جيش التحرير المغربي: 1955 ــــ 1960

تقديـــــــم:

 

تعرض المغرب عبر تاريخه كباقي الشعوب للأطماع والتدخلات الاستعمارية فموقعه الجغرافي ومميزاته العديدة جعلته محط أنظار الغزاة لذلك تعددت أساليب هذه التدخلات، فخلال القرن19 مهد الأوربيون لمد نفودهم داخل المغرب عبر العديد من الاتفاقيات غير المتكافئة والقروض المجحفة، وكما كان مخططا له عرف المغرب بداية القرن العشرين سلسلة من الأزمات السياسية والاقتصادية استغلتها الدول الاستعمارية للتدخل في شؤونه بعد المنافسة بينهم والتي حسمت لصالح إسبانيا وفرنسا في اقتسامه، فبعد توقيع معاهدة الحماية مباشرة بدأت عملية الاحتلال العسكري للبلاد أو التهدئة حسب المفهوم الاستعماري،  والتي واجتها مقاومة شرسة انطلقت في ربوع المغرب رافضة لهذا التدخل وإن غلب عليها طابع العفوية وقلة التنظيم في أغلب الأحيان، فامتدت مدة 22 سنة بعد توقيع الحماية ليظهر نوع آخر من المقاومة أو ما يمكن تسميته بالجيل الثاني الذي اتخذ من النضال السياسي طريقته المثلى في الدفاع عن الوطن. كانت الحركة الوطنية بشتى تلاوينها هي ما ميزت الساحة المغربية خلال الثلاثينيات والأربعينيات وأمام تعنت المستعمر والبطش والقوة التي قابلها بها ظهر جليا أن خيار المهادنة والمساومة لا ينفع معه. ومن هنا كان التطلع والاهتداء إلى طريقة أخرى تكون أنجع للضغط، حيث أن القمع هو لغة الاستعمار التي لا يعرف سواها.

 وما يحسب لهذا الجيل أنه عمل على بث الوعي والحس الوطني داخل الشرائح العريضة من المجتمع المغربي في المدن، زيادة عن التشهير بأفعال المستعمر الذي عمل على استغلال ثروات البلاد الاقتصادية، لكن رغم كل هذا فالمستعمر لازال جاثما على الأرض، في أفق تبني خيار آخر والمتمثل في العمل المسلح. فمنذ بداية الخمسينات انطلقت العمليات الفدائية داخل المدن استهدفت مصالح المستعمر وشخصياته فكان تضييق الخناق عليها عائقا حال دون توسيع قاعدتها، ومن تم انصب الإهتمام في تفعيل فكرة إنشاء جيش منظم هي الطريقة الأنجع للمواجهة بل هي ضرورة ملحة. فمن تم بدأت ثلة من الوطنيين الذين تبنوا هذا الخيار في الإعداد لتنظم حركة مسلحة أكثر عددا وعدة، وبالشكل الذي يرتقي ومتطلبات المرحلة التي هي بصدد الدخول فيها، والتي أفرزت لنا تشكيل جيش التحرير الذي يعد نقلة نوعية في تاريخ الكفاح المسلح حيث خاض مجموعة من الملاحم البطولية  فكان حملا بين طياته لابديل للمواجهة مع المستعمر غير الخيار المسلح فأثيرت حوله مجموعة من التساؤلات، والغموض الذي طال بعض جوانبه وهو ما  فتح شهية الباحثين للخوض في تفاصيل ظهوره وتشكيله، والعمليات التي قام بها وما شاب فترة إنهاء مهمته والحل والإدماج الذي تعرض لها من غموض، وقلة الكتابات المنجزة في الموضوع خصوصا في تلك المرحلة. لهذا اخترت أنا الآخر الغوص في هذا الموضوع رغم شساعته وتعدد الكتابات بتعدد زوايا النظر إليه مع وجود شح في المعلومات التي همت بعض جوانبه مع تضاربها في بعض الأحيان، الشيء الذي لم يثنينا عن الغوص في هذا الموضوع ومحاولة استكشافه باستنطاق الكتابات التي تناولته واعتماد المذكرات التي  كتبت من طرف رجال عايشوا المرحلة وساهموا في أحداثها بالقليل أو الكثير، كما زادتني المقالات المتناثرة هنا وهناك في إغناء بحثي المتواضع التي عملت على جمها، والاستفادة الكبيرة التي من الدراسات المنجرة من طرف أساتذة باحثين ساهموا بدورهم في كشف المزيد من الخبايا في الموضوع، ومن هذ كله حاولت أن أحيط بموضوع جيش التحرير  في بعض جوانبه.

 فقسمت بحثي المتواضع هذا إلى أربعة فصول بمباحثها:

الفصل الأول تعرضت فيه للعوامل التي مهدت لعودة المقاومة المسلحة وتأسيس جيش التحرير، فقسمته إلى ثلاثة مباحث تناولت في الأول مرحلة الانتقال من المطالبة بالإصلاحات إلى المطالبة بالاستقلال حيث عدت هذه المرحلة مهمة في تاريخ الحركة الوطنية. والثاني هم موضعه زيارة السلطان إلى مدينة طنجة الدولية وأبعادها والصدى التي خلفته والقراءات المختلفة لها، اما الثالث فتناولت فيه تأسيس مكتب المغرب العرب في القاهرة ولجنة التحرير التي أبان فيها محمد بن عبد الكريم الخطابي عن حنكة الرجل الذي لم  يثنيه العمر المتقدم عن أداء دور هام في مسيرة التحرير فبينت من خلال هذا الفصل كيف تم الانتقال من النضال في النطاق الضيق إلى نطاقه الواسع ومحاولة تعميم الكفاح أو مغربة الثورة.

 الفصل الثاني دخلت فيه إلى صلب الموضوع الذي هم تشكيل جيش التحرير ففي المبحث الأول تعرضت للموارد البشرية التي اعتمد عليها في بداية تشكيله وأعطيت بعض النماذج لتلك الفئات، أما الثاني فتناولت فيه الأسلحة التي بدأ بها الجيش عملياته سواء كان مصدرها الدعم الخارجي أو الاعتماد الذاتي للمقاومة في البحث عنها، أما الثالث عرضت فيه المراكز التي أنشأها في الشمال سواء للإدارة أو للتدريب، أما الرابع جردت فيه أهم المعارك التي خاضها جيش التحرير بالشمال والأطلس المتوسط، التي ميزت انطلاقة جيش التحرير في 2 أكتوبر 1955 رغم الاقتضاب الذي طبع جردي  لهذه الملاحم البطولية.

الفصل الثالث تميز بالانطلاقة الثانية لجيش التحرير في الجنوب المغربي وظروف  هذا الانتقال فعنونت المبحث الأول بالهيكل التنظيمي لهذ الجيش وآليات اشتغاله ومساهمة أبناء المنطقة في الملاحم التي خاضها هناك، والثاني كان عبارة عن جرد للمعارك  التي خاضها ضد الاستعمار الفرنسي والإسباني، لأخلص في المبحث الثالث إلى التراجع الذي عرفه جيش التحرير على إثر التحالف الإسباني الفرنسي وعملية التي عرفت بإكوفيون.

والفصل الرابع والأخير تناولت فيه جيش التحرير ومرحلة الاستقلال فتعرضت في المبحث الأول للعلاقات والمواقف السياسية لجيش التحرير، والثاني عرضت فيه لملابسات الحل والإدماج التي طالته وبالتالي كانت وراء إنهاء مهمته التحريرية.

فكانت هذه هي الخطوط العريضة للموضوع الذي تعرضت له، فرغم شساعته حاولت جاهدا تقديم هذا البحث في أحسن صورة خدمة للبحث العلمي، مستفيدا من مختلف المهارات التي تلقيناها في السنوات الماضية، أضف إلى ذلك توجيهات أستاذنا المشرف الذي لم يبخل بتقديم المساعدة طول مدة إنجاز هذا البحث. 



الفصل الأول:

 

 العوامل التي مهدت لعودة المقاومة المسلحة وتشكيل جيش التحرير

 

 المبحث الأول: من المطالبة بالإصلاحات إلى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال

 جاء تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال  وفق سيرورة من الوقائع والأحداث سواء التي وقعت على الساحة الداخلية أو على المستوى العالمي، كما جاءت لتتوج سلسلة المطالب الإصلاحية التي رفعتها الحركة الوطنية إلى سلطات الحماية الفرنسية، نظرا للزيغ الذي آل إليه نظام الحماية الذي تحول إلى حكم مباشر مارسته الإقامة العامة على المغاربة، ولهذا قامت الحركة الوطنية بتقديم سلسلة من المطالب الإصلاحية.

1ـ المطالب الإصلاحية

استطاعت كتلة العمل الوطني صياغة مجموعة من المطالب الإصلاحية تحت عنوان مطالب الشعب المغربي، وتقديمها إلى كل من السلطان، الإقامة العامة بالرباط، وكذلك الخارجية الفرنسية في شهر نونبر 1934 ([1])، شملت هذه المطالب 15 فصلا وكل منها يحتوي بدوره على عدة بنود ومن أهمها:

  • تطبيق معاهدة الحماية وإلغاء كل مظاهر الحكم المباشر.
  • توحيد النظامين القضائي والإداري في جميع البلاد المغربية.
  • الفصل بين السلط التي يقوم بها القواد والباشوات.
  • تقديم المغاربة في جميع فروع الإدارات المغربية.
  • إحداث بلديات ومجالس إقليمية وغرف تجارة ومجلس وطني يحتوي المغاربة والإسرائيليين([2]).

وتراوحت هذه المطالب ما بين السياسي، الاقتصادي والاجتماعي، وبهذا تعتبر هذه المطالب مرحلة أولية وضعت الأمور في نصابها، اعترفت بجميع الاتفاقيات سواء ما أقره مؤتمر الجزيرة الخضراء أو معاهدة فاس لسنة 1912 ([3])، الأمر الذي جعل الكثير من الساسة الفرنسيين يؤيدون هذه المطالب وخصوصا أحزاب اليسار، فكان وقع هذه المطالب إيجابيا لدى السلطات الفرنسية في باريس لتصدر أمرها إلى الإقامة العامة بالرباط القاضي بضرورية دراسة هذه المطالب إلا أنها لم تحظى بالتنفيذ إلا في بعض الجزئيات، و هو ما صرح به جيرارد دان مستشار السلطان و الذي أورده علال الفاسي في كتابه الحركات الاستقلالية حيث قال : » … إن مطالبكم تشتمل على ثلاثة اقسام: قسم يمكن تنفيذه ابتداءا من الأن و قسم أخر يمكن أن ينفذ بعد حين و قسم ثالث لا يمكن تنفيذه »([4]).

ومن هنا بدأت تظهر بوادر تعنت الإدارة الاستعمارية في الاستجابة لهذه المطالب، نظرا للعلاقة التي كانت تربط الجبهة الفرنسية بكتلة العمل الوطني فقد وعدتها بتنفيذ المطالب إذا ما وصلوا إلى الحكم وفي ماي 1936 تم لها ذلك في فرنسا، بهذا عقدت في 25 أكتوبر 1936 كتلة العمل الوطني مؤتمرا في الرباط و كان همه وضع مطالب مستعجلة قدمت في نفس الشهر إلى المقيم العام الفرنسي نوغيس وشملت  سبعة فصول همت:

  • الحريات الديموقراطية.
  • العدل و التعليم .
  • الفلاحة و الشغل.
  • الضرائب و الصحة العامة.

لكن الإقامة العامة كانت بالمرصاد لهذه المطالب التي صاغتها الحركة الوطنية و كان رد فعلها واضحا خلال المؤتمر كان مقررا أن يعقد بالدار البيضاء. حيث عملت على منعه و ألقت القبض على بعض زعماء الحركة الوطنية أمثال علال الفاسي و محمد اليزيدي و محمد بلحسن الوزاني حيث قضوا شهرا كاملا في الاعتقال، بعد هذه المدة  استطاعوا أن يعقدوا اجتماعا مع المقيم العام الجنرال نوغيس والذي وعدهم بتحقيق هذه المطالب المستعجلة، لكن الكتلة خرجت من هذا الاجتماع و ليس في يدها إلا تصريح بإصدار جريدة الأطلس([5]).

حدثت تغيرات داخل الكتلة في يناير 1937، لتخرج بانشقاق أذى إلى ظهور الحزب الوطني بقيادة علال الفاسي و الحركة القومية بقيادة محمد الحسن الوزاني، لكن كلا الحزبين استمرا في نضالهما ضد الحماية الفرنسية رغم اختلافهما في الوسائل وآليات الاشتغال([6])، فأصبح لكل منهما صحفها الخاصة التي تتكلم باسمه فالحزب الوطني له صحيفة بالفرنسية « المغرب » وبالعربية « العمل الشعبي » وكذلك الحركة القومية « عمل الشعب » بالفرنسية وصحيفة « الدفاع » بالعربية([7]).

لكن في 18 مارس 1937 صدر قرار بحل الكتلة من لدن الإقامة العامة و إقفال مقرها و لم تقف عند هذا الحد بل تعدته إلى درجة نفي الزعيمين محمد بن حسن الوزاني وعلال الفاسي ففي يوم 25 أكتوبر 1937 صدر الأمر بالنفي في حق علال الفاسي ليتم نقله في 3 نونبر الى الغابون ([8]). وبهذا قبلت المطالب الاصلاحية بالتنكيل و القمع الذي مورس على أعضاء الحركة الوطنية والذي وصل إلى حد النفي والإبعاد، بهذا ارتأت الحركة الوطنية التصعيد من نهجها و الانتقال من المطالبة بالإصلاحات إلى المطالبة بالاستقلال.

2ـ وثيقة المطالبة بالاستقلال

جاء تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال وفق خطة محكمة نهجتها الحركة الوطنية بتنسيق مع السلطان، بعد أن تبين لها أنه لا جدوى من المطالبة بالإصلاحات في ظل الحماية حيث لم تعد صالحة في تطبيقها على المغرب والتي فرضت في ظروف معينة، لكن المستجدات التي حصلت في هذه المرحلة على الصعيد الداخلي و الخارجي كانت مواتية للمطالبة بإلغائها وتقديم هذه الوثيقة.

أـ الأوضاع الخارجية:

مثلت الحرب العالمية الثانية أهم حدث ميز هذه الفترة موضوع الدراسة و كذلك الإنتصار الأول لدول المحور بحيث اجتاحت ألمانيا النازية ¾ من أراضي فرنسا الأمر الذي أنقص من دولة استعمارية مثل فرنسا أمام مستعمراتها بحيث أبانت عن مدى الضعف الذي حل بها أمام القوات النازية.

كما كان لمشاركة قوات المستعمرات بجانب الحلفاء في حربهم ضد النازية وقع خاص على رؤية الحركة الوطنية لما بعد الحرب، حيث كان طموحها هو نيل المستعمرات لاستقلالها([9]). كما يعد ميثاق الأطلسي واحدا من أهم التصريحات التي صدرت عن أبرز قوتين داخل الحلفاء ،حيث تعهدت من خلاله كل من بريطانيا والولايات المتحدة بالعمل على تحقيق مبدأ  » حق الشعوب في تقرير مصيرها » بعد انتهاء الحرب، وكان هذا التصريح في غشت 1941 كما كان استقلال بعض الدول العربية حافزا مهما ساهم إلى جانب كل هذه العوامل في تحفيز الدول التي لازالت تحت الاستعمار على المطالبة باستقلالها.

ب ـ الأوضاع الداخلية:

يعد لقاء أنفا أهم حدث ميز ارتباط المغرب بالقوى الكبرى، حيث جمع كلا من السلطان رفقة الامير الحسن و الرئيس الامريكي روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني تشرشل ، حيث قطع روزفلت وعدا للسلطان بتدويل قضية المغرب بعد انتهاء الحرب ففي هذا اللقاء استغنى السلطان عن وساطة المقيم العام([10])..

كما كان وقوفه الى جانب الحركة الوطنية و خروجه عن التحفظ إزاء الوضع الذي تمر به البلاد، حيث رفض الخروج من الرباط في 8 نونبر كما طلب منه الجنرال نوغيس دليلا قويا على مدى ارتباط السلطان بالحركة الوطنية. كما عمل الحزب الوطني والحركة القومية على توسيع قاعدتهم الجماهيرية في مختلف المدن والبوادي المغرب والاقتراب من مختلف فئات الشعب لتنمية الحس والشعور الوطني والاستفادة من مختلف وسائل الدعاية المتاحة كالمساجد والمدارس القرآنية([11]).

 وفقا لهذه الظروف و المتغيرات سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي بدأ التفكير مليا في إعداد وثيقة المطالبة بالاستقلال، وهو العمل الحاسم الذي يجب رفعه في وجه الحماية الفرنسية بعدما أبانت سياسة المراحل بعدم نجاعتها. تمت صياغة الوثيقة و قدمت يوم 11 يناير 1944  إلى كل من  السلطان محمد بن يوسف، الإقامة العامة بالرباط وإلى ممثلي الدول الكبرى.  حيث حمل هذه العريضة إلى السلطان وفد عن حزب الاستقلال ليلتحق بهم وفد الحركة القومية يحملون عريضة تضمنت  نفس المطلب، بحيث لقيت دعم السلطان بعض أن عرضها على مجلس موسع للمستشارين ضم العلماء والقواد الكبار وباشوات و وزراء فأيدوا بإجماع هذا المطلب([12]).

والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف كان الموقف الفرنسي من هذه الوثيقة ؟

أبدت سلطات الحماية تحفظها إزاء هذه الوثيقة إلا أنها وعدت بتحقيق إصلاحات اجتماعية وسياسية مرضية وبذلك استغلت الحركة الوطنية الدعم الشعبي والجماهيري لهذا المطلب الذي كان واضحا في توالي الوفود من جميع جهات المملكة على القصر الملكي بالرباط.

لكن وضع فرنسا المتحفظ هذا لم يستمر طويلا، لينقلب إلى حالة القمع والاعتقالات التي طالت زعماء الحركة المطالبة بالاستقلال، فاعتقل أحمد بلافريج ومحمد اليزيدي وستة عشر أخرين من مسيري الحركة الاستقلالية فكانت التهمة المبرر بها؛ التواطؤ مع العدو{دول المحور}([13])، وهو ما شجع على التظاهر للإفراج عن المعتقلين لكن سرعان ما تحولت إلى موجهات دامية مع الجيش الفرنسي فكانت مدينة الرباط سلا وفاس من أهم المدن التي شهدت اصطدامات عنيفة مع قوات المستعمر، ففي 22 يناير 1944 أصدرت الإقامة العامة بلاغا رسميا نشرته الصحف الفرنسية وتعلق باتفاق الإقامة العامة مع السلطان لإحداث كثير من الاصلاحات التي من شأنها المساهمة في تقدم المغرب و ازدهاره في دائرة الصداقة المغربية الفرنسية([14]).

لكن أعضاء الحركة الوطنية الذين لم يشملهم الاعتقال لم يقتنعوا بالإصلاحات، وزادوا بالضغط على الإدارة الاستعمارية  بشأن الاستقلال على الصعيد الخارجي و خاصة لدى الدول العربية و الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة حيث بعث محمد اليزيدي في 8 مارس1945 الى رئيس المؤتمر بسان فرنسسيكو وإلى رؤساء الحكومة الفرنسية، الأمريكية، البريطانية، الصينية يطلب فيه بقبول المغرب كعضو في هيئة الأمم المتحدة ([15]).

كان بذلك تقديم هذه الوثيقة نقلة نوعية في مسار الحركة الوطنية ومحطة بارزة في نضال الشعب المغربي ضد الحماية الفرنسية، فسجلت الانتقال من المطالبة بالإصلاحات في ظل الحماية إلى إلغائها بشكل كلي والتعامل بين فرنسا والمغرب كدولتين لكل منهما سيادته،  وبذلك جسدت التلاحم بين جميع فئات الشعب المغربي مع زعماء الحركة الوطنية. كما أبانت عن النضج السياسي لدى المغاربة الذي يصل الى درجة الوعي: هو أن نجد الشعب في مواجهة التهديد الخارجي يتعالى على كل الاختلافات ويقف وقفة رجل واحد متحديا ذلك الخطر، كما جسدت مقدمة الوثيقة الوعي لدى الزعامة السياسية و الصفوة الوطنية التي عرفها العالم و المغرب مما يسمح للمغاربة بالمطالبة بالاستقلال، إن هذه المطالب كما وردت بالوثيقة لم تترك فرصة للفرنسيين للتدخل إذ لم يكن مضمونها يتحدث سوى عن العلاقة بين المغرب ككل كوحدة ملتحمة، و فرنسا كعنصر دخيل مسيطر عليه الانسحاب([16]).  كما نجد الوثيقة تذكر فرنسا بتصرفاتها المتناقضة لمعنى الحماية بأن مست سيادة السلطان و الشعب وأرهقت المغرب اقتصاديا واستحوذ الفرنسيون على كل المناصب الادارية مما يحرم الفئة المثقفة المحلية من حقها المشروع في التسيير.

