفى. الاغلبية الصامتة بالمغرب. مطابع دار الكتاب الدار البيضاء.1977-ص 27.[13]

 محمد ظريف .الأحزاب السياسة المغربية. مطابع افريقيا الشرق. الدار البيضاء 1988 ص29.[14]

علال الفاسي الحركات الإستقلالية بالمغرب العربي  [15]

 عبد الهادي بوطالب. نصف قرن في السياسة. المغرب 2001 ص194.[16]

 عبد الرحيم برادة، اسبانيا والمنطقة الشمالية المغربية 1931-1956 الجزء 2.ص 232.[17]

 – ألبير عياش: المغرب والاستعمار حصيلة السيطرة الفرنسية. الجزء السادس ص394. [18]

  -أبو بكر القادري: مذكراتي في الحركة الوطنية المغربية من 1930 إلى 1940 الجزء الثاني، ص 229.[19]

 ألبير عياش، المصدر نفسه ص 396.[20]

 جون واترابوري، أمير المؤمنين، الملكية والنخبة السياسية ص 155.[21]

1 –  ألبير عياش  المصدر نفسه ص 398.

– ألبير عياش. المصدر نفسه ص 398.[23]

 ألبير عياش. المصدر نفسه ص 397 [24]

 علال الفاسي. الحركات الاستقلالية بالمغرب العربي ص 444.[25]

  علال الفاسي. المصدر نفسه، ص 381.[26]

  علال الفاسي. المصدر نفسه، ص 391 [27]

 عبد الهادي بوطالب المصدر نفسه. ص 41-42.[28]

  عبد الهادي بوطالب المصدر نفسه. ص 45[29]

 د .زكي مبارك موقف محمد بن ع. الكريم الخطابي وعلال الفاسي من مباحثات ايكس ليبان مجلة وجهة نظر عدد مزدوج 40/41. ص 20-21 [30]

   محمد ظريف. الأحزاب السياسية المغربية ص 58.[31]

  علال الفاسي، المصدر نفسه . ص385-386.[32]

 أحمد عسة . المعجزة المغربية. ص 239-240.[33]

 قاسم الزهيري، محمد الخامس الملك البطل. ص 78.[34]

 روم لا ندو تاريخ المغرب في القرن 20.ص 340.[35]

 ع. الهادي بوطالب. نصف قرن من السياسة 194[36]

 قاسم الزهري، محمد الخامس الملك البطل .ص 90-91.[37]

 محمد ظريف. المصدر نفسه ص 71 ؛ ع الهادي بوطالب المصدر السابق ص 40.[38]

 عبد الهادي بوطالب . المصدر نفسه ص 43-44.[39]

 ألبير عياش.المغرب والاستعمار حصيلة السيطرة الفرنسية الجزء السادس ص 406.[40]

 عبد الهادي بوطالب. المصدر السابق ص35.[41]

 جون واترا بوري الملكية والنخبة السياسية ص 150.[42]

[43] – المهدي بنونة، المغرب السنوات الحرجة الطبعة الأولى 1989.

[44] – دوجلاس أشفورد، التطورات السياسية في المملكة الغربية، ترجمة الدكتور سليمان عارف والدكتور أحمد مصطفى أبو حاكمة، دار الطبع والنشر بيروت، نيويورك 1963 ص 139.

[45] – دوجلاس أشفورد، المصدر السابق، ص 140.

[46] – Charles André Julien Le Maroc Face Aux Impérialismes 1415-1956 Édition Paris 1976. P 485

[47] – نور الزاهي، الزاوية والحزب، ص 128.

[48] – نور الزاهي، المصدر نفسه، ص 149.

[49] – ستار محمد علاوي، أطروحة الدكتوراه تحت عنوان محمد حسن الوزاني دوره الفكري والسياسي في المغرب، ص 170.

[50] – ستار محمد علاوي، المصدر نفسه، ص 171.

[51] – معروف الدفالي، من مظاهر تعريف المقاومة وجهة نظر، عدد مزدوج 40-41 ص 12.

[52] – معروف الدفالي، المصدر السابق، ص 11.

[53] – عبد الهادي بوطالب، نصف قرن من السياسة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء في أكتوبر 2001، ص 77.

[54] – عبد الرحيم الورديغي، الخفايا السرية في المغرب المستقل 1956-1961 الرباط 1980، ص 67.