ج ـ نص وثيقة المطالبة بالإستقلال:

الحــمــد للــــه

إن حزب الاستقلال الذي يضم أعضاء الحزب الوطني السابق وشخصيات حرة:

 حيث إن الدولة المغربية تمتعت دائما بحريتها وسيادتها الوطنية وحافظت على استقلالها طيلة ثلاثة عشر قرنا إلى أن فرض عليها نظام الحماية في ظروف خاصة. وحيث أن الغاية من هذا النظام والمبرر لوجوده هما إدخال الإصلاحات التي يحتاج إليها المغرب في ميادين الإدارة والعدلية والثقافة والاقتصاد والمالية والعسكرية دون أن يمس ذلك بسيادة الشعب المغربي التاريخية ونفوذ جلالة الملك وحيث أن سلطات الحماية بدلت هذا النظام بنظام مبني على الحكم المباشر والاستبداد لفائدة الجالية الفرنسية ومنها جيش من الموظفين لا يتوقف المغرب إلا على جزء يسير منه وأنها لم تحاول التوفيق بين مصالح مختلف العناصر في البلاد وحيث أن الجالية الفرنسية توصلت بهذا النظام إلى الاستحواذ على مقاليد الحكم واحتكرت خيرات البلاد دون أصحابها وحيث أن هذا النظام حاول بشتى الوسائل تحطيم الوحدة المغربية ومنع المغاربة من المشاركة الفعلية في تسيير شؤون بلادهم ومنعهم من كل حرية خاصة أو عامة وحيث أن الظروف التي يجتازها العالم اليوم هي غير الظروف التي أسست فيها الحماية وحيث أن المغرب شارك مشاركة فعالة في الحروب العالمية بجانب الحلفاء وقام رجاله أخيرا بأعمال أثارت إعجاب الجميع في فرنسا وتونس وصقلية وكرسيكا وإيطاليا، وينتظر منهم مشاركة أوسع في ميادين أخرى وبالأخص لمساعدة فرنسا على تحريرها وحيث أن الحلفاء الذين يريقون دماءهم في سبيل الحرية اعترفوا في وثيقة الأطلنتي بحق الشعوب في حكم نفسها بنفسها، وأعلنوا أخيرا في مؤتمر طهران سخطهم على المذهب الذي بمقتضاه يزعم القوي حق الاستيلاء على الضعيف وحيث أن الحلفاء أظهروا في شتى المناسبات عطفهم على الشعوب الإسلامية ومنحوا الاستقلال لشعوب منها من هو دون شعبنا في ماضيه وحاضره وحيث أن الأمة المغربية التي تكون وحدة متناسقة الأجزاء تشعر بما لها من الحقوق وما عليها من واجبات داخل البلاد وخارجها تحت رعاية ملكها المحبوب وتقدر حق قدرها الحريات الديمقراطية التي يوافق جوهرها مبادئ ديننا الحنيف والتي كانت الأساس في وضع نظام الحكم بالبلاد الإسلامية الشقيقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــة.

يـقـرر مــا يـأتــي

أ..فيما يرجع للسياسة العامة: أولاً: أن يطالب باستقلال المغرب ووحدة ترابه تحت ظل صاحب الجلالة ملك البلاد المفدى سيدنا محمد بن يوسف نصره الله وأيده. ثانياً: أن يلتمس من جلالته السعي لدى الدول التي يهمها الأمر الاعتراف بهذا الاستقلال وضمانه، ولوضع اتفاقيات تحدد ضمن السيادة المغربية ما للأجانب من مصالح مشروعة. ثالثاً: أن يطلب نظام المغرب للدول الموافقة على وثيقة الأطلنتي والمشاركة في مؤتمر الصلـــــــح.

ب.. فيما يرجع للسياسة الداخلية: رابعاً: أن يلتمس من جلالته أن يشمل برعايته حركة الإصلاح الذي يتوقف عليه المغرب في داخله، ويكل لنظره السديد إحداث نظام سياسي شوري شبيه بنظام الحكم في البلاد العربية الإسلامية في الشرق تحفظ فيه حقوق سائر عناصر الشعب المغربي وسائر طبقاته وتحدد فيه واجبات الجميع، والســــــــلام.

 

 

 

 

 

 

 

الموقعون على الوثيقة:

1.       أحمد بن الطاهر مكوار

2.     محمد بن العربي العالمي

3.    الحسن بن جلون

4.     محمد بن عبد الرحمن السعداني

5.     عبد السلام السماري

6.     محمد البوعمراني

7.     مليكة الفاسي

8.     الطاهر زنيبر

9.     أحمد الشرقاوي

10.  أحمد المنجرة

11.    الحاج الحسن بوعياد

12.  أحمد الحياني

13. محمد غازي

14.  محمد بن الجيلالي بناني

15.  عبد الله إبراهيم

16.  قاسم بن عبد الجليل

17.  أحمد اليزيدي

18.  عبد الكريم بن بهلول

19.  الصديق ابن العربي

20. محمد الرفاعي

21.  الحفيان الشرقاوي

22. الهاشمي الهلالي

23.                       محمد السردي

24. عبد الكبير الفاسي

25. عبد الهادي الصقلي

26. محمد بن الخضير

27. إدريس المحمدي

28.عمر بن عبد الجليل

29.عبد الجليل القباج

30.                       قاسم الزهيري

31. عبد الله بن عمر

32.                       عبد القادر حسن

33.                      محمد الزغاري

34.                       أحمد بن دلّة

35.                       العيساوي السطامي

36.                       أحمد أباميني

37.                       محمد الغزاوي

38.                      عمر ابن شسي

39.                      مسعود الشبكي

40. عبد الوهاب الفاسي

41.  محمد البقالي

42. محمد الفاطمي الفاسي

43.                       الحسين بن عبد الله الورزازي

44. عبد الحميد بن مولاي أحمد

45. أحمد بن بوشتى

46. أحمد بن شقرون

47. ناصر بن الحاج العربي

48.محمد اليزيدي

49.محمد الديوري

50. عبد الله الرجراجي

51.  أبو بكر الصبيحي

52. محمد الجزولي

53.                       عمرو بناصر

54. محمد بن عزي

55. أحمد بلافريج

56. عبد العزيز بن إدريس العمراوي

57. أبوشتى الجامعي

58.محمد الخدلوي

59.بوعنان جورير

60. أبو بكر القادري

61.  عبد الرحيم بوعبيد

62. المهدي بن بركة

63.                       عبد الكبير الفهري الفاسي

64. مبارك بن أحمد

65. محمد الفاسي.

المبحث الثاني:  زيارة السلطان إلى طنجة أبريل1947 وأبعادها.

تعتبر زيارة 1947 بادرة من لدن السلطان لتجسيد مبدأ وحدة الأراضي المغربية ونخص بالذكر أنها ربطت بين ثلاث مناطق انطلاقا من منطقة الحماية الفرنسية مرورا بالمنطقة  الخليفية  وصولا الى طنجة ذات الصبغة الدولية، كما جاءت بعد ثلاث سنوات من تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال و تزكية لما قامت به الحركة الوطنية.

لقد عزم السلطان زيارة طنجة منذ منتصف سنة 1946 بحيث راجت أخبار عن هذه الزيارة في الصحف الفرنسية لكنها جاءت باعتبارها اشاعات، إذ لم يصدر أي أمر رسمي فأطلقت صحف من باريس أن زيارة السلطان ستتم في دجنبر من نفس السنة، لكنها تأخرت والسبب هو أخد موافقة الدول المشاركة في نظام طنجة الدولي وبالخصوص بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية([17]).

لقد أعلنت سلطات الحماية موافقتها المبدئية على هذه الزيارة لكنها احتجت بوجوب إشعار جميع الدول المشاركة في نظام طنجة، كما أبلغت السلطان أن كل من إنجلترا و الولايات المتحدة لا ترغبان في هذه الزيارة، في حين كانت اسبانيا لا ترى مانعا لكنها وفق شروط معينة هدفت بالأساس الى ثني الإقامة العامة الفرنسية عن أي تحركات مع السلطان داخل المنطقة الخليفية بأن لا يصحب المقيم العام الفرنسي السلطان بل تكون هذه المهمة من طرف المندوب السامي الاسباني إضافة إلى الجانب الامني الذي سيرافق السلطان يجب أن يوكل الى الجند الخليفي بدل الفرنسي([18]).

ولإبطال هذه  الرحلة  قدمت الإقامة العامة في شخص إريك لبون مجموعة من المطالب للسلطان في ما يخص هذه الرحلة:

  • ـــ أن يصحب المقيم العام السلطان في رحلته و يحضر سائر الحفلات التي في طنجة.
  • ـــ أن يقوم المقيم العام الفرنسي بتقديم ممثلي الدول الأجنبية للسلطان.
  • ـــــ أن يطلع المقيم العام على جميع الخطب التي سيلقيها السلطان أو الأمراء.
  • ـــــ أن يمتنع السلطان عن إصدار أي بيانات فترة إقامته بطنجة([19]).

وبعد أن اطلع السلطان عن هذه المقترحات، لم يعترض إلا على المطلب الثاني القاضي بتقديم السفراء و ممثلي الدول الأجنبية من طرف المقيم العام واقترح كبديل عنه المندوب السلطاني بالمدينة، أما باقي المقترحات فلم يعترض عليها و قد أبدى عدم نيته في إصدار أية بيانات خلال هذه الزيارة…، سخرت سلطات الحماية جميع إمكانياتها لثني السلطان عن هذه الزيارة، فاستغلت مأساة الدار البيضاء التي راح ضحيتها مئات الاشخاص نتيجة اطلاق الجنود السنغاليين النار على المغاربة بعد أن رشقهم بعض الاطفال بالحجارة وذلك يوم سابع ابريل 1947 فكان الرد على الحجارة إطلاق الرصاص على المدنيين العزل.  ورغم كل هذه الأزمات المختلقة إلا انها لم تثني السلطان عن عزمه .

وبعد اكتمال جميع التحضيرات انطلق الموقف السلطاني نحو مدينة البوغاز في يوم 9 أبريل 1947 على متن القطار لينظم اليه في منطقة « عرباوة » وهي الحدود الفاصلة بين منطقة الحماية الفرنسية والإسبانية الخليفة السلطاني محمد والمندوب السامي الاسباني الجنرال لاريا ، وعدد من المسؤولين الإسبان ليتجه الموكب نحو مدينة أصيلة التي توقف بها للاستراحة ليكمل طريقه نحو مدينة طنجة التي وصلها عشية نفس اليوم.

خلال هذه الزيارة قام السلطان بإلقاء مجموعة من الخطب كان الاول بحدائق المندوبية يوم الخميس 10 ابريل 1947 ودارت فحوى هذه الخطب حول انحياز السلطان الى مصلحة شعبيه  ووطن ([20]).   كما شكلت الخطبة الثانية و التي ألقاها على منبر مسجد العتيق يوم الجمعة 11 أبريل ذات دلالة هامة في كونها لم تخطر على بال المستعمر،  كما جسدت في نفس الوقت إحياء سنة الخلفاء الراشدين التي اندثرت.لقد دارت جل الخطب حول محور واحد ألا وهو الاستقلال، وإن لم يعبر عنه صراحة وبالكلمة ذاتها وإنما استغل جميع العبارات التي تصب في المغزى ذاته([21]). فالمتأمل لهذه الخطب يرى أن السلطان أظهر انحيازه الى شعبه الشيء التي عبرت عنه جريدة لوموندle monde  الفرنسية  » من خلال خطب حدائق المندوبية أدار السلطان ظهره لفرنسا ([22]). كما جاءت هذه الزيارة في وقت عرفت فيه الحركة الوطنية قمعا شديدا أذى الى تشتيتها و ذلك بعد تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، حيث لجأت الحماية الفرنسية الى إبعادها وبهذا الفعل صفى لها الجو تماما لزيادة وتكريس استغلالها للمغرب و المغاربة، وبذلك كانت هذه الزيارة كعمل يرمي الى الوحدة بين أجزاء الوطن الواحد، وكخطوة ثانية نحو الاستقلال بعدما شكل تقديم وثيقة 11 يناير أول هذه الخطوات التي عبرت عن نضج الوعي السياسي والحس الوطني، والتحام المغاربة حول أعضاء الحركة الوطنية  والسلطان والظهور كقوة واحدة.

كما عدت ضربا للنوايا الفرنسية في إعدادها لمشروع يرمي الى تأسيس الاتحاد الفرنسي، الذي سيشمل فرنسا ومستعمراتها وذلك بعد الخطاب الذي ألقاه الجنرال دوغول في برازفيل 1944، حيث اعتبر أن التفكير في الاستقلال خارج الاتحاد الفرنسي أمر غير مقبول، في حين زاد عليه الساسة الفرنسيون في كون المناطق التي شملتها الحماية الفرنسية داخلة هي الأخرة في هذا الاتحاد، ومن هنا جاء تشديد السلطان على وحدة البلاد و انتمائها الى الدول العربية و الاسلامية، معبرا على آماله وسعيه في التحاق المغرب بجامعة الدول العربية ومن هنا تظهر مناداة السلطان بالاستقلال بطريقة غير مباشر، حيث أن الانضمام إلى الجامعة العربية لا يكون إلا للدول المستقلة، قاطعا الطريق أمام تصريح دوغول([23]).

كما زادت هذه الزيارة من سلسلة إخفاقات فرنسا في المغرب بعد توالي عدد من المقيمين العامين في ظرف وجيز؛ فهذا إريك لابون  لم يتجاوز 13 شهرا الذي نهج سياسة تعتبر إلى حد ما لينة اتجاه القصر و الحركة الوطنية، فمنذ وصوله اتخد من سياسة ليوطي مثالا يحتدى به. إلا أن ظروف ليوطي غير هذه الظروف، لقد تغيرت تماما عن تلك الفترة وهو ما جعل الأوساط الفرنسية تنتقده بشدة الأمر الذي انتهى بتعين مقيم عام جديد هو ألفونسو جوان الذي عرف بشدته اتجاه القصر إذ في فترته تم تجسيد القطيعة التامة ([24])وبذلك كانت هذه الزيارة تهديدا صريحا لفرنسا والشيء الذي أعطى الشرارة الأولى لسلسلة الأزمات التي حصلت  بين المغرب المتطلع نحو الوحدة والاستقلال وبين فرنسا الدولة الإمبريالية، فعدت خطابات السلطان النقطة التي أفاضت الكاس بل شكلت بداية النهاية لنظام الحماية([25]).

المبحث الثالث: تأسيس مكتب المغرب العربي بالقاهرة ولجنة التحرير.

1ـ تأسيس مكتب المغرب العربي

لقد كان السياق العام لإحداث مكتب المغرب العربي نابعا من التغيرات التي وقعت خلال الحرب العالمية الثانية و ما بعدها، بحيث لم يعد العالم العربي معزولا تماما عن هذه التغييرات بل كان فاعلا فيها بكل إمكانياته، هنا نتحدث عن كون جل دوله كانت مستعمرة و ساهمت بدورها في الحرب العالمة الثانية أما التي ساندت الحلفاء أو كانت مسرحا للعمليات، لكن المستجد من هذه الحرب هو تحرر مجموعة من البلدان العربية وتأسيس جامعة الدول العربية في 22 مارس 1945 بالقاهرة، ضمت أنداك الدول المستقلة { مصر / السودان/ العراق /لبنان /سوريا/ السعودية/ اليمن الشمالية } وبذلك تحول نشاط الوطنيين المغاربة من الدول الاوربية الى الدول العربية، ومن هنا جاء فكرة تأسيس مكتب المغرب العربي، حيث يعتبر مؤتمر القاهرة 1947 هو المؤتمر التـأسيسي الذي دعا الى إحداث لجنة توحد جميع جهود الوطنيين المغاربة لنيل حرية أوطانهم، وكل ذلك بمساندة الجامعة العربية حيث كان خطاب إنشائها مشددا على الطبع الوحدوي والقومي للجامعة([26]).

حضر هذا المؤتمر ممثلين عن الشمال الافريقي: مثل تونس مكتب الدستور في القاهرة ودمشق ومثل الجزائر حزب الشعب، أما المغرب فقد مثلته رابطة الدفاع عن مراكش ([27]). وقد استمر اجتماعه من 15 الى 22 فبراير 1947 لدراسة معطيات المغرب العربي و اتخاد قرارات بشأنه  كانت أهمها:

  • بطلان معاهدة الحماية المفروضة على تونس و المغرب و عدم الاعتراف باي حق لفرنسا بالجزائر.
  • إعلان الاستقلال وجلاء القوات الأجنبية ورفض الانضمام إلى الاتحاد الفرنسي.
  • تعزيز الكفاح من أجل نيل الحرية والاستقلال.

وكما شدد المؤتمر على التنسيق المشترك في ما بين الحركات الوطنية في المغرب العربي وكذا داخل القطر الواحد ومن بين هذه القرارات التي اتخذها في هذا الشأن فقد أوصى:

  • تكوين لجنة دائمة من رجال لحركات الوطنية مهمتها توحيد الخطة وتنسيق العمل المشترك الكفاح المشترك.
  • العمل على توحيد المنظمات العمالية، الاجتماعية والاقتصادية في الأقطار الثلاثة وتوجيهاها توجيها قوميا.
  • ضرورة وقوف الاقطار الثلاثة جبهة واحدة عند حدوث الازمة في أي قطر منها([28]).

بعد انتهاء المؤتمر باشر المكتب نشاطه في تنسيق محكم لتجسيد مقرراته، فاعتبر عمله مرحلة متطورة في مسيرة النضال والتنسيق المغربي المشترك وبذلك تكون المكتب من ثلاثة أقسام:

  • القسم المراكشي و مثله حزب استقلال و حزب الصلاح.
  • القسم التونسي ومثله حزب الدستور.
  • قسم الجزائر ومثله حزب الشعب.

تمثل نشاط مكتب المغرب العربي بالدرجة الأولى بالدعاية الاعلامية للتعريف بالقضية المغاربية من أجل رفع اللبس عن السياسة الاستعمارية في المغرب العربي، ولتحقيق ذلك ولتوسيع نطاق الدعاية على مستوى المشرق العربي بالخصوص والعالمي قام المكتب بعدة أعمال منها:

  • إصدار نشرة إخبارية دورية لتزويد الصحافة وشركة الانباء الدولية وتزويدها الأخبار الصحيحة عن بلدان المغرب العربي وفضح جميع جرائم الاستعمار التي يرتكبها في حق شعوب المنطقة.
  • نشر المكتب سلسة من الرسائل يعرض فيها قضايا المغرب العربي ليعرف بأحواله وحركات جهاده إلى جانب التقارير التي يقدمها في جميع المناسبات التي يشارك فيها.
  • تنظيم عدة محاضرات عن المغرب العربي وعقد عدة مؤتمرات في العواصم العربية، وإرسال الوفود الى الخارج قصد الدعاية الواسعة لأقطاره الثلاث.

بهذا الوعي الجماعي استطاعت الحركات الوطنية في البلدان الثلاث (المغرب، الجزائر تونس) أن توحد جهودها لنيل استقلالها في إطار جماعي وبتنسيق مشترك في كل الأفعال التحررية ضد المستعمر الفرنسي، بذلك جاءت هذه الخطوة كردة فعل إيجابية في تكوين الاتحاد الفرنسي. وقد عُدَّ طرحا متقدما لقضية التنسيق والعمل المشترك بين الحركات الوطنية الثلاث فظهر وعي متطور بأهمية استثمار فكرة المغرب العربي واعتمادها كأرضية لمواجهة الاستعمار([29]). لكن هل الدعاية والتعريف بالقضية وحدها كافية بنيل الاستقلال أم أنه كما دخل المستعمر بالقوة يجب أن يخرج أيضا بالقوة؟

2 ـ تأسيس لجنة تحرير المغرب العربي

بالحديث عن هذه اللجنة فإننا نتحدث عن الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي وما بدله من جهد من أجل تأسيسها: وصل الأمير الى مصر في 30 ماي 1947 بعد أكثر من 20 سنة قضاها في المنفى بجزيرة لارينيون في شرق افريقيا، وبعد تجربة الثورة الريفية والتي مني الجيش الاسباني بهزائم في صراعه مع الريفيين بزعامة محمد بن عبد الكريم الخطابي، بها احتل مكانة عالية في نفوس المغاربة والعرب، لكن نهج الأمير لا زال راسخا والذي يتبنى القوة في موجهة المستعمر لا خيار المهادنة وسياسة المراحل فيقول: » أنا مصمم العزم على محاربة فرنسا إن كانت لا تزال تصر على المضي في سياستها الاستعمارية في بلادنا، و نحن مستعدون لتحمل مسؤوليات هذا السبيل… ولا حوار في الظروف الحالية فإما أن يخرج الفرنسيون وإما أن يفصل بيننا السيف… ولقد برهنت الحرب التي خاضتها منطقة الريف المغربية وحدها ضد إسبانيا و فرنسا على ما يستطيع أن يقوم به عرب المغرب في ساحة القتال ضد قوة الغدر و العدوان »([30]).

من هنا يتبين لنا التكتيك الذي ينهجه الأمير في مواجهة المستعمر، وتفاديا للأخطاء التي سيتم تخطيها في التنسيق والعمل المشترك داخل البلد الواحد أو في مجموع بلاد المغرب العربيذ، فبعد مدة سبعة أشهرمن العمل التواصلي استطاع مكتب المغرب العربي بالقاهرة التوصل إلى ضرورة خلق إطار شامل يوحد جهود جميع الأحزاب التي تعمل على استقلال الشمال الافريقي، بذلك أثمرت الجهود على إنشاء لجنة تحرير المغرب العربي وتم الإعلان عنها يوم 6 يناير 1948 بمشاركة الأحزاب وزعاماتها من تونس، الجزائر والمغرب.

  • الحزب الدستوري و يمثله الحبيب بورقيبة .
  • حزب الشعب و يمثل الشادلي المكي .
  • حزب الوحدة المغربية محمد الناصري.
  • حزب الإصلاح الوطني عبد الخالق الطريس.
  • حزب الشورى و الاستقلال عبد الحي العراقي.

و من أهم مبادئ هذه اللجنة :

  1. المغرب بالإسلام كان، وللإسلام عاش وعلى الاسلام سيستمر.
  2. المغرب جزء لا يتجزأ في دائرة الجامعة العربية على قدم المساواة مع بقية الاقطار .
  3. الإستقلال المأمول للمغرب العربي هو الاستقلال التام لكافة أقطارها الثلاث .
  4. لا مفاوضة مع المستعمر في الجزئيات ضمن النظام الحاضر.
  5. لا مفاوضة إلا بعد الاستقلال.
  6. حصول قطر من الأقطار على استقلاله لا يسقط عن اللجنة واجبها في مواصلة الكفاح([31]).

و قد أسندت رئاسة اللجنة الى محمد بن عبد الكريم الخطابي، والأمين العام للجنة كان من نصيب لحبيب بورقيبة وأمين الصندوق محمد بن عبود{حزب الاصلاح}.

شكلت اللجنة التي لعب فيها الخطابي دورا في إرساء قواعدها في القاهرة و فتح فروع لها في كل من لبنان و سوريا، لكن حنكة الامير جعلته يتوجه الى أبعد من ذلك حيث راسل الملك عبد العزيز آل سعود برسالة مرفقة بمذكرة تتضمن نبذة عن الصراع الإسلامي الإسباني عبد القرون كما راسل رئيس الجمهورية السورية شكري القواتلي وملك الاردن عبد الله وملك العراق يطلب منهم جميعا دعم اللجنة في سعيها الى التحرر من قبضة المستعمر. فكان النهج الذي أراد محمد بن عبد الكريم الخطابي تبنيه ذلك المعتمد على القوة والعنف، لابد له من آليات وخطة محطمة من أجل الوصول إلى الهدف وذلك عمل على تكوين الضباط العسكريين لقيادة الثورة المسلحة في بلدان المغرب العربي.

لقد كانت العودة إلى الكفاح المسلح والمنظم والذي توج بتأسيس جيش التحرير حدثا بارزا لم يكن اعتباطيا، وإنما جاء وفق تطورات أملتها الظروف الداخلية والخارجية وكذا تنامي الوعي بضرورة استقلال المغرب العربي. ولتحقيق هذه الهدف كان لزاما أن يسهم كل من موقعه للوصول إليه وفق خطة محكمة، فكانت البداية تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال التي جسدت تلاحم مختلف فئات الشعب مع قادة الحركة الوطنية وفي مرحلة ثانية مع سلطان البلاد، ولتتويج هذه الخطوة كانت زيارة السلطان إلى طنجة حيث عدت حدثا ذا أهمية، سعى من خلالها السلطان إلى تبيان وحدة البلاد التي سعى نظام الحماية إلى تقسيمه { المنطقة السلطانية ،المنطقة الخليفية، طنجة الدولية}. و من تم كان الإنتقال من الوحدة المغربية إلى الوحدة المغاربية من خلال تأسيس مكتب المغرب العربي بالقاهرة ولجنة التحرير التي أبان فيها محمد بن عبدالكريم الخطابي عن خطته المحكمة والتي تتبنى القوة والعنف في مواجهة المستعمر وذلك هو تبني  الكفاح المسلح والمنظم، الذي سيتوج بتأسيس جيش التحرير.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني:

 تأسيس جيش التحرير

 

شكل تأسيس هذا الجيش أول خطوة هامة في تاريخ المقاومة المسلحة بالمغرب، فكان تشكيله يترجم نمو الوعي التحرري الذي وصل إليه المغاربة، بعدما تعذر عليهم العمل السياسي. حيث قوبلت جميع المحاولات من لدن أعضاء الحركة الوطنية بالقمع بعد مطالبتهم  بالإصلاحات سنة 1934-1937 أو بالاستقلال سنة 1944، وبذلك ظهر جليا أن العمل السياسي أصبح صعب المراس  بعد اختلال التوازن الذي حصل، حيث تحولت الحماية إلى حكم المباشر، فكان اللجوء إلى العمل المسلح بديلا ضروريا وتحقيقا للهدف المنشود ألا وهو الاستقلال، فبدأت حركة المقاومة في المدن بتنفيذها لعمليات ضد الفرنسيين أو المتعاونين معهم.

ونظرا للتضييق الذي طال هذه أفراد المقاومة من طرف رجال البوليس والاستخبارات الفرنسية والخونة، بدأ التفكير في إنشاء خلايا أولى لجيش التحرير بالجبال في الريف، مستغلين في ذلك التوتر الذي ساد العلاقات الفرنسية الإسبانية، وبعد هجرة أغلب المقاومين بدأ الإعداد لهدا المشروع بإيجاد جميع الآليات والوسائل لتشكيل جيش التحرير، بدءا بالتنظيم، الموارد البشرية والسلاح فوصولا إلى تنفيد العمليات ضد المستعمر.

 

 

 

المبحث الاول: الموارد البشرية.

1– تكوين الضباط والطلبة في البلدان العربية.

يعتبر محمـد بن عبد الكريم الخطابي  أول من وضع اللبنات الأولى لجيش تحرير المغرب العربي، فقد كان مساهما في تكوين كتيبة مغربية من متطوعي تونس والمغرب والجزائر للمشاركة في الجهاد بفلسطين، لكن بعد النكسة العربية توجه البعض منهم واندمجوا في الجيش السوري ليكونوا داخله فوجا سمي  » فوج المغاربة » و كان من بينهم عز الدين عزوز التونسي  ومداح الجزائري والأمير رشيد الخطابي، وقد عاد معظمهم إلى بلدانهم المغاربية للمساهمة في تحريرها بعدما خيروا بين الجنسية أو التسريح([32]). وفي دجنبر 1949 تم اللقاء بين عبد الكريم الخطابي وعز الدين التونسي وكلفه بالذهاب الى ليبيا من أجل تكوين قاعدة لجيش تحرير المغرب العربي، وبعد مباحثات بين الضابط مع قادة الاحزاب التونسية التي لم تسفر على المرغوب فيه، عاد الى سوريا ليتم استدعاؤه مرة أخرى ليعمل بجانب الأمير.

كإتمام للفكرة عمل الخطابي على إرسال مجموعة من الطلبة للدراسة إلى المعاهد العسكرية لكل من العراق، سوريا ومصر على نفقته الخاصة ففي شتنبر 1948 تلقت لجنة المغرب العربي ردا من الحكومة العراقية بقبولها مجموعة من الطلبة المغاربة في كليتها الحربية ببغداد، فكانت المجموعة الاولى تتكون من سبعة طلاب:

  1. محمـد إبراهيم القاضي ـــــ جزائري ـــــ سلك الهندسة.
  2. يوسف العبيدي ــــــــ تونسي ــــــــــ سلك المدرعات .
  3. الهادي عمير ـــــــــ تونسي ـــــــــ سلك المشاة.
  4. أحمد عبد السلام الريفي ـــــــــ مغربي ــــــــ سلك المشاة.
  5. عبد الحميد ـــــــــــ مغربي ـــــــــ سلك المشاة.
  6. الهاشمي عبد السلام الطود ــــــــ مغربي ـــــــــــ سلك المدرعات.
  7. محمد حمادي العزيز ـــــــــــ مغربي ـــــــــ المدفعية([33]).

بهذه المجموعة كانت أول آليات مشروع الخطابي لقيادة الثورة المسلحة لتحرير البلدان المغاربية، بذلك غادرت هذه البعثة العسكرية القاهرة سنة 1948 في اتجاه العراق، وبعد التداريب التي تلقتها في مختلف التخصصات عادوا الى القاهرة في شهر يوليوز في سنة 1951 و ذلك من اجل اخد مهماتهم قصد تشكيل جيش التحرير المغاربي([34]).

فقد أسندت إليهم إنجاز مهمات كانت أولاها تهييئ  ليبيا لتكون قاعدة متقدمة لبلدان المغرب في حرب التحرير والجسر الذي يربط القيادة المغاربية بالقاهرة ببلدان المغرب العربي. وبالفعل بعد أربعة أشهر من المفاوضات استطاعت لجنة تحرير المغرب العربي و ليبيا التوصل إلى إتفاق يخص هذه الأخيرة و القاضي بإجاد مراكز لتدريب و إواء جيش التحرير وإيجاد مخازن السلاح.

وقد حصل في أوئل 1953 أن تم تقديم طلب الى السلطات المصرية بشأن تدريب أربعين طالبا من مختلف البلدان المغاربية لمدة ثلاثة اشهر، و قد قدم هذا الطلب من طرف الضابطين الهاشمي الطود وحمادي العزيز إلى القيادة العليا للقوات المسلحة المصرية، بعد دراسته وافقت عليه، واستدعت الأربعين طالبا للتدريب.

كان هذا أول فصيل يتلقى التداريب العسكرية داخل الأراضي المصرية([35])،  فكان الهاشمي هو المسؤول عن هذه الوحدة بحيث تابع جميع شؤونها و تداريبها، كما أعيد تدريب الطلبة المغاربة داخل الأراضي المصرية عدة مرات لكن العدد لم يتجاوز العشرين في كل دورة تدريبية، وكانت مدة التداريب تتراوح ما بين شهر ونصف وثلاث أشهر وتتم بشكل علني حتى أن قيادة الثورة المصرية كانت تعتبرها ضرورية لبناء فكر ووعي ثوري.

كما وجه رئيس لجنة الدفاع في لجنة تحرير المغرب العربي الى السلطات العراقية سنة 1953 بشأن قبولها بتدريس بعض الطلاب المغاربين في كلياتها العسكرية، فكان رد وزارة الدفاع العراقية بقبولها لعشرة طلاب للالتحاق بالكلية العسكرية في شهر أكتوبر 1953، وقد قسمت اللجنة مبدئيا هذه العشرة على ثلاثة طلاب لكل بلد ( الجزائر، المغرب و تونس ) . لكن لم يلتحق سوى ستة طلاب من المغرب لينضاف اثنان آخران، و قد تخرج هذا الفوج في يونيو 1956 أي بعد أن وضعت الحرب التحريرية أوزارها فالتحقوا بالسلك العسكري أو المدني([36]).

وفي شهر يونيو 1954 تم الاتفاق مع القيادة العامة للثورة المصرية على تدريب 300 شاب مغاربي يقسمون على خمس دفعات فكان عددهم في الدفعة الأولى ستون متدربا يقضون مدة من الزمن في أحد معسكرات التدريب قرب القاهرة و قد وضع برنامج لتدريبهم، وروعي فيه التكوين في حرب العصابات. كان من بين هؤلاء هواري بومدين([37]). و بهذا يتبين الدور الفاعل للجنة تحرير المغرب العربي في تكوين الضباط لإمداد جيش تحرير المغرب العربي بقيادات مؤهلة لإنجاح الثورة المزمع القيام بها.

2 ـ المقاومون اللاجئون في المنطقة الخليفية

شكلت هذه العناصر موردا هام في تكوين جيش التحرير بعد فرارهم من بطش سلطات الحماية الفرنسية حيث عمل المقاومون على استقبالهم في مراكز معدة لإوائهم في المنطقة الخليفية، ويشرف على هذه المراكز رجال سبق أن كانوا لاجئين أيضا، فمدينة القصر الكبير نقطة تجمع لهؤلاء المهاجرين الذين يقضون فيها بعض الوقت ثم الانتقال الى تطوان ثم الناظور، حيث أنشأ بعضهم مقاهي لاستقبال وتزويد المارين بكل ما يحتجون إليه من الزاد لإكمال السفر([38]).

وبذلك شكلت مناطق الحماية الإسبانية قواعد خلفية للمقاومة، سواء في الشمال أو في الجنوب بحيث ساهمت في تشكيل جيش التحرير، فكانت السلطات الإسبانية تغض الطرف عن هؤلاء اللاجئين، فكان بالتالي توافده غير شرعي وهو ما يزكيه عدم تسليمهم أية وثائق رسمية فهذه مدينة سيدي إفني استقبلت حوالي 90 لاجئ في تلك الفترة ([39])، و هذا يدل على التوافد الكبير للمقاومين كما نذكر من بين هؤلاء بعض القادة الذين ساهموا في تشكيل وقيادة جيش التحرير: كعبد الرحمان بن عبد الله الصنهاجي، محمـد أجار سعيد بونعيلات، الحسين برادة، ومحمـد بن علي الزروالي المعرف بالمكناسي.

تمكن هؤلاء من دخول منطقة الحماية الإسبانية بعد افتضاح أمر المقاومة في الدار البيضاء وتضييق الخناق عليهم، الأمر الذي اضطرهم الى الهجرة وتحمل مشاق السفر وطول المسافات ووعورة المسالك والخوف من القاء القبض عليهم من طرف الدوريات الفرنسية التي تنشط في محادة الحدود، بعد وصولهم الى الشمال كانت اسبانيا قد وضعت مسؤولا  » عن الجنوب  » وهو أحمد زياد المنتمي لحزب الاستقلال فكان إن شئنا القول وصيا عليهم ، بحيث لا يسمح لأي لاجئ بالانتقال من مدينة الى  أخرى إلا بتصريح منه و كذلك لا يمكن الحصول على عمل أو أية خدمة إلا بأخد موافقته، لقد استغل هذا الأمر في محاولته للتحكم في المقاومين و إخضاعهم، الأمر الذي تضايق منه الجميع ليدبروا له حيلة ذهابه الى القاهرة ومن تم التخلص منه نهائيا([40]) .واستدعاء عبد الكريم الخطيب ليكون مسؤولا عن هؤلاء اللاجئين، وهو الذي قدم مساعدات هامة للمقاومة منذ أن كان طبيبا جرحا في عيادته بالدار البيضاء، ومن تم تشكلت شبكة واسعة على مجموع الأراضي الواقعة تحت الحماية الإسبانية مهمتها استقبال المقاومين، بذلك كانوا أهم الفئات التي كونت وقادت  جيش التحرير المغربي، منهم  تشكلت قيادته نظرا لتمرسها في المقاومة داخل المدن والتي كانت تتطلع الى تنظيم مقاومة بعدد أكبر و تسليح جيد فوجدت في تشكيل جيش التحرير ضالتها، وفي هذا الصدد يقول عبد الله الصنهاجي بعد تأسيس مركز القيادة في الناظور  » … و ما إن سمعوا ( اللاجئين في الشمال) بتأسيس مركز لقيادة المقاومة ولتكوين جيش التحرير حتى أصبح هذا المركز قبلتهم و مهجرهم فرادى و جماعات خصوصا المتورطون في قضايا سرية وكذا الفارون من متابعات السلطات الفرنسية ومن سجونها وعملائها »([41]). ومن هنا يتبين الدور الذي لعبه المركز في تجميع المقاوميين لتشكيل الجيش.

2 – الجنود العاملون في صفوف القوات الفرنسية و الاسبانية

كان هؤلاء الجنود تمرة ناضجة ينبغي انتزاعها من يد المستعمر فقد كانوا يشكلون فئة مدربة، لها أسلحتها و عتادها، أضف إلى ذلك رفضهم قتال إخوانهم المغاربة، بعد التنكيل الذي مارسته سلطات الحماية على الوطنيين. كما كانت لهم تجربة في القتال سواء الذين شاركوا خلال الحرب العالمية الثالثة أو حرب الهند الصينية. فبدأت الاتصالات بهؤلاء الجنود لحثهم على الانضمام إلى صفوف المقاومة و جيش التحرير خصوصا أولئك الموجودون في الجبهات التي كانت ستنطلق منها العمليات فسخرت قيادة المقاومة جميع الجهود للاتصال بهم و محاولة إقناعهم بالانضمام الى صفوفها، فكان هذا الأمر  يتم بشكل مباشر أوعن طريق العائلة او أقرباء الجندي ([42]) . فعُدَّت خدماتهم ذات أهمية كبرى نظرا لمعرفتهم الجيدة لتلك المناطق التي يتواجدون بها ومعرفة الثكنات التي يزاولون فيها عملهم وكذا أماكن الأسلحة المدخرة فيها.

واتخذت قيادة جيش التحرير عدة وسائل لهذا الغرض كالقيام بإرسال منشورات إلى الضباط والجنود المغاربة :

  » حضرة الاخ الضابط الحر تحية طيبة و بعد ، تعلم كما يعلم الجميع ما قاسه إخوانكم في الجنس و اللغة و الدين لمكافحة الاستعمار البغيض طوال 27 شهر مضت الاستعمار الذي أذلك و أذل إخوانك و دبح أبناءهم واستحي نساءهم و لم يقف عدوانه الأثيم عند هذا الحد بل طعنك في عاهلك وملكك المعظم سيدي محمـد الخامس ضنا بأن ذلك سيمكن له الخلود والاستقرار والقضاء على عروبتك و اسلامك ، لكن اخوانك ابت عليهم كرامتهم أن يبقوا أحياء في أرض مغربية داست فرنسا كرامتها وانتهكت حقوقها وسجنت ملكها فقاموا يخاطبونك باللغة التي تفهما و المنطق الذي تؤمن به منطق القوة الذي لا تحترم سواه…إن شمس الاستعمار أخدة في الأفول بل أفلت و عليك أن تقوم بواجبك نحو أمتك ، نحو دينك ، نحو عربتك، نحو اسلامك اتفق مع الحامل على ما تستطيع ان تمده من عون و إننا باسم جيش التحرير المغربي نعدك وعدا قاطعا بضمان أخسن مركز في المستقبل »([43]).

     كما وزع مناشير أخرى حملت نفس الموضوع :  » …. إلى إخواننا المسلمين الموجودين في الجيش الفرنسي السلام الفرنسي و بعد، فاعلموا أنكم مسلمون و نحن إخوانكم في الاسلام و الوطن وعليه فإن عليه فالشريعة الاسلامية تمنعنا من محاربة بعضنا ، فلذلك نكتب لكم تنبيها على ما أنتم عليه من غفلة لأنكم تدافعون عن عدونا و عدوكم و تريدون أن ينتصر الكفر على الاسلام وهذا أمر لا يليق بكل مسلم كيف من كان و اعلموا أن كل من مات منكم في صف القتال فجزاؤهم جهنم ومن مات معنا فسوف يشاهد الجنة قبل ازهاق روحه و إن كنتم تفضلون الشهادة فاقدموا علينا في اماني الله  و الاسلام و من قدم فستكون له مرتبة سرجان »([44]).

فأتت هذه المنشورات أكلها وجعلت الكثير من الضباط والجنود المغاربة يلتحقون بجيش التحرير المغربي. الذي عمل على وضع لائحة بأسمائهم مع تسجيل رتبهم العسكرية والرقم الذي يحملونه داخل الجيش الفرنسي ونوع السلاح الذي فروا بهٍ([45]).