[55] – ستار محمد علاوي، المصدر السابق، ص 173.

[56] – عبد الرحيم الورديغي، المصدر السابق، ص 73-74.

[57] – عبد الهادي بوطالب، المصدر السابق، ص 79.

[58] – محمد ظريف الأحزاب السياسية المغربية، مطابع إفريقيا الشرق الدار البيضاء، 1988، ص 91.

[59] – عبد الهادي بوطالب، المصدر السابق، ص 85-95.

[60] – عبد الرحمان الورديغي، المصدر نفسه، ص 142.

[61] – عبد الرحمان الورديغي، المصدر نفسه، ص 142.

[62] – عبد الرحيم الورديغي، نفس المصدر، ص 144.

[63] – عبد الرحيم الورديغي، الخفايا السرية في المغرب المستقل 1956-1961 الرباط 1980،  ص 144.

[64] – أشفورد دوجلاس، التطورات السياسية في المملكة المغربية، ترجمة ذ. سليمان عارف وأحمد مصطفى أبو حاكمة، دار الطبع والنشر بيروت، نيويورك 1963، ص 148.

[65] – عبد الرحيم الورديغي، المصدر نفسه، ص 149.

[66] – – أشفورد دوجلاس، المصدر السابق، ص 142.

[67] – جون واترابوري، الملكية والنخبة السياسية في المغرب، الطبعة الأولى 1982 دار الوحدة الطباعة بيروت، لبنان ص 165.

[68] – الورديغي عبد الرحيم، المصدر السابق، ص 175.

[69] – دوجلاس أشفورد، المصدر السابق، ص 144-145.

[70] – جون واترابوري، المصدر السابق، ص 165.

[71][71] – دوجلاس أشفورد، المصدر السابق، ص 338.

[72] – عبد الرحيم الورديغي، المصدر السابق، ص 175.

[73] – Mohamed Kenbib La Grande Encyclopédie Du Maroc Histoire- Faculté Des Lettres Rabat 1988, P 225.

[74] – عبد الرحيم الورديغي، المصدر السابق، ص 196.

[75] – عبد الرحيم الورديغي، المصدر السابق، ص 197.

[76] – عبد الرحيم الورديغي ، المصدر نفسه ، ص 202 ، 203

[77] – جون واترابوري ، المصدر نفسه ، ص 150

[78] – جون واترابوري، الملكية والنخبة السياسية في المغرب، الطبعة الأولى 1982 دار الوحدة الطباعة بيروت، لبنان ص 150.

[79] – ذ. محمد عابد الجابري، في غمار السياسة فكرا وممارسة الشبكة العربية للأبحاث والنشر الطبعة 1 بيروت ص 59.

[80] – محمد العلوزي؛ فاعلوا الإصلاح بين الوحدة والانشقاق مجلة وجهة نظر العدد الثاني مطبعة النجاح الدار البيضاء ص 5.

[81] – فايزة سارة، الأحزاب والقوى السياسية في المغرب رياض الريس للكتب والنشر ص 33.

[82] – فايزة سارة، الأحزاب والقوى السياسية في المغرب رياض الريس للكتب والنشر ص 34.

[83] – فايزة سارة، الأحزاب والقوى السياسية في المغرب رياض الريس للكتب والنشر ص 34-35.

[84] – فايزة سارة، الأحزاب والقوى السياسية في المغرب رياض الريس للكتب والنشر ص 36.

[85] – فايزة سارة، الأحزاب والقوى السياسية في المغرب رياض الريس للكتب والنشر ص 39.

[86] – فايزة سارة، الأحزاب والقوى السياسية في المغرب رياض الريس للكتب والنشر ص 40.

[87] – فايزة سارة، الأحزاب والقوى السياسية في المغرب رياض الريس للكتب والنشر ص 49-50.

[88] – جون واترابوري، الملكية والنخبة السياسية، مصدر سابق ص 218-219.

[89] – مجلة الشرق الأوسط 9/4/1983.

[90] – جون واترابوري، الملكية والنخبة السياسية، مصدر سابق ص 223.

[91] – فايزة سارة، الأحزاب والقوى السياسية المغربية، مصدر سابق، ص 85.

[92] – فايزة سارة، الأحزاب والقوى السياسية المغربية، مصدر سابق، ص 86.

[93] – مجلد الشراع. 26 فبراير 1973.

Laisser un commentaire