ومن بين هؤلاء نورد بعض الضباط  الذين لعبوا دورا فاعلا داخل الجيش ونذكر منهم:

عبد السلام الذهبي(السارجان) :

يعد هذا الضابط واحدا من قادة الميدان لجيش التحرير الذين برهنوا بعد التحاقهم عن صدق وطنيتهم فعين قائدا مركز أكنول التي كانت من بين النقاط التي انطلقت منها عمليات جيش التحرير في 2 أكتوبر 1955، تعد هذه الشخصية مثلا صادقا عن الجنود المغاربة الذين تمرسوا على القتال في الحرب العالمية الثانية وفي حرب  الهند الصينية، بعد انتهاء هذه الحروب عاد إلى المغرب فعين قائد الحرس الخاص لأحد جنرالات الاستعمار بمراكش.  في تلك المرحلة بدأت وطنيته تظهر  خصوصا بعد أن علم بما يحاك ضد السلطان بإيعاز من الباشا الكلاوي ليتم إبعاده إلى ألمانيا بعدما انكشف أمره في شتنبر 1952، ليعود في إجازة لمدة ثلاثة أشهر للاستراحة. في هذه الفترة غلبت عليه ميولاته في التوجه نحو المقاومة سنة 1954 فيقول »…. ذات مرة قدم عندي صديق من  تيزي أوسلي … وأخبرني عن وجود مكتب في الناظور وأعضاؤه يبحثون عن أناس شاركوا في الحرب ،  فقبلت أن أكون من هؤلاء و قلت له أنه إذا ما احتاجوا الي فما عليهم الا أن يتصلوا بي . و كان أول اتصال مع المرحوم عباس (المسعدي)  في ثلاثاء أزلاف  بكزناية …. و ذهبت مع الغابوشي إلى الموعد. وكان المرحوم عباس مع جماعة لا أعرفهم، ورغم أنني كنت مريضا، لقطعنا مسافة طويلة على أرجلنا ، فرحت فرحا شديدا عندما رأيت رشاشة عباس و قلت إن الفرج قريب لا محالة ان شاء الله … وبعد إن ارتوينا ذهبنا  في السيارة الى الناظور و التقينا مع السيد عبد الله الصنهاجي ومكثنا في الاتصال به و مارسنا تدريب الناس على حرب العصابات »([46]). فكان التحاقه مبادرة كبيرة بحيث ساهم إلى جانب إخوانه في إنجاح الثورة من أجل الاستقلال.

محمـد بن عمر المكوني( بويفادن): »

يعد هذا المقاوم  ضابط صف في الجيش الفرنسي ثم التحق بالمقاومة و كون علاقة وطيدة مع رجالها منذ مقامه في الدار البيضاء، وكان من الاوائل الذين حملوا فكرة تشكيل المقاومة المنظمة بالجبال، كما له الفضل في تكوين تنظيمات سرية هدفت إلى تكوين فرق جيش التحرير، فامتدت في الجنوب حتى وصلت الى منطقة سوس والاطلس المتوسط وبذلك شكل تنسيقا بين مختلف المقاومين الذين سيعتمد عليهم في تشكيل جيش التحرير، في مختلف هذه المناطق التي امتدت على ربوع المغرب([47]).غير أن السلطات الفرنسية استطاعت الوصول إلى هذه التنظيمات واكتشاف أمرها، وبهذا اعتقلت كل منظميها إلا أن محمـد بن عمر المغوني استطاع الهروب الى منطقة الحماية الإسبانية بسيدي افني([48]).

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني : السلاح والتموين

بعد الإعداد لتشكيل جيش التحرير كان لابد له من وسائل تجعل منه جيشا يعتد به وتهابه القوات الفرنسية، و بالتالي فإن البحث عن السلاح أولى هذه الركائز الذي سينبني عليها هذا الجيش لهذا سخر المقاومون جميع الإمكانيات للبحث عنه، قبل انطلاق العمليات كان يتم شراءه بطريقة فردية أو جماعية من داخل البلاد أو خارجها وبتضافر الجهود استطاع جيش التحرير أن يبدأ بكميات هامة من السلاح ولهذا كان التنسيق مع البلدان العربية والمغاربية واضحة وبالغ الأهمية نظرا للكمية التي توصلت بها المقاومة المغربية والجزائرية من دولة مصر.

1ــ الدعم الخارجي بالأسلحة لجيش التحرير.

استطاع قادة مكتب المغرب العربي بالقاهرة و لجنة التحرير الحصول على الدعم من الدول العربية وخاصة مصر والعراق، لكن حينما نتحدث عن المغرب العربي فإننا نتحدث عن دعم حركات التحرر المغاربي أي مجموع البلدان الثلاثة تونس الجزائر والمغرب .

قدمت القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية في دعمها لحركات التحرر خدمات هامة، كلفت ضابطين([49])بملف بلدان المغرب العربي  بعدما كانا قد كلف بدعم القضية الفلسطينية وقد سلم للضباط المغاربة ([50]) في دفعة الأولى 300 جنيه مصري أي ما يعادل 3 مليون فرنك فرنسي.  كان هذا المبلغ قد أَخد من صندوق لدعم فلسطين على سبيل الإعارة إلى بلدان المغرب العربي، وقد تم كل هذا بتنسيق مع مكتب المغرب العربي ولجنة التحرير التي يرأسها عبد الكريم الخطابي الذي تحدثنا عنها في الفصل السابق.

أ ـ السفينة الأولى  « دينا »

  لم يقف الدعم المصري عند هذا الحد ففي  5 مارس  1955 وصلت أولى الشحنات من الأسلحة إلى شمال المغرب و بالضبط قرب مدينة الناطور، حيث رست سفينة اسمها دينا في ملكية زوجة الملك الأردني محملة بحوالي 13 طن من الأسلحة و الذخيرة: 300 بندقية عشارية أنجليزية متطورة ، عشرون بندقية رشاشة من نوع طومسن المريكية الصنع، وفيزي متريوز 24 أنجليزية وقنابل يدوية([51]). بذلك كانت هذه الشحنة هامة في جيش تحرير المغاربي الذي كان بصدد الإعداد.

كان الإستعداد والتنسيق حاضرا في استقبال هذه السفينة التي انطلقت من مصر في اتجاه المغرب وكان على متنها أربعة أفراد هم القبطان وإبراهيم النيلي([52])، هواري بومدين وعبد القادر أبو زار ( ندير ). وفي ليلة 5 مارس حلت في شواطئ قبيلة كبدانة قرب مدينة الناظور مع العلم أنها تأخرت لأكثر من 5 أيام عن الموعد المحدد لوصولها وذلك بدعوى عدم معرفة المكان بالضبط مما جعلها ترسوا بمدينة مليلية. وفي الليلة المحددة وصلت إلى الشاطئ حيث أحضر السيد حمدون أشراق معه حوالي 30 شخصا كما قدم من الجزائريين نفس العدد تقريبا، وحضر من الناظور السيد سعيد بونعيلات، في متم الساعة التاسعة مساءا شرعوا في إفراغ حمولة السفينة الأمر الذي تطلب الليل كله، بحيث لم يكتفوا بإنزالها الى الشاطئ وإنما أخدوها بعيد عنه، إلى منزل السيد حمدون على بعد ثلاث كيلومترات لكن مع ضيق الوقت اكتفوا بتركها في أحد المنازل على القريبة من الساحل. وقد تم اقتسام هذه الشحنة من الأسلحة بين المغاربة والجزائريين فكانت حصة المغاربة الثلث والباقي للجزائريين وقد تكلف السيد حمدون بإخفاء الأسلحة عن أنظار السكان كما كلف بإيصالها إلى الجزائريين عبر البر في وقت لاحق([53]).

نظرا لعدم جاهزية الشاطئ الذي رست فيه السفينة تعرضت لأعطاب، حيث بدأت تتدفق المياه إلى داخلها مما جعل ابراهيم النيلي يخبر السيد حمدون بالمشكل فأشار عليه أن يخبر السلطات الإسبانية المحلية بأنه جنح الى الشاطئ تفاديا لخطر الغرق([54]). وللحفاظ على السرية التامة في نقل الأسلحة قام السيد حمدون في إخفاء أثار الأقدام بجلبه الغنم الى تلك الأماكن. وبذلك تمت العملية بنجاح. وفي الليلة الموالية تمت إعادة نقل الأسلحة من تلك المخابئ الى أماكن أخرى أكثر أمنا و بعيدة عن الشاطئ الى منطقة رأس الماء حيث مكتث هناك أكثر من ستة أشهر ([55]).

ب ـ السفينة الثانية  » النصر »

بداية يونيو 1955 عقد أعضاء من المقاومة وهم عبد الكريم الخطيب، عبد الله الصنهاجي وهما عضوين في لجنة تطوان اجتماعا مع الملحق العسكري المصري بمدريد وهو عبد المنعم النجار؛ واحد من الضباط الذين كلفتهم السلطات المصرية بدعم حركات التحرر في الشمال الافريقي([56]). وقد هم هذا الاجتماع مباحثات عن مدى سير التحضيرات لانطلاق العمليات ضد المستعمر الفرنسي، وخلال اللقاء طلبوا منه أن يبلغ جمال عبد النصر تشكراتهم على المساعدة وأردفوا له طلبا أخر بضرورة مدهم بمزيد من الاسلحة وفعلا استجاب لطلبهم وبعث بسفينة ثانية وهي المعرفة باسم  » النصر » ([57]).  فكانت محملة بالأسلحة والذخيرة وعلى الأغلب فإن هذه السفينة وصلت الى شواطئ الناظور أواخر شهر يونيو وبداية شهر يوليوز سنة 1955، وبعد التأكد من قدومها عقد السيد حمدون شراق ـــ وهو المكلف بإفراغ السفن و إخفاء الأسلحة ـــ وعباس المسعدي اجتماع مع الجزائرين الذين كان ضمنهم محمد بوضياف درسوا خطة إنزال الأسلحة تفاديا لما وقع من أخطاء في عملية الإنزال السابقة، وتوفير ما أمكن من المعدات لتسهيل العملية. ومن بين هذه المعدات تم شراء قارب من مدينة مليلية ليسهل إيصال الأسلحة الى الشاطئ، وفي اليوم المحدد لوصولها حضر الى الموقع من الجانب الجزائري محمد بوضياف والعربي بلمهيدي كما حضر عن الجانب المغربي كل من عباس المسعدي، سعيد بونعيلات، عبد الله الصنهاجي، محمـد الدخيسي وميمون أعقى، هذان الأخيران ينتميان إلى إموزار مرموشة والتي كانت من بين القبائل التي ستنطلق منها العمليات، وكما حضر حمدون شراق الذي يترأس الفرق السرية المكلفة بإفراغ السفن ونقل الأسلحة إلى البر([58]). لكن ما ميز هذه المرة عن سابقتها الخسارة الفادحة والتي غرق فيها المركب الصغير الذي جيء به، وبالتالي ضياع الحمولة التي على ظهره والتي وصلت الى 24 صندوق بالإضافة الى الذخيرة([59]).

ج ـ السفينة الثالثة أطوس :

وهي السفينة التي اشتراها السيد الغالي العراقي في ايطاليا مع كمية هامة من الأسلحة([60]قادها ابراهيم النيلي لكن البحرية الفرنسية اعترضت سبيلها وهي على مقروبة من السواحل المغربية و اعتقلت كل من فيها و استولت على الأسلحة ، وكانت هذه السفينة أبحرت في أوائل اكتوبر 1955، وبهذا تعززت المقاومة المغربية بهذه الكمية الهامة من الأسلحة في دعم حركة التحرر والاستقلال.

2 – الاعتماد الذاتي للمقاومة المغربية في البحث عن السلاح.

منذ انطلاق المقاومة المسلحة و العمليات الفدائية أصبحت ضرورة البحث عن السلاح ملحة. وكانت تتم بشكل فردي وتثمر في بعض الأحيان إيجاد أسلحة خفيفة وخصوصا المسدسات التي استعملها الفدائيون في عملياتهم ضد الفرنسيين و الخونة المتعاملين ، وكذلك بعض القنابل اليدوية المستوردة أو محلية الصنع لذلك كانت هذه المبادرات الفردية تفي بالغرض في إطار محدود، لكن العمل المنظم الذي سيتكون لابد له من إمدادات مهمة. فمنذ تشكيل لجنة تطوان ومجلس القيادة في الناظور عملوا على إنشاء لجان أخرى مهمتها البحث عن الأسلحة والذخيرة وخصوصا في الشمال.

تشكلت لجنة مكلفة بشراء الأسلحة والذخيرة  في مدينة مليلية وكانت عناصرها الأساسية من الجنود المغاربة داخل الجيش الاسباني بفضلهم استطاعت قيادة جيش التحرير التوصل بكمية هامة من الأسلحة التي كانت مخبـأة من الجيش الاسباني التي تعود إلى حرب الريف من منتصف عشرينيات القرن الماضي([61])، وقد استفاد المقاومون من تلك الذخيرة بحيث عوضتهم عن النقص الذي حصل إثر غرق الزورق الذي استعمل في الإنزال .

كما تمكنت القيادة أيضا من شراء عدد كبير من الأسلحة و ذلك بفضل الخلايا التي تنشط لهذه الغاية فقد تمكن المقاومون من التوصل ب 76 قطعة سلاح من البنادق والرشاشات والمسدسات ومئات القنابل اليدوية و170 ألف رصاصة وكل ذلك بأثمنة بسيطة ، لكن بعد اشتداد  المعارك رفع السعر أضعاف مضاعفة و كل ذلك حصل تحت الطلب المتزايد([62]).

فقد تم خلق شبكات واسعة داخل أوربا مهمتها توفير الأسلحة و التي استمرت في أداء مهمتها لفترة طويلة، فيقول حافظ ابراهيم « … في الصباح اتصلت بالاخوين عبد الكريم الفاسي وعبد الرحمان اليوسفي وابديت لهما باستعدادي بتزويد المقاومين بالسلاح، وبعد أيام قليلة حضر أحمد الضغمومي وكانت له سيارة أجرة قديمة شيفروليت، فأرسلت لهم بعض الكميائيين الذين يشتغلون معي إلى بعض الأشخاص الذين اشتريت منهم السلاح، كما أهدى لي صديق إسباني و اسمه أنطونييو مركوس بعض القطع و قد شارك في الحرب العالمية الثانية وبذلك جمعت سبعة عشر قطعة أرسلتها مع الضغمومي … واستمر حمل السلاح من الشبكات التي أعددتها في مدريد و برشلونة  إلى غاية 1957 أي عندما هاجم الاخوان عل سيدي افني »([63]) .

وبعد اندلاع المعارك استطاع المقاومون أن يغنموا الكثير من الأسلحة والذخائر وبهذا عُدَّ السلاح أول وسيلة لتحقيق الهدف فتظافرت جميع الجهود في سبيل جمعه بكافة الوسائل استعداد لليوم الذي ستنطلق فيه العمليات العسكرية.

2– تموين جيش التحرير بالأغذية و اللباس

كانت التموين بالنسبة لجيش التحرير من بين الأولويات التي انبنى عليها منذ تشكيله وخلال العمليات التي قام بها ضد مراكز و ثكنات المستعمر، وقد روعي هذا الجانب منذ انشاء القيادة في الناظور حيث كلفت أحد أعضاءها بالسهر على هذه المهمة ، وبعد انطلاق عمليات عملوا على إحداث مراكز معدة لهذا الغرض في منطقة الشمالية وخصوصا على الشريط الحدود الذي يفصل منطقتي الحماية الفرنسية و الإسبانية ، ومن بين هذه المراكز:

  • مركز كزناية وكان يتكلف بتموين فرق جيش التحرير في تيزي إيسلي .
  • مركز أربعاء توريرت وكان يزود فرق بورد .
  • مركز بن عمرت تكلف ببوزين ..
  • مركز عين الزهرة تكلف بمنطقة المطالسة و مغراوة.
  • مركز تركَيست و تكلف بمرنيسة ([64]).

 

كانت تتوزع هذه المراكز على إقليمي الحسيمة والناظور، كما لا يجب إغفال الدور الذي قام به السكان المحليون في تلك المناطق التي حصلت فيها الموجهات حيث عملت الدواوير على إيواء عناصر جيش التحرير، فكان لزاما على كل بيت ان يتكلف بمجموعة من الافراد. بإطعامهم على قدر طاقتهم لفترة معينة من الزمن ، كما كانت القيادة في الناظور او تطوان تعمل على إيصال مساعدات إلى عائلات أفراد الجيش وتوفير كل ما يلزمهم من أغذية، كأي جندي كان افراد جيش التحرير في جبهات القتال يتقاضون راتبا شهريا لا بأس به لتدبير شؤون الاهل فكانت توضع لوائح بأسماء الجنود و مبلغ راتبهم ، عند استلامه يبصم في إحدى الخانات كدليل لتوصله بالمبلغ([65]).

 

 

جدول يبين المصاريف التي تخص قيادة جيش التحرير بمركز الناظور([66])

المبلغ  بالبسيطة([67]) مجال صرفه
1300000

1600000

300000

300000

190000

180000

40000

60000

ـــ الرواتب الشهرية للمجاهدين

ـــ الملابس و الاحدية

ــــ النفقات المخصصة عائلات المجاهدين

ـــ شراء السلاح و الذخيرة

ــــ مصاريف القيادة

ــــ المواصلات

ــــ المخابرات

ــــ (المعلومة غير متوفرة)

 

ومن ناحية العلاج والتطبيب فقد كانت المراكز القريبة من منطقة الناظور أحسن حالا بحيث يتم إسعاف الجرحى و يحمل الذين هم حالة خطيرة إلى مدينة الناظور أو الحسيمة. لعلاجهم على يد أطباء الإسبانيين، وفي حالة الجروح الخفيفة فان القيادة في الناظور زودت كل مراكزها بكل ما تحتاجه من أدوية، أما في المناطق البعيدة فكانت وسائل التطبيب تقليدية وبسيطة([68]). كان الدعم المادي لجيش التحرير المغربي نابع من المغاربة حيث تتوصل القيادة في الناظور بأموال قادمة من داخل المغرب مع قوائم تحمل اسماء دواوير والمساهمين وقدر مساهمتهم، وذلك لسد حاجيات الجيش لاستمرار في المعارك حيث وصلت هذه المصارف لدى القيادة الى نحو 4 مليون و 510 ألف بسيطة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثالث: مراكز  جيش التحرير

 في الشمال

1ـ مركز القيادة بالناضور

منذ استقرار أعضاء المقاومة في الشمال و تأسيس لجنة تطوان، ثم وصول الأسلحة من الشرق على مثن السفن الثلاث بدأ الالحاح في إيجاد مركز تكوين لجيش التحرير المغربي و ذلك في الشمال الشرقي للمغرب وبالضبط في الناظور. بعد محاولات قام بها سعيد بونعيلات وحسن صفي الدين، اللذان لم يتمكنا من اتمام المهمة حيث اكتشفت أمرهم السلطات الاسبانية فاعتقلت بونعيلات بينما فر الآخر، ثم أعاد الكرة الحسين برادة إلا أنه هو الآخر لم يوفق ،فكان الأمر ملحا في إيجاد مكان لهذا المركز . حيث كانت الجمهورية المصرية تتبع أخبار هذه التحركات بواسطة الضباط الذين كلفتهم بمساعدة حركات التحرر في المغرب العربي. ولهذا ا عرض عبد الله الصنهاجي على اللجنة المكونة من سعيد بونعيلات، المسعدي وعبد الكريم الخطيب….، مشروعا يشتمل على تنظيم و التنسيق بين المقاومة والذي تناول النقاط التالية:

1 – أتطوع بنفسي ( عبد الله الصنهاجي ) لتحمل مسؤولية إيجاد مركز بالناظور لتكوين جيش التحرير بصفة سرية .

2 – أن يتحمل الإخوة الحسين بن عبد الله الوزكيتي، سعيد بونعيلات، حسين برادة، المدني بن محمـد المغراني مسؤولية المقاومة السرية في الاقاليم الجنوبية الخاضعة للسيطرة الفرنسية، باستثناء إقليمي تازة ووجدة ، فإنني أتحمل مسؤولية تسيير المقاومة  فيها نظرا لقربهما إلى إقليم الناظور .

3 ـــ أن يتحمل الخطيب مسؤولية الاتصال خارج المغرب فيما يخص شؤون المقاومة.

4 – أن يتحمل عباس المسعدي ، مسؤولية التنسيق بين أعمالنا داخليا وخارجيا.

5 – أن يتكون قيادة احتياطية في الشمال مركبة من المقاومين البارزين الموجودين في الشمال([69]).

بعد تدارس هذا المشروع وافقوا، عليه فانطلق يوم  7 يونيو 1955 عبد الله الصنهاجي إلى مدينة الناظور حاملا تصريحا من الإدارة المركزية الإسبانية يخول له المرور للعمل على تنظيم اللاجئين الوافدين على هذه المدينة، و بعد وصوله اتصل ببعض المقاومين اللاجئين هناك. حيث تمكن إيجاد بيت مكون من 5 غرف، الذي أصبح مركز قيادة جيش التحرير و مدرسة لتكوين عناصره.

بعد شيوع خبر تكوين هذا المركز أصبحت وفود المقاومين اللاجئين تأتي إليه بشكل مستمر حتيث أصبح منطلقا لإمداد المقاومين في منطقة الحماية الفرنسية بالسلاح الحفيف كالمسدسات و القنابل اليدوية، لكن مركز القيادة هذا ظل صامدا و لم يتم إغلاقه بعد الإتفاق الفرنسي الإسباني في شخصي المندوب السامي الاسباني و المقيم العام الفرنسي و الذي تمخض عنه طرد جل المقاومين اللاجئين في المناطق الشمالية، كان أساتذته هم: العربي بن المهيدي وعباس المسعدي، فكان تكوين المتدربين يعتمد على تدريس حرب العصابات ويستعملون في ذلك كتيب صغير عدد صفحاته 163 واسمه  » أصول حرب التحرير »  صدرت أول طبعة له سنة 1951 وهو من تأليف كاتبين مصريين يتضمن دروس نظرية، كما يتم تدريب فرق المقاومة على استعمال مختلف أنواع الأسلحة النارية، ومنها البنادق العشارية الأنجليزية، البنادق الرشاشة الأمريكية، المدافع الرشاشة من نوع 24 الأنجليزية، البنادق الخماسية، المدافع الرشاشة البلجيكية، القنابل اليدوية، كيفية مقاومة الجنود في مختلف الوضعيات وأماكن تواجدهم، و كيفية استهداف الدبابات([70]).

إضافة الى مختلف التداريب التي تلقاها المتدربون، اهتم المشرفون كذلك على الصحة النفسية و رفع المعنويات وشحنها بالأخلاق والقيم الاسلامية والمثل الوطنية، بذلك أصبح تكوين هذه الأطر متكاملا مما سيجعلهم يقومون بمهمتهم على أكمل وجه.

2 – مركز التدريب جنان الرهوني:

كانت هذه الضيعة غير بعيدة عن مدينة تطوان إذ تفصل بينهما مسافة 4 كلمترات،  تتوفر فيها جميع شروط التدريب العسكري، لذلك اختارتها لجنة تطوان لتكون مدرسة أخرى لتكوين عناصر جيش التحرير، كلفت ندير أبو زار (عبد القادر) بتكوين المتدربين وهو من أب جزائري وأم ايطالية ولد بالرباط و درس بها و نظرا لازدواجية  الأسرة كان يتحدث العربية بصعوبة حيث تربى تربية فرنسية في شبابه حتى عرف باسم « ريمون »([71]). بعد تخرجه عين مراقبا مدنيا لدى سلطات الحماية، لكن هذا لم يستمر طويلا ليترك مهامه اثر اختلاف حصل بينه وبين  الفرنسيين ليلتحق بالقاهرة، اتصل بالمقاومين هناك ليتشبع بالأفكار التحررية، و ان اتصاله هذا مع أعضاء الثورة هناك ومكتب المغرب العربي عاملا حاسما في إقناعه بالعودة إلى المغرب رفقة هواري بومدين على متن السفينة المحملة بالسلاح دينا، بحيث كان واحدا من بين المكلفين بإشعال فتيل حرب التحرير بالمغرب العربي([72]). فاستقدمه عبد الكريم الخطيب للقيام بمهمة تدريب العناصر الأولى من جيش التحرير و تعليمهم مبادئ حرب العصابات([73])،و بعد ان استلم بوزار هذه المهمة ، حيث قسم المتدربين إلى أفواج وكتيبات يرأسها أناس قادمون من الجيش الفرنسي، فكانت دراسة السلاح من المهام الأولى التي يتوجب على كل متدرب معرفتها، كالبنادق الرشاشة التي يتعين عليهم أن تفكيكها وتشحيمها.

 إضافة إلى هذا كان أبوزار يعد دروسا نظرية في حرب العصابات حيث يقول أنه استنبطها تاريخيا من دولة الموحدين عندما كانوا تحت امرة زعيمهم محمد بن تومرت يمارسون هذا النوع من الحروب ضد المرابطين([74]).

 ولقد عُدَّ أبو زار من أحسن الاختصاصيين في تدريب المغاربة على حرب العصابات وذلك لتجربته داخل الجيش الفرنسي، إضافة إلى أنه نهل من الكتب في تدعيم تجاربه وتجسيدها على أرض الوقع، اي على الاراضي المغربية التي ستدور فيها حرب التحرير، فدرس الكتب التي تناولت حرب الهند الصينية، كما كان يخلق جو التنافس بين المتدربين، وبذلك حضي وسط طلبته بالاحترام والتقدير، فكان تدريبه جد منظم بحيث تناول النظام العسكري ، فك السلاح و تركيبه، تكوين الزمرة ، تكوين الفصيلة، التقدم أثناء المشي، الكمين، الإنسحاب السريع، والهجوم المباغت، وغيرها من مناورات التكتيك العسكري، المعمول به في حرب العصابات([75]). وبذلك وضع القائد أبو زار برنامج لتكوين محورين أساسين :

  • برنامج التكوين الاساسي.
  • برنامج التكوين التكميلي.

كان المتدربون يختلفون حسب الفئات العمرية، كما كان مستوى الفهم ايضا يختلف بحيث كان البعض يتقن الكتابة و القراءة  ومن  مستواهم ضعيف ومن لا يعرف الكتابة ولا القراءة ، لكن الحماس الوطني كان غالبا عليهم، في سبيل تحرير الوطن واستقلاله مما يزكي ذلك تحيتهم للعلم صباح مساء. لذلك تعتبر هذه التداريب بشهادة الذين  تلقوها قاسية جدا حيث كانوا بصدد تحضيراتهم لموعد انطلاقة العمليات، وقد استمرت هذه التداريب حوالي أربعة أشهر ما بين يوليوز وبداية نونبر 1955([76]).

لكن ما يجب ذكره حول مركز جنان الرهوني أن القيادة في تطوان لم تأذن للمجاهدين هناك بدأ العمليات إلا بعد شهرين من انطلاق معارك جيش التحرير، وذلك لفك الحصار الذي لحق جيش التحرير في مثلث الموت (بورد ،أكنول، تيزي أوسلي) وإيموزار مرموشة، مما جعل البعض يرى أن هذا المعسكر لم يقدم أي دعم لجيش التحرير الذي انطلقت عملياته في 2 أكتوبر1955.

و في هذا يرى عبد الكريم الخطيب « ….وقد توخينا من تأسيس المدرسة ( جنان الرهوني ) هدفين: الأول تكوين مجموعة من الشباب على الاساليب الحديثة في القتال، والثاني هو تضليل المخابرات الفرنسي التي ركزت اهتمامها على مدرسة الرهوني في حيث بدأنا الهجوم في منطقة أخرى »([77]).

وتجدر الإشارة أيضا أن عودة السلطان كانت في 16 نونبر 1955 وانطلاقة هذا الجيش جاء متأخرة مما جعل المتتبعين له يعتبرونه جاء لتصفية الحسابات التي راح ضحاياها العديد من المقاومين البارزين مثل عباس المسعدي وعبد الله الحداوي و ثورية  الشاوي وغيرهم.

 

 

 

المبحث الرابع: انطلاق عمليات جيش التحرير بالشمال.

بعد وضع أسس جيش التحرير وتأسيس مركز القيادة في كل من تطوان والناضور، بدأت الإتصالات بينه وبين القبائل في الشمال قصد تشكيل فرق جيش التحرير هناك ،لتبدأ العمليات ضد المستعمر الفرنسي وعلى هذا الأساس بدأت قيادة الناضور في محاولة الاتصال بهذه القبائل سواء الواقعة  في الريف كقبائل كزناية أو الشرق والأطلس كقبائل إيموزار مرموشة.

1ــ قبائل كَزناية وتشكيل جيش التحرير

راودت فكرة حمل السلاح قبائل كَزناية شأنها في ذلك كباقي القبائل في ربوع  المغرب من أجل مواجهة المستعمر، حيث استقت الفكرة من المقاومة التي قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي ضد الإستعمار الإسباني، فمند أوائل الخمسينات  بدأت في التحضير لهذه المواجهة، وفي هذا التنظيم المبكر يقول عبد العزيز الدوائري أحد القادة الميدانيين لجيش التحرير في المنطقة : « وكثيرا ما كنا نسمع هذا الخطاب الهام من رفيقي الخاص الفقيه العلامة الحاج علي أقوضاض؛ أن انتفاضة ستقلب صفحة الإستعمار تنتظرنا لا محالة، عندما تمتد يد الإستعمار إلى تنفيد مخططاته و تهديداته المتكررة المتنوعة، فجعل كل فرد من الإخوان المنخرطين في السلك الإعدادي ببذل النفس والنفيس و بسخاء في إعداد العدة للعمل ، فحصلت على ثلاثة مسدسات بذخيرتها ، وبمالي الخاص …. كما حصل الرفاق الآخرون على سلاحهم الشخصي بوسائلهم الخاصة، وبقينا ننتظر تعيين الوقت …. إلى أن وقعت الواقعة  في إبعاد السلطان في 20 غشت ([78]) « ومن هنا يتبين لنا أن قبائل كزناية كانت سباقة إلى التهييء للعمل المسلح قبل 1953، فبعد هذا التاريخ سيتم تفعيل هذا الإختيار وذلك بالبحث عن الأسلحة، توسيع قاعدة المنخرطين في الخلايا، بالمشي قدما في هذه الخطة وقع الإتصال بمركز جيش التحرير بالناضور فيقول عبد العزيز الدوائري « … وجدنا بغيتنا المنشودة في هذه الجماعة  التي حلت أنداك بالناضور المركز الأساسي لجيش التحرير  فهيئ لنا عند ذلك الجو للعمل([79]) » وعلى هذا الأساس وقع أول اجتماع بينهم في 17 يونيو 1955 حضره كل من  الحسين برادة، بن عبد الله الوكوتي، سعيد بونعيلات ومحمد أبلعير([80])، ومن هنا توطدت العلاقات من أجل تشكيل فرق جيش التحرير في هذه المنطقة استعدادا لخوض المعارك ضد المستعمر الفرنسي .

كان مركز الهرهار أهم المراكز التي كانت تعقد فيها الاجتماعات للتشاور والتنسيق مع قيادة الناضور ومركزا للتدريب بحيث يستقبل وفود الشباب الراغبين في الالتحاق بجيش التحرير من منطقة بورد، أكنول وتيزي أوسلي لهذا الغرض ([81])، كما تم فيه أيضا توزيع الأسلحة على هذه المناطق الثلاث بحيث وصل عدد البنادق الموزعة 76 بندقية كان نصيب تيزي أوسلي 17 ، بورد 19 وأكنول 40 بندقية، وتولى عباس المسعدي عملية التقسيم فسلم للفريقان أسلحتهما عدا وفد أكنول الذي لم يحضر، فكلف أحد الرجال الآخرين ليقوم بمهمة إيصال الأسلحة إلى المركز الغائب وفده([82]).

بعد الانتهاء من تنظيم الخلايا وتدريب المجاهدين على استعمال مختلف أنواع الأسلحة وكذا التدرب على حرب العصابات، التوصل بالأسلحة  وتهييئ جميع الظروف بما فيها التموين الكافي ، حدد موعد 2 أكتوبر كموعد لانطلاق عمليات جيش التحرير ضد المستعمر الفرنسي ومن أهم المراكز التي كانت مسرحا للعمليات بالشمال:

أ- مركز بورد :

 كان واحدا من المراكز التي نجح فيها الهجوم، فبعد الإعلان عن 2 أكتوبر 1955 كموعد لانطلاق العمليات؛ تجمع المقاومون الذين كانوا من بين الفرق التي ستهاجم هذا المركز والتي وصل عددها إلى نحو 100 مقاوم ينتمي أغلبهم الى الدواوير المجاورة لمنطقة بورد([83])، فكان أول عمل قام به المجاهدون هو قطع أسلاك الهاتف التي تربط المركز بمحيطه، حيث لم يدم الهجوم سوى أربع ساعات من الوقت لتكون العملية ناجحة، فبداية طوقت فرق جيش التحرير المركز ثم لجأت إلى فتح الباب بالقوة ومن تم الذهاب إلى النقاط التي رأى فيها المجاهدون أنها أساسية داخله؛ كاقتحام مستودعات الأسلحة والذخيرة وأخد كل ما فيها والتي وصلت عددها إلى نحو 114 قطعة سلاح، كما توجهت عناصر أخرى  إلى السجن وإطلاق السجناء  وفي النهاية تم إحراق المركز مع جميع مكوناته بالإضافة إلى سيارة القبطان الذي فر منذ بدأ الاشتباك، وبحلول  الساعة الخامسة  انسحب الجميع من الموقع نحو الجبال والغابات المجاورة ([84]).

ب– مركز تيزي أوسلي :

 قاد الهجوم على هذا المركز محمد الغابوشي العجوري حيث تمكن مع الفرق المشاركة من إحراقه وتخريب كل مرافقه الإدارية وجميع مصالحه، كما تمكنوا من إطلاق السجناء، ومن تم الإلتحاق بالجبال والتحصن بها بعد أن غنموا في هذه العملية أزيد من 200 بندقية وبعض أجهزة الراديو([85])، فعملوا على محاصرة العدو الذي لجأ هو الآخر إلى الجبل فاستعان بالقوات الجوية في إمداده بالأغذية بعد نفاذ مخزونه، فقد أحكم المجاهدون السيطرة على كل المنافد البرية للمنطقة والتي أمطرتها القوات الفرنسية بالقنابل طيلة 4 أيام متتالية([86]).

ج–مركز أكنول:

كان التخطيط للهجوم على هذا المركز أيضا في التاريخ المحدد ب 2 أكتوبر، فكلفت القيادة في الناضور مسعود أقجوج للقيام بالعملية؛ لكنه لم ينجح في ذلك لسوء التدبير، فتولى القيادة بعده السارجان عبد السلام الذهبي([87]). وبعد هذا الهجوم الفاشل عزم المجاهدون على تحطيم قنطرتين  في كل من أجدير وعين الحمراء وذلك لعزل الفرنسيين بقطع الإمدادات عليه ففي الأيام الموالية 4/5 أكتوبر تحطم ما مجموعه 5 قناطر والعديد من الأعمدة الهاتفية ومن هناك بدأت المواجهة مع العدو الفرنسي في قدومه إصلاح الأضرار ([88]) .

وبذلك كانت هذه المنطقة مسرحا للعديد من العمليات التي استهدفت  قوات الاستعمار الفرنسي حتى عرفت بمثلث الموت (أكنول- تيزي أوسلي بورد) نظرا لضراوة المعارك، فيها استطاعت فرق جيش التحري أن تلحق الخسائر المادية المهمة والقتلى في صفوف العدو،  فغنمت العديد من الأسلحة بحيث استخدمتها في هجوماتها الأخرى أو في منطقة الجنوب بعد انتقال جيش التحرير إليها ومباشرته العمليات .

وفيما يخص النتائج التي استطاع جيش التحرير أن يحققها فقد عُدّت معركة بين الصفوف (28 يناير 1956) أعنف المعارك وأشرسها  فى هذه المنطقة  إذ خسر فيها الجيش الفرنسي  أكثر من 300 جندي وجرح 600 آخرين واستنجد بكل قواته في المناطق المجاورة والطيران الحربي حيث قصفت المنطقة ككل واستمرت المعارك أكثر من نصف يوم، حتى اعتبرت شبيهة معركة أنوال فعدت حدثا بارزا عجل بتوقيع اتفاقية الاستقلال .

وهكذا فقد حقق أسلوب حرب العصابات المراد منه في تكبيد العدو خسائر مادية  وبشرية والخروج من هذا بأقل الخسائر، لعدم تكافؤ الطرفين من حيث العدد والعدة، كما لعبت المواقع التي جرت فيها العمليات الدور الحاسم؛ التي تميزت بطابعها الجبلي والمغطى بالأشجار التي حالت دون التمكن من استهداف المجاهدين بواسطة الطائرات، وبهذا شكلت المعارك التي خاضها جيش التحرير ضغطا على السلطات الفرنسية والتي أسرعت إلى التوقيع على الاستقلال الشكلي في مارس 1956؛ فبدأ الانقسام داخل جيش التحرير ما بين تيار الإدماج في القوات المسلحة وبين من أراد إكمال تحرير ما بقي من البلاد تحت الاستعمار ، وهو ما جعل الأغلبية في جيش التحرير تفضل المسيرة التحريرية التي خاضتها في الشمال وتنوي إتمامها بتحرير باقي  الأراضي في الجنوب.

جدول يبين المعارك التي خاضها جيش التحرير في الشمالنهاية 1955 وبداية 1956([89])

التاريخ المعارك التاريخ المعارك
2/10/1955 معركة بورد 22/10/1955 معركة جبل هيبل
3/10/1955 معركة بوزينب 232/10/1955 معركة بوزينب الثانية
4/10/1955 معركة اجدير الثانية 29/10/1955 معركة تيفراسين
5/10/1955 معركة دوار أقروعن 30/10/1955 معركة اظهار أمكورت
6/10/1955 معركة وادي إهراسن 31/10/1955 معركة تيلملال
8/10/1955 معركة ابقرين 7/11/1955 معركة حجرة الغولة
9/10/1955 معركة تيزي نتارا ما بين 10/11/1955 4 معارك بكدية الشوك
10/10/1955 معركة أروجن 11/12/1955 معركة اهروشن
18/10/1955 معركة وادي الذهب الثانية 19/1/1956 معركة الجبل الأقرع
19/10/1955 معركة معركة بايو الثانية 25/1/1956 معركة جبل أزغار
20/10/1955 معركة أزكريتن 28/1/1956 معركة عين الحمراْء
15/2/1956 معركة جبل مرزوقة 7/2/1956 معركة الماعلي
20/10/1955 معركة أبراراتن 1/2/1956 معركة تيزي نتايدا
15/2/1956 معركة جبل الناضور    

 

2– انطلاق عمليات جيش التحرير في منطقة الأطلس المتوسط

كانت البداية الفعلية لحركة المقاومة في قبائل إيموزار مرموشة بالأطلس المتوسط؛ عندما أطلق شخصان من المغاربة النار على تاجر يهودي كان يبيع الخمور في البلدة، الشخصان هما أحمد الدخيسي وميمون أعقا إلياس اللذان عرفت بهما بداية المقاومة في هذه المنطقة ([90])، الأمر الذي جعل السلطات الفرنسية تحقق في الموضوع للبحث عن الفاعلين خوفا من اتساع رقعة العمليات الفدائية، فاعتقلت  العديد من الناس الأبرياء وخصوصا التجار الصغار، فكان لهذه العملية وقع إيجابي وصدى كبير على الصعيد الوطني حيث عمل الوطنيون على محاولة الإتصال بمنفذي تلك العملية، فجمعهما أول لقاء مع عباس المسعدي ودار النقاش فيه حول مدى انتشار الوعي الوطني في المنطقة، ومدى استعداد السكان المحليين للانضمام إلى المقاومة([91])،  ويمكن اعتبار هذا الاجتماع دالا على الاتفاق المبدئي فيما بين المقاومين على اختيار الكفاح المسلح والمنظم من أجل طرد المستعمر، بذلك تم تشكيل الخلايا الأولى في المنطقة فلم تقف عند حدود إيموزار مرموشة وإنما عملوا على توسيع قاعدتها في القبائل المجاورة.

كان أول عمل يصب في هذا الاختيار المسلح هو البحث عن السلاح بالتنسيق مع المقاومة في المدن والمناطق الشمالية بعد تأسيس قيادة جيش التحرير بالناضور، فأرسلت هذه الأخيرة  إلى مرموشة اثنين من المقاومينّ([92]) للإتصال بأحمد الدخيسي وميمون أعقا واستقدامهما إلى الناضور، حيث تلقوا التدريبات التي كانت تجرى هناك من حرب العصابات إلى استعمال مختلف الأسلحة وبعد مدة قضاها هناك عادوا إلى قبائلهم لينظموا الفرق فيها .

بعد وصول الأسلحة من الشرق عادوا مرة أخرى من أجل استلام حصتهم منها وإيصالها إلى المنطقة استعدادا لانطلاق العمليات ،فكانت حصة مرموشة من الأسلحة 18 بندقية، رشاش كبير، 3 آلاف رصاصة و8 قنابل يدوية([93])، رغم كل الجهود التي قام بها المقاومون لجعل نقل الأسلحة إلى مرموشة تتم بسرية إلا أن الأمر تسرب إلى سلطات الحماية مما جعلها تقوم بتمشيط المنطقة استعدادا للتدخل في حالة القيام بأية عملية فدائية، وبعد وصول الأسلحة تم توزيعها على رؤساء الفرق في القبائل لأجل القيام بتدريب خلاياها استعدادا لانطلاق العمليات([94]).

بعد قطع كل هذه المراحل: التي ابتدأت بالبحث عن السلاح مرورا بالتدريب وصولا إلى المرحلة النهائية والتي تمثلت في تنفيد العمليات، اجتمعت الخلايا في منزل ميمون أعقا للتدارس بشأن الهجوم على ثكنات الجيش الفرنسي في البلدة؛ التي كانت تضم من قوات الكوم 260 فردا، القوات المساعدة 50 فردا، ومن الضباط 3 أفراد (رائد –قبطان – ملازم)، بعد تدارس الأوضاع من جميع الزوايا  تم التوصل  إلى مخطط قسم بمقتضاه الحاضرون إلى مجموعات مع قادتها، كل واحدة تنفذ عمليتها في مكان معين وبشكل متكامل ، والاتفاق على التجمع ليلة السبت في مكان بالغابة يسمى راس العين([95])، أما الطرف الآخر فقد كان يجري استعداداته لإحتمال وقوع أي هجوم محتمل بعد تسرب الخبر إليهم بواسطة أحد العملاء، فشددوا الحراسة وضاعفوا من عدد الرجال الذين انتقل عددهم  من 15 إلى 35 حارسا إضافة إلى وضع الأسلاك الشائكة أمام مداخل الثكنة لصد المهاجمين، لكن تكتيك عناصر جيش التحرير كان هو الآخر متميزا إذ هدفت إلى استقطاب أحد الجنود المغاربة العامليين في الثكنة للمساعدة على اقتحامها([96]).

حوالي الساعة الواحدة إلا ربع أعطيت إشارة انطلاق الهجوم على الثكنة العسكرية، فبعد مواجهات أمام المداخل استطاع المجاهدون الدخول إلى مركز اللاسلكي وتحطيم أجهزته لقطع الإتصال بمركز قيادة الجيش الفرنسي في فاس، كما تم اقتحام مستودع الأسلحة والذخيرة، فالإستلاء عليها يعد ضروريا لتغذية المجاهدين بالكافي منها فكان ينصب اهتمامهم على الأسلحة التقليدية التي كانوا يجيدون استخدامها فكانت الكمية التي استولوا عليها هامة جدا ([97]). استمر الإشتباك بين عناصر جيش التحرير والقوات الفرنسية حتى الصباح، وقد أسفر الهجوم عن استشهاد 28 مجاهدا ، وسقوط عدد آخر من قوات العدو، مع بزوغ الفجر حلقت طائرات فرنسية فوق المنطقة تمطرها بالرصاص والقنابل من دون تمييز.

كان مركز مرموشة هو الوحيد الذي نجحت فيه العمليات، عكس باقي القبائل الأخرى التي تقرر فيها الهجوم هي أيضا وفي نفس التوقيت، والسبب في تخلفها إما عدم التوصل بالأسلحة أو سوء تدبير الهجوم الذي لن يسفر عن أية نتائج بطبيعة الحال وكلها تتواجد في جبال الأطلس :

  • بولمان : هذه الفرقة لم تتوصل بالأسلحة ، ولم يتم إخبارهم بالهجوم أصلا.
  • سكورة : عدم التوصل بالأسلحة .
  • هرمومو: توصلت بالأسلحة ولم يتم الهجوم .
  • تاهلة: توصلت بالأسلحة ، وفشلت في تدبير الهجوم .
  • برييكن: وقع الهجوم لكنه لم يسفر عن أية نتائج.

كانت الخطة التي جمعت هذه المراكز كلها مع مرموشة  تقضي بأن تجتمع بعد الفراغ من العمليات بجبل بويبلان لتنظيم نفسها استعدادا للمواجهة مع الفرنسيين([98]).

بعد وصول الدعم العسكري اضطر أفراد جيش التحرير على الإنسحاب نحو جبال بويبلان وبالضبط مرتفع « المعراض »، حيث مكثوا فيه مدة يومين قبل الإلتحاق بالريف ، فعملت إحدى القبائل هناك على توفير الأغذية الضرورية طيلة مكوثهم في المنطقة([99]).  أما في مرموشة فقد بدأت السلطات الفرنسية بعد وصولها إلى عين المكان البحث عن منفدي العمليات، واستعادة الأسلحة التي استولى عليها السكان الذين لم يلتحقوا بالجبال، فوضعت لذلك مبالغ مالية لمن سلم قطعة سلاح، كما بالغت في تعسفها على السكان بأن أحرقت منازلهم خصوصا تلك العائدة لمن قادوا العمليات، فسلبتهم أسباب قوتهم كالأغنام التي يعتمدون عليها في عيشهم بحكم طبيعة المنطقة الجبلية التي يمارس أغلب الناس فيها نشاط الرعي،  وبعد مرور يومين تقريبا استطاعت القوات الفرنسية معرفة أماكن المجاهدين لتعمل على قصفها ومحاولة تطويقها بمساعدة القبائل الموالية لها، لكنهم انسحبوا نحو جبال الريف للإلتحاق  بجيش التحرير هناك، فمكثوا حتى ربيع 1956 حينما اجتمعوا بعباس المسعدي فدار النقاش حول عودة محمد الخامس واتفاقية الاستقلال، واحترام هذه البنود وأخبرهم بإمكانية العودة إلى ديارهم وأن المسعى قد تحقق. وفي أواخر شهر مارس عادت عناصر جيش التحرير إلى إموزار مرموشة حيث تمركزوا قرابة الشهر  بثكنة  « تلزمت » في المنطقة والذين وصل عددهم إلى 300 فرد ليلتحقوا بعائلاتهم بعد خروج الفرنسيين من إيموزار مرموشة وتسليم السلطة إلى المغاربة الذين حلوا مكانهم بالمنطقة ([100]).


الفصل الثالث:

 جيش التحرير في الجنوب

 

بعد إعلان استقلال المغرب عقب مفاوضات إيكس ليبان الغير المرضية، التي لم تتطرق إلى تحرير المناطق الجنوبية ( الصحراء الشرقية والغربية). لذلك عزم أغلب الوطنيين على استكمال وحدة البلاد وتحرير ما بقي تحت السيطرة الاستعمارية، خصوصا الصحراء الشرقية والجنوبية. في بداية يناير 1956 عُقِدَ في مدريد مؤتمر حضره قادة المقاومة وجيش التحرير، ومن بين مقرراته ضرورة مواصلة الكفاح في الجنوب المغربي من أجل استقلال هذه المناطق([101])، وبعده بحوالي 3 أشهر تقريبا وفي أبريل 1956، انعقد اجتماع حضرة مجموعة من المقاومين وقادة جيش التحرير( عباس المسعدي – حسن الاعرج  – عبد الكريم الخطيب – مصطفى ابن عثمان – ابراهيم المانوزي – عمر المسفيوي الحسن الزموري – جناح بن عاشر – المختار البقالي…) وذلك بمنطقة الخميسات في مكان يسمى  » تيزطين ». و قد تناول هذا اللقاء موضوع الأراضي التي بقيت خارج اتفاق الاستقلال، حيث شدد على ضرورة مواصلة الكفاح المسلح ضد الاستعمار الفرنسي والإسباني للصحراء، فخلاله تم الاتفاق على إرسال بعض الفرق إليها وخصوصا تلك المتمركزة بالخميسات، فتحركت فرقة مكونة من 256  عنصرا إلى الصحراء الجنوبية ، وفرقة أخرى من 120 مقاتلا إلى عين الشعير على الحدود الشرقية مع الجزائر([102]).

كما انطلقت فرقة ثالثة من جيش التحرير المتمركز في الشرق بقيادة محمد بالحاج بوبو حيث بعث رسالة الى قيادة جيش التحرير في الناظور بتاريخ فبراير 1956 جاء فيها  » … و إني أنظم جيشا لكي أرسله إلى الصحراء في المستقبل و حين سأرسله سأعلمكم بذلك و أريد الاستشارة معكم في هذه المسالة «  وبتافلالت حلت فرقة أخرى من جيش التحرير بقيادة ابراهيم المانوزي([103]).

انطلاقا من أكادير بدأت الهجمات الأولى لجيش التحرير على بعض المراكز الإدارية التي لا زالت تحت سلطة المراقبين العسكريين الفرنسيين، بحيث تمت مصادرة ما فيها من أسلحة وذخيرة، وبكل هذه الفرق استطاع حيش التحرير أن يضمن مواصلة الكفاح المسلح بالجنوب، ومن تم شرع في بناء هياكله الادارية والتنظيمية، والاتصال بالقبائل الصحراوية  هناك قصد المساعدة و تقديم الدغم اللازم لإتمام معركة التحرير.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الاول: الهيكل التنظيمي لجيش التحرير في الجنوب وآليات اشتغاله.

1 ــ هيكل الجيش التنظيمي

بوصول جيش التحرير إلى الجنوب المغربي شرع في تكوين قاعدة له بحيث شكل مركز قيادته في المناطق المستقلة والقريبة من تلك المحتلة فاتخذ مدينة كلميم مركزه وبدأ في وضع هياكله التنظيمية فتشكلت قيادة عليا لهذا الجيش جمعت عدة أقسام:

القسم العسكري: محمد بن حمو المسفيوي كمسؤول عن الجيش وأيت سعيد الصغير كنائب له.

القسم السياسي: و كان مقره بالدار البيضاء، وكان يضم أعضاء مكتب المقاومة وجيش التحرير وحسن صفي الدين الأعرج، التهامي نعمان، ومحمد بنسعيد أيت ايدر حيث كان هذا الأخير مرتبط بالقيادة العسكرية بكلميم.

القسم المالي.

أما القيادة المركزية لجيش التحرير في كلميم فتشكلت من عدة أقسام هي الأخرى:

. الكتابة العامة.

. الشؤون المدنية.

. المواصلات.

. كتابة الضبط.

. التموين. ([104])

وترتبط بهذه الأقسام مصالح أخرى تتجلى في مراكز للتداريب العسكرية، الذخيرة الحربية، التفتيش، الاستعلامات، المستشفى، اللاسلكي. كما عملت قيادة جيش التحرير على القيام بمهام اجتماعية وإنسانية أخرى.

نظرا لشساعة المناطق التي هو بصدد القيام فيها بعمليات ضد الإحتلال تم تقسيم هذا الجيش إلى عدة مقاطعات للعمليات العسكرية سواء في الصحراء الشرقية أو الغربية:

+ المقاطعة الاولى: بكلميم حيث تشكلت مركز قيادة جيش التحرير.

+ المقاطعة الثانية: منطقة فم الحصن.

+ المقاطعة الثالثة: بفم أيت وابلي بناحية أقا.

+ المقاطعة الرابعة: بوزكارن.

+ المقاطعة الخامسة : بطاطا.

+ المقاطعة السادسة: بوارززات.

+ المقاطعة السابعة: تندوف والحمادة.

+ المقاطعة الثامنة : السمارة والداخلة.

+ المقاطعة 9: تافودارت، العيون والساقية الحمراء.

+ المقاطعة 10: منطقة إيسك تكاره وجبل كموشة.

+ المقاطعة 11: منطقة اغران، أسندي ولرباع ورزاك.

+ المقاطعة 12: منطقة أيد موس أكنا، إيد أوبلا أيت تسمور وجبل توليشت.

+ المقاطعة 13: شمال سيدي إيفني.

+ المقاطعة 14 جنوب سيدي إيفني.

+ المقاطعة 15: أيت بعمران.

+ المقاطعة 16: أرفود والريصاني وقصر السوق.

+ المقاطعة 17: بودنيب وعين الشعير .

+ المقاطعة 18 : فيكيك بوعرفة و تنذرارة. ([105])

كان على رأس كل مقاطعة حربية قائد، و تربط هذه الفرق علاقة وطيدة بمركز القيادة، حيث كانت تتبادل فيما بينها رسائل مكتوبة بخط اليد أو مرقونة، يحملها غالبا الجنود أو نواب الاتصال، ([106]) لذلك تم تنظيم الجنود حسب الرتب التي لم تختلف عما كانت عليه في الشمال، بل احتفظ بهذا التنظيم بشكل كبير، حيث يتكون من قائد الرحى، قادة المئة، قادة الثلاثين، قادة الطلائع و الجنود([107])، وبجانب كل قائد من هؤلاء القادة يوجد نائب له([108] ).

والملاحظ كذلك أن هذا الجيش قد تطور بشكل ملحوظ عما كان عليه في الشمال سواء من حيث التنظيم أو العدد بحيث تجاوزت أعداده 3000 فرد، وكذلك وضعت له القيادة نظاما خاصا الأجر على اختلاف الرتب.

جدول يبين أجور افراد جيش التحرير عل اختلاف الرتب([109])

الرتب                                         التعويض ( بالفرانك)
قائد الرحى

قائد المئة

نائب قائد المئة

قائد الثلاثين

نائب قائد الثلاثين

رئيس الطليعة

نائبه

الجندي

الزوجة

الابن

15,000

6000

5000

3500

3000

2700

2600

2500

500

200

 

 

خطاطة تبين التسلسل أفراد جيش التحرير حسب الرتب ([110])

قائد

الرحى

قائد

 المئة

 

قائد الطليعة

+ 10 جنود

 

قائد الطليعة

+ 10 جنود

 

قائد الطليعة

+ 10 جنود

قائد الثلاثين

قيد الرحة

 

قائد الثلاثين

قيد الرحة

 

قائد الثلاثين

قيد الرحة

 

 قائد

المئة

 

قائد

المئة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كما لعب جيش التحرير دورا لا يستهان به في الجانب الاجتماعي فقد عمل بكل طاقاته في تحسين أوضاع الجنود وذويهم، وكذا القبائل الصحراوية، بحيث أحدث عدة مراكز للإسعاف في بعض مناطق الصحراء، وإمداد تلك القبائل بكل ما تحتاجه من المواد الضرورية للعيش خصوصا بعد الجفاف الحاد الذي ضرب المنطقة سنة 1957، كما قام بإيواء وتعليم أكثر من 360 تلميذا من أبناء الصحراء في كل من أكادير تافروات والدار البيضاء، وخصص مراكز لإيواء أبناء الشهداء في بوزكارن والعمل على تزويدهم بكل ما يحتاجون إليه من المواد الضرورية وبشكل مستمر([111]).

فكانت هذه الأعمال الاجتماعية التي أداها جيش التحرير أعمالا إنسانية كما توخى منها أيضا مزاحمة فرنسا في هذه المجالات التي همت التطبيب وتوزيع الأدوية والتعليم التي عملت على فرنسته، وبذلك فتح جيش التحرير جبهة جديدة في كفاحه ضد المستعمر( الميدان الاجتماعي – الميدان العسكري). وبهذا استطاع أن يقدم الكثير في هذا المجال رغم ضعف الامكانيات  بحيث أعد الكثير من المشاريع إلا أنها لم تخرج إلى الوجود بسبب ضعف التمويل وقلة الأطر ([112]).

2–أسلحة و عتاد جيش التحرير بالجنوب:

حرصت جميع فرق جيش التحرير على البحث عن الأسلحة الضرورية لمواجهة المستعمر، ومن بينها تلك غنمها في هجوماتها على مراكز العدو، بالإضافة إلى ما جلبه الجنود الفارون من الجيش الفرنسي والإسباني ومن ثكنات مكناس، الحاجب، القنيطرة، سيدي قاسم([113]). وبذلك وفرت الأسلحة الضرورية لإتمام وحسم المعركة خصوصا أنها ستدور في مناطق نائية و مكشوفة عكس العمليات التي أنجزت في الشمال.

كما عمل أعضاء المقاومة وجيش التحرير الذين اشتغلوا في الشمال وقادوا المعارك هناك، على البحث عن السلاح وإرساله إلى الجنوب وفي هذا يذكر جناح بن عاشر  » … وفي هذا الخصوص لا يمكنني نسيان واقع أن الدكتور عبد الكريم الخطيب قدم شاحنة مليئة بالأسلحة شهر يونيو 1956 ليلة دفن الشهيد عباس المسعدي بفاس، توجهت بها رأسا إلى قيادة الجيش التحرير بكلميم، منا توصلت من الوطني الجلالي حكم شاحنة أخرى مليئة بالأسلحة… ونصف شاحنة منحها لنا القبطان ادريس بن عيسى بتكنة النخيلة »([114])

وتسلمت قيادة جيش التحرير بالجنوب في يونيو 1956 كمية هامة من الأسلحة من مكتب المقاومة وجيش التحرير المتواجد بالدار البيضاء، ومن مراكز جيش التحرير في الشمال بكل من تطوان و العرائش، أما مساهمة الجيش الملكي فكانت عبارة من 45 رشاش من صنع إسباني بذخيرتها والتي استعملها جيش التحرير خلال توغله في جنوب الصحراء وموريتانيا في نهاية 1956، إضافة الى هذا استطاع الجيش الاستلاء على الأسلحة التي كان يمتلكها القواد، الباشوات وحلفاؤهم في تلك المناطق من ورززات وأكادير ومن مراكز الضباط الفرنسيين بالجنوب، كما تلقت فرقة الحاج بوبو القادمة من الجبهة الشرقية، مساعدات مادية وعتاد حربي من طرف أحد القواد (علال قادي) مكون من رشاشة، بندقية صيد و20 ألف رصاصة، مرايا للرشاشات وعدد من القنابل اليدوية([115]).

كما حرص جيش التحرير كذلك على استقطاب الجنود العاملين في الجيش الفرنسي سواء المغاربة أو من اللفيف الأجنبي، وكان من بينهم الألمان، الهولنديون والايطاليون، وقدومهم يعني مزيدا من العدد والعدة التي استفاد منها جيش التحرير في الجنوب، وكذا خبراتهم في صيانة الأسلحة و صناعة المتفجرات([116]).

ومن ناحية التموين فقد عملت قيادة جيش التحرير على تزود عناصره بكل ما يحتاجون إليه من مواد غدائية و بعض اللوازم الضرورية منها :

  • الدقيق – اللحم – علب السمك – الزيت .
  • العدس – الحمص – الارز – الجبنة – البطاطس – الجزر – البصل.
  • السكر – الشاي – القهوة – التوابل – الملح.
  • السجائر – عود الثقاب – الصابون – الشمع – أدوات الحلاقة([117]).

وحتى القبائل الصحراوية فإنها ساهمت بدورها في هذه المرحلة من الكفاح الوطني ضد المستعمر، فقد عملت بكل ما لديها من إمكانيات في مساعدة جيش التحرير، في كل تحركاته في جميع الجبهات.

ومن خلال كل هذا يظهر لنا شكل جيش التحرير الذي أصبح عليه في الجنوب مقارنة بمرحلة الشمال، سواء من حيث التنظيم الإداري أو الأسلحة والعتاد… والأعداد الكبيرة التي تكون منها في هذه الفترة، ما هي الا تراكمات حصلت له نظرا لما حظي به من تقدير وسط الشعب المغربي في مرحلة الاستقلال.

 

تقرير لجيش التحريرأورده محمد بن سعيد أيت إيدر ([118])

3- دور سكان المناطق الجنوبية في الكفاح مع جيش التحرير.

ساهم أبناء مناطق الجنوب في معركة التحرير بدءا من مؤتمر أم الشكاك التي عقدته القبائل الصحراوية في الجنوب وذلك بعد التصريح بالاستقلال سادت أرجاء المنطقة الجنوبية الخاضعة للاحتلال الاسباني مظاهرات احتفالية بهذه المناسبة، لكن السلطات الإسبانية قابلتها بالعنف المفرط والقسوة، الأمر الذي جعل هؤلاء الصحراوين يشكلون وفودا تم إرسالها إلى الدوائر العليا في الشمال، فكان المستعمر بالمرصاد لكل هذه المحاولات، إذ عمل على تشتيتها باعتقاله معظم المحركين لها، وإيداعهم السجون في جزر الكناري([119]).

أمام الإهمال الذي تعرضت له هذه المناطق عقب الاستقلال من لدن السلطات المغربية الحديثة العهد به، حيث كانت منشغلة بمحاولة بناء دولة حديثة وسلطة مركزية وتكوين جيش حديث، كما طغت على هذه الفترة الصرعات الحزبية، في هذه المرحلة أصبح سكان المناطق الصحراوية يطرحون عدة تساؤلات في الكيفية التي تم بها استثناءهم من مجموع التراب المغربي المستقل، وعدم إدماجهم فيه وعن الصمت الذي شاب السلطات العليا في البلاد. في خضم كل هذه التحولات قرر زعماء هذه القبائل الصحراوية عقد مؤتمر لدراسة الأوضاع القائمة والمستجدات، واتخاد قرارات في هذا الموضوع للوصول إلى موقف موحد وعقلاني لمواجهة المرحلة الجديدة.

وبتاريخ 15 أبريل 1956 استطاعت هذه القبائل أن تعقدها مؤتمرها في منطقة أم الشكاك (ما بين العيون والسمارة) حيث دام هذا المؤتمر قرابة 5 أيام، أما السلطات الاسبانية فقد علمت بالأمر متأخرة فجاءت إلى عين المكان وأمام إصرار القبائل نجح المؤتمر في إكمال أشغاله بحيث بقيت قوات السلطات الاستعمارية غير بعيدة عنه([120]).

تمخض عنه اتخاد عدة قرارات وصلت إلى أربعين قرارا منها:

  • يجب أن يرفرف العلم المغربي فوق الصحراء الغربية كلها.
  • يجب ألا تدفع الضرائب إلى السلطات الاستعمارية إلا بأمر من السلطان.
  • يجب محاربة السياسة الاستعمارية التي تسعى إلى تقسيم المغرب وتجزئته.
  • تصميم الصحراويين على النضال ضد الإسبان إذا حالوا دون تمتيع المناطق الصحراوية الخاضعة لسلطتهم بالاستقلال.
  • توجيه وفد إلى الرباط، ليعرب باسم المؤتمرين عن تعلق سكان المناطق الصحراوية بالملك محمـد الخامس، بوصفه السلطة الشرعية الوحيدة المعترف بها من قبل سكان الساقية الحمراء وواد الذهب([121]).

وبعد انتهاء المؤتمر كانت أول خطوة تم الاقدام عليها وهي تشكيل وفد من 39 عضوا للتوجه إلى الرباط حيث التقى بالسلطان في 3 ماي 1956 ([122]).

مؤتمر أم الشكاك هو الذي أعطى الضوء الأخضر لانطلاق فرق جيش التحرير نحو الجنوب المغربي، فبعد حلوله بهذه المناطق فتح الباب أمام القبائل للالتحاق بصفوفه واختار من أبناء الصحراء مجموعة مهمتها الترويج لمعركة التحرير وسط القبائل الصحراوية الأخرى التي لهم معرفة بها، وكان هؤلاء الذين يعملون بهذه الطريقة يسمون نواب الاتصال([123]).

 وبهذه الطريقة عرفت جميع القبائل في مختلف أماكنها بالحركة التي يقودها جيش التحرير في الصحراء ضد المستعمر. وفي شهر ماي 1956 وصلت طلائع الجيش الى الجنوب فوجد في استقباله هذه القبائل حيث مدته بجميع أنواع الدعم و منها:

  • قبيلة أيت لحسن. ـــــ قبيلة الركيبات.ـــــ أهل الشيخ ماء العينين. ـــ قبيلة أيت موسى اوعلي.ــــ قبيلة فيلاله.ــــ قبيلة تيدرارين.ـــــ قبيلة إكوت.ــــ قبيلة ازريكن.
  • قبيلة اولاد دليم.ـــــ قبيلة أيت يوسا.ـــــ قبيلة ايت باعمران.ـــــ قبيلة العروسيين. ([124])

ومن هذه القبائل ممن ساهم منها بالسلاح أو المال وممن التحق أبناؤها بصفوف الجيش كما كانت هناك قبائل إلى حد ما غير مساندة له بل أكثر من ذلك وقفت في وجهه حيث أورد محمـد بن سعيد أيت أيدر تقريرا رفع إلى قيادة جيش التحرير يصب فيها هذا الاتجاه وهو بتاريخ 1957/06/13  » بعدما قمنا بالبحث في ربوع الصحراء المغربية استنتجنا ما يلي : أن جل القبائل الصحراء يؤيدوننا، ويؤيدون المبادئ التي جئنا لبتها في الصحراء، هذه المبادئ الوطنية الخالصة، وأخص بالذكر شرفاء الركيبات، أبناء الدليم آل الشيخ ماء العينين، أيت الحسن، أبناء تيدارين، إيكوت توبالت  العروسيين وغيرهم من القبائل.

أقوال كل القبائل المذكورة يمدون لنا يد المساهمة لنفسد المشاكل التي صنعها الاستعمار وبثها في أفكار الناس، و قد حصلنا، والحمد لله على نتائج باهرة إلا أن هناك بعض الناس …… وهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام قسم يؤيدنا بكل ما في استطاعته والقسمان الباقيان يقومون ضدنا، و يضعون العراقيل أمامنا. وقد بدلنا جميع المجهودات لنردهم على ما هم عليه، لكن الله طبع على قلوبهم و سمعهم و أبصارهم، و نطلب لهم الهداية، ومما عمل هؤلاء …. فتحوا مكتبا بمساعدة الإسبانيين ضد المكتب الحقيقي بالطرفاية ووضعوا أعلاه راية تشبه راية إسبانيا، ودشنها الكومندار الإسباني يوم فتحها، ومد لهم كل ما يحتاجون إليه من المواد الغذائية كالسكر والزيت إلى غير ذلك….وسمعنا من بعض الأوساط أن هؤلاء يتذاكرون مع الإسبانيين فيما دفعه الجيش من المواد لقبائل الصحراء، وربما قد طلبوا من الإسبانيين أن يدفعوا لهم بعض المواد الحربية عوضا عما دفعه الجيش لقبائل الصحراء ([125]). »

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني:  عمليات جيش التحرير ضد الاستعمار الفرنسي والإسباني في الجنوب.

1– المعارك ضد الفرنسيين في الصحراء الشرقية.

بعد حلول جيش التحرير في هذه المنطقة عامل جاهدا على القيام بعمليات ضد الاستعمار الفرنسي بهذه المنطقة فكانت أولى المعارك فيها:

 معركة أم العشار:

وقعت هذه المعركة بين جيش التحرير والجيش الفرنسي المتمركز في منطقة تيندوف في الوادي المعروف بأم العشار وذلك بتاريخ 15 يوليوز 1956، حيث وضع جيش التحرير خطة مدروسة لهذا الهجوم، مستغلا في ذلك الوادي الذي يعتبر المصدر الوحيد الماء الذي يزود الفرنسيين في المنطقة، فلعبت جغرافية المكان كذلك دورا هاما ما ساعد الفرق في نجاح هجومها حيث تميزت بوعورها فاقتضت خطة المجاهدين الانقسام إلى ثلاث فرق:

  • فرقة تقوم بحراسة الجهة الجنوبية من الجبل.
  • فرقة تقوم بالدراسة عن بعد متمركزة على الجبال.
  • الفرقة الثالثة أنيطت لها مهمة حراسة البئر قرب الوادي.

بعد التمركز في المواقع في انتظار مجيء العدو إلى البئر كما العادة للانقضاض عليه، وحسب رواية المشاركين في العملية فقد أسفر الهجوم عن 40 قتيلا في صفوف العدو إضافة إلى الجرحى، في حين لم يصب أي عنصر من جيش التحرير([126]).  وبذلك عدت هذه الجبهة من بين الجبهات الملتهبة بحيث لم يكتمل الشهر من هذا الهجوم حتى وقعت معركة أخرى في نفس المنطقة وذلك بتاريخ 6 يوليوز 1956، حيث شاركت هذه المرة عناصر من قبائل الركيبات و ايت اوسا، وكانت خسائر الجيش الفرنسي كما العادة ثقيلة إذ قتل اكثر من 25 من جنوده ووصل عدد الجرحى إلى 100([127])،  حيث كان من بين القتلى قائد الحامية هناك، فكان جيش التحرير ممثلا في هذه المنطقة بالمقاطعة الحربية الثامنة، التي كان على رأسها محمد بلحاج بوبو، حيث قامت بعدة هجومات على المراكز الفرنسية كان أولها في شهر ماي 1956 ببني ونيف وفي نفس المنطقة قامت بالهجوم على المطار العسكري فقتلت ستة جنود وخربت المكان ([128]).

معركة مركالة: 6غشت 1956 وقعت هي الأخرى بجانب أم العشار بين جبال الواركزيز، وحمادة  درعة وقد تميزت هذه المعركة كسابقاتها بالضراوة حيث دامت أكثر من 10 ساعات،  وفقد خلالها جيش التحرير 12 من عناصره وتكبدت القوات الفرنسية هي الأخرى خسائر في صفوفها وصلت إلى 60 جنديا ([129]).

معركة السويحات: فيها باغتت فرق جيش التحرير الجنود الفرنسيين و ذلك بتاريخ 11 غشت 1956 و الحقت بهم الخسائر الفادحة.

معركة الزمول الشرقية: وقعت في شهر شتنبر قرب مدينة طاطا حيث اصطدمت عناصر جيش التحرير بالقوات الفرنسية و تمكن قتل ضباط الفرنسيين.

معركة الرغيوة: وقعت في مكان بين تندوف و أم كرين  كانت من بين أولى المعارك التي دارت في منطقة السمارة يوم 13 فبراير 1957 وقد استمرت يوما كاملا قاومت فيها عناصر الجيش التحرير القوات الفرنسية بكل قوة، رغم العتاد الحربي الضخم الذي يستعمله فلحقت الخسائر كلا الطرفين([130])حيث وصلت في صفوف القوات الفرنسية 150 قتيلا وبعض الاسرى وكان من بينهم أحد ضباط الصف االذي سلمته قيادة الجيش إلى السلطات المركزية([131]).

معركة واد الصفا: كانت هذه المواجهة أواخر سنة 1957 قرب مدينة السمارة إذ تفصل بينهما قرابة 40 كلم، توجهت إليها فرق جيش التحرير المتواجدة في الرغيوة والتي وصل تعدادها إلى 200 عنصر، فحين علمت بتحركهم القوات الفرنسية سارعت إلى ملاحقتهم معززة بالأسلحة والعتاد حيث وقع في هذه المواجهة حوالي 12 شهيدا في صفوف جيش التحرير([132]).

2 ـ معارك جيش التحرير ضد الاستعمار الفرنسي في شنقيط (موريتانيا)

خلف وصول جيش التحرير إلى الصحراء صدى كبيرا وسط القبائل الصحراوية بل تعداها إلى القبائل في موريتانيا التي كانت هي الأخرى ترزح تحت الإستعمار الفرنسي، حيث خضعت له بعض حملات عسكرية مكثفة ابتداء من سنة 1904 و حتى 1920، فألحقها الفرنسيون بمستعمرتهم بإفريقيا الغربية ابتداء من 1920 وبالرغم من معارضة المارشال ليوطي الذي يرى في هذا الالحاق تنافيا مع معاهدة الحماية التي تنص على وحدة الأراضي المغربية([133]).

خلال هذه الفترة بدأت مجموعة من الوطنيين  المعارضين لهذا الإدماج في الإتحاد الفرنسي. في سنة 1956 تمكنوا من الالتحاق بالمغرب و بالضبط بقيادة جيش التحرير بكلميم، و على رأسهم الزعيم الموريتاني حرمة ولد بابانا الذي يشتغل منصب نائب برلماني في الجمعية الفرنسية، إلا أن السلطات الفرنسية عزلته منها نظرا لأفكاره الوحدوية، فَقدِمَت هذه النخبة على قيادة جيش التحرير هي تحمل برنامجا متكاملا لتحرير موريتانيا، وإلحاقها بالمغرب واستعداد القبائل الموريتانية لتقديم كل ما يلزم من الدعم المادي لجيش التحرير([134]).

في شهر أكتوبر 1956 غادرت فرقة من جيش التحرير مركز القيادة في كلميم متوجهة إلى موريتانيا عبر طرفاية، الساقية الحمراء ثم وادي الذهب و من تم بدأت الإتصالات بالقبائل في هذه المناطق الصحراوية للانخراط في صفوف الجيش بحيث لم يبخلوا في هذا الجانب والتحق العديد من أبنائهم به.

كما أجرت القيادة مشاورات مع السلطات الإسبانية، بشأن استعمال هذه الأراضي للعبور إلى بلاد شنقيط مع احترام مصالحها في المنطقة([135])، هكذا سَهُل انتقال جيش التحرير نحو الجنوب، بعد أيام معدودة التحقت به مجموعة من الفرق الأخرى، حيث أقامت مراكز على طول المسافة التي تنقل عبرها والهدف الأصلي من إنشاءها ربط الاتصال بالقبائل هناك لاستقبال أفرادها الذين تطوعوا للانضمام إلى جيش التحرير، كما عدت مراكز خلفية للدعم، الموصلات والتموين.

 كانت المسافة التي قطعها جيش التحرير طويلة دامت حوالي شهرين ونصف، والأسلحة التي يمتلكها لم تكن كافية مما زاد اعتماد الجيش على هذه القبائل بحيث زودته بالمؤونة والجمال لإكمال المسيرة، كما قدم سكان موريتانيا له الدعم بحيث جاءت هذه المساعدات عن طريق التجار من كل نواديبو و الكَويرة([136]).

خلال شهر يناير 1957 استطاعت بعض فرق جيش التحرير أن تدخل الى منطقة أدرار ناحية أطار، بشكل غير مدروس وغير مخطط له، مما أدى إلى وقوع اصطدام مع الجيش الفرنسي الذي علم بوجود هذه الفرق على الحدود، وتواصلت المواجهات بين الطرفين قرابة ثلاثة أسابيع قتل خلالها 120 جنديا من صفوف الجيش الفرنسي و إسقاط ثلاث طائرات، ومن جهة جيش التحرير فقد 20 شهيدا و 47 أسيرا وبذلك عدت هذه المعركة الأعنف على الأراضي الموريتانية([137]).

حقق جيش التحرير خلال هذه المعركة انتصارا باهرا، من نوع آخر حيث داع صيته وسط القبائل الموريتانية، رغم ثقل الحصيلة العسكرية نظرا للتوغل غير المدروس وكذا البعد عن المراكز الخلفية التي أنشأها الجيش، كما لعب الجيش الإسباني دورا هاما في هذه الهزيمة إذ أطلع السلطات الفرنسية عن تحركاته، بذلك عملت هذه الأخيرة على الإعداد لمواجهة فجندت القبائل الموريتانية الموالية لها([138]).

حسمت المعركة لعدة أسباب منها أيضا الموقع الذي جرت عليه هذه المعارك والعتاد الحربي المستعمل من طرف الفرنسيين. كل هذه الأسباب أجبرت قوات جيش التحريرعلى التراجع نحو الخلف، حيث استعملت السلطات الفرنسية الطائرات التي قَنْبَلت مواقعه وسائل تحركه، الشيء الذي أجبره على التراجع والدخول إلى منطقة الحماية الإسبانية، في انتظار استجماع قواته المنهوكة. لكن الامر ليس بالهين إذ ظهر عمليا بِدَايَة نهايةِ التعاون بين السلطات الإسبانية وجيش التحرير حيث عملت على تجريد هذا الأخير من أسلحته وعادت بهم على متن طائرات عسكرية نحو مطار تالوين في منطقة أيت باعمران ومن تم تسليمهم إلى القيادة في كلميم مجردين من السلاح الذي لم يتم استرجاعه أبدا([139]).

طبع هذه الخطوة التي قام بها جيش التحرير في مسيرة نحو موريتانيا التهور والسرعة في اتخاد القرارات، إذا كان المجاهدون على أتم الاستعداد لخوض المعركة والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل الحرية، واستقلال البلاد وتلخيصها من الاستعمار.

3– معارك جيش التحرير في الجنوب ضد الاستعمار الإسباني.

كان موقف إسبانيا من جيش التحرير موقفا إيجابيا استغله في معركته ضد الاستعمار الفرنسي، منذ تأسيسه في الشمال، لكنها كانت تنظر إليه بعين الحدر، إذ بدأت من أواخر سنة  1957 تظهر تغيرات في العلاقات بينهما، بعد فترة مهادنة دامت مدة طويلة، وخصوصا بعد الإنجازات التي حققها ضد الجيش الفرنسي سواء المتمركز في الشرق عند الحدود مع الجزائر أو المرابط في موريتانيا، فاستقلال هذه الأخيرة كان يعني تهديد مصالحها في الجنوب، وبهذا أصبحت تراقب تحركاته في المنطقة، بل تعدتها إلى حد الضغط عليه، ففي يوم 27 أكتوبر 1957 حلقت إحدى الطائرات الإسبانية فوق مراكز جيش التحرير على علو منخفض، الأمر الذي اضطر المجاهدين إلى إطلاق النار عليها حيث أصيب بأضرار بالغة([140]).

استغلت إسبانيا هذه الحادثة في ابتزاز السكان المحليين في العيون ومضايقتهم كما قررت فرض الحراسة على الحدود الفاصلة بين المنطقتين و فرضت الرقابة على الحدود البرية، ومنعت الخروج من منطقة إلى أخرى بدون رخصة([141]). بذلك كانت هذه الأعمال هي بداية التحول في الموقف الذي مال نحو المواجهة.

ابتداءا من نونبر 1957 انطلقت عملات جيش التحرير ضد الإسبان في الجنوب وخصوصا القوات المتمركزة في العيون فحصلت عدة مناوشات بين الجانبين على امتداد السواحل كالعيون و بوجدور و طريق طرفاية و بذلك حصلت عدة عمليات منها:

25في نونبر 1957 اشتبكت فرقة المقاطعة التاسعة لجيش التحرير مع الجيش الإسباني الذي كان مرافقا لقافلة مكونة من 200 شاحنة قادمة من الشاطئ خسر خلالها جيش التحرير 6 عناصره.  في دجنبر من نفس السنة وقع اشتباك آخر قدم نفس الحصيلة من الشهداء إضافة إلى أسر بعض عناصره من طرف الجيش الإسباني، لكن الهجوم الذي وقع في يناير 1958 عُدَّ أول هجوم كبير على مدينة العيون جعل القوات الإسبانية تحسب له ألف حساب، استعملت فيه فرق جيش التحرير لأول مرة مدفع الهاون([142]).

معركة الدشيرة: وقعت يوم 13 يناير 1958 حيث فاجأ جيش التحرير القوات الإسبانية في منطقة تبعد عن العيون بنحو 35 كلم تسمى الدشيرة حيث قوات المستعمر معززة بالآليات والعتاد المدمر والسيارات المصفحة والدبابات، لكن كل هذا لم ينل من عزيمة المجاهدين حيث تصدوا بكل ما أوتوا من قوة للعدو وإلحاق الهزيمة به، فكانت خسائر القوات الإسبانية حوالي 600 قتيل، كما غنم المجاهدين العديد من العتاد وأحرقوا 13 سيارة مشحونة بالذخيرة والمؤونة، فكانت الخسائر في صفوف العدو لم 12 شهيدا([143])، بعد انتهاء المعركة وشيوع أخبارها، والخسائر الفادحة التي لحقت بالقوت الإسبانية الشيء الذي أثار الرأي العام في مدريد ضد الحكومة مطالبا إياها بإرجاع أبناء الوطن الجنود الموجودين في الصحراء إلى بلادهم سالمين، والتخلي عن الصحراء، الأمر الذي اضطرها إلى إرسال لجنة لتقصي الحقائق لمعرفة أسباب الهزيمة([144]).

الهجوم على بوجدور: استطاعت فرقة من جيش التحرير بقيادة الحسن بن عمار أن تنجح في هجومها على الحامية العسكرية الإسبانية في بوجدور سنة 1959، حيث أسرت بعض الجنود الإسبانيين وغنمت بعض المؤن وشاحنة وعدد من الجمال .

هجوم قبائل أيت باعمران: تمكنت هذه القبائل من إرسال وفد إلى السلطة المركزية بالرباط من أجل حث جيش التحرير على طرد الاسبان من مناطقها، وبعد تدارس هذه الخطوة وأخد الاستعدادات اللازمة، انطلقت فرق الجيش وأخدت مواقعها في انتظار الهجوم، لكن الإسبان كانوا هم السباقون إلى المواجهة بكل قواته البرية والجوية، لكن فرقة المجاهدين لم تثنيهم عن إلحاق الخسائر الفادحة بالجيش الاسباني مما اضطره للعودة إلى إيفني والتحصن بها([145]). لم يكن هذا الهجوم هو الوحيد من طرف هذه القبائل على الإستعمار الإسباني بل وضعت هذه القبائل خطة لاحتلال إيفني حيث ساهمت قيادة جيش التحرير هي الأخرى في رسمها وتوفيرها بعض الشروط لنجاحها، كفتح مراكز التدريب بهذه المناطق من أجل الالتحاق بالجيش كما اتصلت بجميع الجنود المغاربة العاملين في الجيش الإسباني قصد التنسيق معهم، وكل ذلك جرى بسرية تامة إلا أن عملاء الإستعمار استطاعوا معرفة العملية([146]).

ليلة 23 نونبر 1957 كان هو اليوم المقرر لانطلاق العملية من أجل احتلال مدينة إيفني بطريقة مفاجئة، فوقعت المواجهة مع المستعمر المتحصن داخلها كما جرت هجومات أخرى على عدة مراكز في المناطق المحاذية للمدينة حيث تم الاستيلاء عليها، واستمرت المعارك العنيفة قرابة الأسبوعين، استطاعت فرق جيش التحرير من أسر 36 من ضباط وجنود الجيش الإسباني كما غنمت عددا هاما من الأسلحة والذخيرة وتمكنت من تحرير أكثر من 75% من أراضي أيت باعمران وحصر الجيش الاسباني في مدينة إيفنيٍ([147]).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثالث: تراجع جيش التحرير في الجنوب

بعد الإنجازات التي حققها جيش التحرير سواء على الجبهة الشرقية أو في موريتانيا، بذلك أصبح قوة لها وزنها داخل المجال الصحراوي، بحيث يهدد مصالح الطرفين في المنطقة، هنا بالضبط بدأ التعاون الفرنسي الإسباني ففي يناير 1952 استطاعت السلطات الاستعمارية الفرنسية والإسبانية عقد مباحث بشأن جيش التحرير و تحركاته في واد الذهب،  فبررت إسبانيا موقفنا من جيش التحرير بقلة إمكانياتها الحربية لمتابعته على طول الحدود المشتركة بينهما، وفي المقابل طلبت فرنسا معلومات عنه أعداده وتحركاته والتغاضي عن أي تدخل فرنسي ضده في المناطق الخاضعة لإسبانيا، كما حصل لقاء آخر بينهما في ميناء ايتيان بنواديبو، بتاريخ 25 فبراير 1957 حيث طلب الوفد الإسباني من الجيوش الفرنسية التدخل ضد جيش التحرير ذلك بشكل صريح([148]).

أما على الساحة فاعتبرت نهاية 1957 وبداية 1958 مرحلة حاسمة في علاقة جيش التحرير بالإسبان، حيث استطاع محاصرة طرفاية، العيون، الداخلة وأوسرد، وبذلك بدأت فرنسا تشعر بالخطر حيث اعتبرت أن تدخلات جيش التحرير في واد الذهب يشكل تهديدا لوجودها في موريتانيا، بهذا شرعت القوات الاستعمارية في التحضير لعملية عسكرية مشتركة ضد جيش التحرير و التي عرفت » ايكوفيون ».

كانت دكار هي المحطة الأخيرة في سلسلة اللقاءات بين الجانبين إذ فيها وضعت اللمسات الأخيرة لانطلاق العملية وفق مخطط سطر على مراحل:

  • المرحلة الاولى: أن تتحرك القوات الفرنسية المرابطة في تيندوف وموريتانيا وانطلاق القوات الإسبانية من الجهة الغربية من العيون وطرفاية قصد تطويق جيش لتحرير المرابط في الساقية الحمراء والقضاء عليه.
  • المرحلة الثانية: وهمت القضاء على جيش التحرير في واد الذهب إذ نهجت القوات الإستعمارية نفس التكتيك كما في المرحلة السابقة([149]).

نظرا للتفوق العسكري الفرنسي فقد أسندت إليه قيادة التحالف في شخص قائد الجيش الفرنسي في إفريقيا الغربية فجندت كل من إسبانيا وفرنسا عددا هائلا من القوات والعتاد الحربي:

+ فرنسا: 10 آلاف جندي، 600 شاحنة عسكرية و 70 طائرة .

+اسبانيا : 9 آلاف جندي و 60 طائرة([150]).

وبهذا الحشد الهائل انطلقت العملية في يوم 10 فبراير 1958 على ألا تتجاوز 15 يوم لتحقيق الأهداف التي رسمت من أجلها، فتم الاستلاء على مدينة السمارة من طرف القوات الفرسية مدعمة بذلك من المظلين الإسبان محاولين تطويق جيش التحرير المنسحب نحو الشمال للاقتراب من مراكزه الخلفية المتواجدة في كل من طرفاية وطانطان، وبتأخر القوات الإسبانية وسرعة انسحابه استطاع النجاة من التطويق، أما المرحلة الثانية ففيها وقع اشتباك بين عناصر  جيش التحرير والقوات الفرنسية والإسبانية في واد الذهب وبالضبط قرب مركز أوسر وبئر إزران، الأمر الذي أجبر جيش التحرير على الانسحاب من هذه المناطق من دون خسائر([151]).

أعلنت عقب ذلك السلطات الاستعمارية عن قتل 132 عنصر من جيش التحرير وجرح 37 وأسر 15، وانضم إلى صفوفها حوالي 150 عنصرا، وبذلك جاءت البيانات مخالفة تماما لتقارير جيش التحرير لكن الغير المفهوم هو الصمت الإعلامي بحيث تمت هذه العملية في أجواء هادئة جدا.

كان الانسحاب أمرا طبيعيا حيث لم يعد أي خيار لجيش التحرير بعتاده القليل والتسليح الخفيف، فلا يمكن مجابهة قوات مشتركة بعتادها المشتمل على الدبابات والطائرات التي استهدفت ضرب جميع إمكانيات  جيش التحرير  وقدراته من وسائل المواصلات والتموين وكل الوسائل الحيوية، فقصفت مراكزه وتم وضع جميع الطرق والمسالك تحت المراقبة مما صعب عمليات الإنسحاب حيث إعتمد المجاهدون على المسالك الوعرة.

كما لم يسلم من القصف حتى السكان المحليين العزل حيث نفذ في حقهم من افراد جيش التحرير ، حيث حرقوا مراكز الإسعافات بروضتين و بتافودارت([152])، هو الأمر الذي اضطر القبائل الى النزوح نحو الشمال ( المناطق المستقلة ) حيث عملت الدولة على توفير كل مستلزماتهم الضرورية فقد وصلت أعدداهم الى نحو  32 ألف نازح وهذا بشهادة أحد أفراد اللجنة التي قامت بإحصائهم([153])، فأغلبهم من النساء و الأطفال وينحدرون من أولاد دليم، تيدرارين، إزرقين، الركيبات و العروسيين.

و من بين المعارك التي وقعت مع التحالف معركة روضة سيدي أحمد العروسي فيما بين الجيوش الفرنسية والإسبانية وجيش التحرير حيث عدت إحدى مراكزه للتموين ومقر المقاطعة الحربية الثامنة، فدارت هذه المواجهة في الفترة الممتدة من  12الى 15 فبراير 1958 بعد هجوم هذه القوات بكامل عتادها الحربي الذي اشتمل على 40 طائرة، فلحقت الخسائر بالطرفين أحرقت دبابتين وعشر شاحنات والسيارات وسقط 28 من عناصر جيش التحرير([154]),

من هنا يمكن اعتبار هذه العملية واحدة من الأسباب التي جعلت جيش التحرير يتراجع عن أدواره في الجنوب في مواصلة الكفاح في الجنوب ومما لا شك فيه فقد مني بهزيمة كبيرة استطاعت أن تشل حركته وتدفع به نحو مقر القيادة بكلميم

خريطة تبين كيف تمت عملية إيكوفيون([155]

 

الفصل الرابع:

  جيش التحرير ومرحلة الاستقلال

– 1956-1960-

 

المبحث الأول: جيش التحرير والسياسة في مغرب الإستقلال

1ـ الحالة السياسية التي طبعت المغرب قبيل الاستقلال وبعده.

ميزت تاريخ المغرب تلك الفترة التي عاش فيها مخاضا سياسيا قبيل الاستقلال وبعده مباشرة، حيث أفرزت لنا مجموعة من القوى كل واحدة منها تسعى للاستئثار بمزيد من القوة على حساب الباقي، مع العلم أن الوجود الفرنسي هو الآخر لا يجب استثناءه من هذه اللعبة حيث هدف إلى ترك رجاله وعملائه يديرون أهم المناصب الإدارية كما احتفظ بقواعده العسكرية وجيشه على تراب المغرب المستقل وذلك خدمة لمصالحه الاقتصادية في الأساس.

ظهرت هذه القوى مباشرة بعد الاستقلال مستفيدة من عدة تراكمات جمعتها خلال فترة الحماية؛ فنجد القصر ويعتبر السلطة الشرعية وحزب الاستقلال والقوة الثالثة وقوامها قواد كبار إقطاعيون وزعامات دينية وشخصيات من دار المخزن نفسها([156]).

لقد كانت أهم نتيجة لنفي الملك اعتباره ضحية وعلى هذا الأساس أصبح رمزا وطنيا وبطلا يسمو على أية شخصية في المغرب، وقد أصبحت تنحية الملك (النفي)هي القاعدة الأساسية لكل نشاط وطني منذ ذلك التاريخ، وكانت أيضا هي الضريبة التي دفعها في سبيل ضبط النفس، وبهذا انتشرت أسطورة  محمد بن يوسف وتغلغلت في أبعد زوايا البلاد، كما كان للكبت الذي تعرض له حزب الاستقلال وظهور حركة المقاومة المسلحة والنفود الضخم الذي تمتع به الملك في واخر عهد الحماية هي العوامل الحاسمة والأصلية في إعادة بناء الوطن بعد الاستقلال([157]) .

وبذلك فإن مرحلة ما بعد الحماية الفرنسية تعد أصعب مرحلة في تاريخ المغرب لما تستلزمه من إيجاد مؤسسات لإدارة البلاد وفرض الأمن في مختلف ربوعها، فشكلت أعمال العنف أهم ما ميز الساحة المغربية بعد سحب الحماية الفرنسية لعناصرها، فمع اقتراب عودة الملك طرحت هذه المشكلة بحدة، مما جعل الأحزاب آنذاك وخصوصا حزبي « الاستقلال » و »الشورى والاستقلال » ينشطان بتجنيدهما لوحدات البوليس في المدن وذلك لضبط الأمن ومحاولة السيطرة على الوضع بمحاربة العصابات فقد كان التفكير السائد آنذاك على أنه بعودة السلطان والزعماء الوطنيين سيتحقق الهدوء، لكن العكس هو الذي حصل([158]).

كما طفت أيضا الصراعات الحزبية هي الأخرى على الساحة، للعمل على كسب مزيد من الانصار، مما تسبب في وقوع صدام بين الحزبين (« الإستقلال » و »الشورى والاستقلال ») في سوق أربعاء الغرب والذي خلف قتلى وجرحى كما تكرر إطلاق النار عدة مرات فيما بينهم([159]).

وعدت أيضا الحكومة الجديدة المزمع تشكيلها بمقتضى محادثات إيكس ليبان أرضية للصراعات الحزبية. وقد أعلن عنها في 5 دجنبر 1955 وضمت 6 وزراء من المستقلين ضمنهم رئيسها مبارك البكاي، رضا أكديرة، والحسن اليوسي……، ومن حزب الشورى والاستقلال 6 كذلك منهم عبد الهادي بوطالب، الشرقاوي وبن سودة ……، و 9 من حزب الاستقلال ضمنهم عبد الرحيم بوعبيد، المختار السوسي، أحمد اليزيدي، محمد الفاسي وبلافريج…..، وبذلك تشكلت هذه الحكومة التي لم يكن حزب الاستقلال راضيا عنها لعدة  اعتبارات: لوزنه في الأوساط الشعبية وكفاءة أطره ونضالاته وتضحياته، بل أكثر من ذلك لم يكن الوزارء الذين عينوا منه في الحكومة يمثلون جميع القوى الممثلة لهذا الحزب، إذ لا وجود لمن ترى فيه المقاومة مثلا لها ولا النقابات من يمكن أن يسحب عليها([160])،وهو الأمر الذي لم يرق لحزب الاستقلال حيث خرج أعضاءه بقرار من المجلس الوطني بأن قدموا في 27 أكتوبر 1956 استقالاتهم من هذه الحكومة مدعين في ذلك عدم انسجامها، ليدخل بسببها المغرب في أزمة حكومية([161]).

ولتشكل حكومة أخرى يرأسها البكاي، لكن ما ميز هذه الفترة هو ظهور مكونات جديدة على الساحة السياسية كالحركة الشعبية والأحرار المستقلين حيث شكلوا مجتمعين الجبهة الديمقراطية التي قدمت في 15 أبريل 1958 مذكرة إلى الحكومة تنتقد  فيها حزب الاستقلال، وكرد فعل من الطرف الآخر استقال وزراءه من هذه الحكومة فحدثت أزمة ثانية، وكحل للخروج منها طرح حزب الاستقلال تشكيل حكومة تسند رئاستها إلى أحمد بلا فريج في ماي 1958 والتي لم تستمر هي الأخرى سوى 6 أشهر بعد خلافات ليتم تشكيل أخرى يقودها عبد الله إبراهيم([162]). وبذلك أصبح حزب الاستقلال يفرض نفسه على الساحة السياسية الأمر الذي حتم على خلق منافسين له بهدف كسر شوكته وذلك من « الخارج » بظهور الحركة الشعبية والأحرار المستقلين، كما حدث أيضا داخله تصدعات وذلك بعد تشكيل حكومة عبد الله إبراهيم بين ما يمكن تسميتهم بالمحافظين من داخله والتقدميين، ليتم الإعلان عن تأسيس الجامعات المستقلة لحزب الاستقلال في 25 يناير 1959، وأمام ضغط الحزب الأم بشأن استعمال  مراكز ومقراته سيتم الإعلان عن تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في شتنبر 1959([163]) ، فظهر طرف جديد  في الساحة السياسية المغربية طرف سينازع الحزب الأم والذي سيعمل الكل على محاولة تدميره.

لذلك عدت دراسة هذه المرحلة ضرورية لفهم اختيارات وتوجهات جيش التحرير وما أثير من خلافات حوله والعلاقات التي تربطه بالمحيط السياسي ومكوناته، ومدى نجاحه في التأثير عليها وعلى مجريات الأحداث ككل.

2ــ علاقة جيش التحرير بالتنظيمات السياسية.

كما هو معلوم أن جيش التحرير ظهر بعد ظهور الأحزاب السياسية سواء في المنطقة الخليفية أو السلطانية، لكن الجدير بالبحث هو لماذا ظهر الجيش في هذه المنطقة بالضبط؟ وما هي نقط الالتقاء والاختلاف بينه وبين باقي المكونات السياسية؟، بل أن عمل المقاومة وجيش التحرير لم يبدأ إلا حينما اتضح عدم جدوى الأسلوب السياسي الذي يتميز بالمهادنة وسياسة المراحل، المتبع على وجه الخصوص من طرف حزب الاستقلال حيث يقول دوجلاس أشفورد  » هذه الفترة من تاريخ الحركة الوطنية هامة جدا، إذ تأسست فيها منظمتان قامتا كشخصيتين مستقلتين عن حزب الاستقلال وهما حركة المقاومة والنقابات العمالية… ولم يأت خريف 1955 حتى كان جيش التحرير إلى حد يجعل يشن هجمات على جيوش الإحتلال الفرنسي »([164]).

وبهذا الشكل يمكننا أن نفهم أن هاتين الحركتين اللتين اختارتا المواجهة بدل المهادنة، فإنهما ظهرتا كرد فعل على سياسة الأحزاب تجاه المستعمر، وبالتالي فعلاقة الأحزاب بجيش التحرير يمكن أن نعرفها من خلال علاقتها بالعمل المسلح، كيفما كان سواء العمل الفدائي بالمدن كمرحلة أولى أو العمل المسلح المنظم، والذي يعبر عنه بجيش التحرير المغربي، إذ أنه مباشرة بعدما بدأت المقاومة المسلحة في تنفيذ أعمالها الفدائية السرية ضد مصالح الإستعمار الفرنسي وعملائه خلال سنوات 1953/1956 قام بعض الأشخاص البازين في الأحزاب السياسية أمام الرأي العام يستنكرون هذه الأعمال الوطنية وكانوا يسمونها بالأعمال الإجرامية، وكان الذين صرحوا بهذا القول معروفين عند المقاومين بصفة خاصة ولدى الوطنيين بصفة عامة، وفي مقدمتهم حزب الإستقلال([165])، كما أن جون واتربوري في محاولة لتفسير موقف الزعماء السياسيين المتخاذل يصل إلى كون خشيتهم من فقدان مراكزهم القيادية نظرا لحماسة القاعدة واستعدادها للعمل المباشر ضد الاستعمار كانت وراء عدم إقدام هؤلاء على الإنتقال من المعارضة السياسية إلى المعرضة المسلحة([166]) .

أـ علاقة جيش التحرير بحزب الاستقلال.

لفهم العلاقة بين جيش التحرير وحزب الاستقلال لابد من الرجوع إلى علاقة هذا الأخير بالمقاومة المسلحة داخل المدن على اعتبار أن نفس النهج الذي سار عليه جيش التحرير هو نفسه لدى المقاومة السرية بالإضافة إلى العقلية التي كانت تؤطر كل طرف، إذ نجد أن نهج حزب الاستقلال كان نهجا مهادنا منذ البداية حيث لم يضع أمامه استراتيجية التغيير([167]).

كما أن النبش في الأدبيات السياسية لحزب الاستقلال تحيلنا على أن زعماء هذا الحزب لم يكونوا معنيين مباشرة بعمليات المقاومة وجيش التحرير، بل إن عمل المقاومة وجيش التحرير لم يبدأ إلا حينما اتضح عدم جدوى الأسلوب السياسي المتبع من طرف حزب الاستقلال، كما لا يمكن أن ننكر أن الحزب استيقظ بعد نفي محمد  الخامس، لكن مع ذلك بقي بعيدا على المقاومة وجيش التحرير باستثناء بعض الخدمات المدنية التي كان بعض أفراده يقدمونها للمجاهدين.

وما يثير الغرابة أن  الحزب نفسه كان يضم وطنيين كانوا قد يئسوا من العمل السياسي، لكنه مع ذلك لم يتعامل نهائيا مع هذا التطور الحاصل، في هذا الشأن يقول دوجلاس أشفورد:  » كان زعماء حزب الاستقلال على العموم يدركون أن في داخل هذا الحزب تيار ينادي بالعمل المباشر غير أن الزعماء رفضوا أن يقعوا بجانب مثل هذه السياسة… وكان حزب الاستقلال ما يزال يأمل بإمكان الوصول غلى تسوية مع فرنسا »([168])، لهذا فضل المقاومون بناء ذواتهم بشكل منفصل عن الحزب، وفي إطار تبيان مسار كل من حزب الاستقلال وجيش التحرير فيقول عبد الله الصنهاجي:  » جاء في تصريح أحد قادته البارزين بمركز الحزب بالرباط وهو محمد اليزيدي يوم 10 أكتوبر 1955 بعد معارك جيش التحرير بأسبوع في تصريح لجريدة Le Monde  الفرنسية أنه لا علاقة لحزب الاستقلال بحوادث الريف وأهلها. وهذا ما جعل البطل الشهيد محمد الزرقطوني يقترح علينا ألا نعتمد  في تنظيماتنا على الأحزاب السياسية ألا تربطنا بها أية علاقة في كفاحنا إذا أردنا تحقيق الإستقلال »([169]).

إضافة إلى ما سبق فإن حزب الإستقلال حاول أن يعرقل عمل جيش التحرير وإقبار مشروعه التحرري غير ما مرة، حيث أحبط جيش التحرير مؤامرتين سياسيتين حيكت من طرف المستعمر والمتحيزين حول الاستقلال الداخلي للمغرب على غرار ما حدث في تونس فيقول عبد الله الصنهاجي: « الجماعة كانت تنتظرني لتطلعني على تقرير مفصل على خطتها، وبدأ في تلاوة التقرير المذكور، وبعد اختتامه استنتجت منه أنه وقع اتفاق بين المتحيزين مع الفرنسيين على الاستقلال الداخلي للمغرب، على غرار ما وقع في تونس وأنه لا داعي لعمل جيش التحرير([170])، وبالتالي فواضح أن حزب الاستقلال كاد أن يقع فيما وقع فيه حزب الدستور بتونس ويرض الاستقلال الذاتي لكن لا نستغرب فالأحزاب في تلك الفترة كانت ميالة إلى المهادنة، مما جعلها تسقط في فخ إيكس ليبان.

كما حيكت مؤامرة أخرى تجلت في محاولة فصل المنطقة الشمالية عن الجنوبية والتي يذكر عبد الله الصنهاجي أن حزبا كان متورطا في هذه العملية بإيعاز من مندوب إسبانيا في المنطقة([171] فكان حزب الاستقلال يستعمل معارك المقاومة وجيش التحرير للضغط على المستعمر الفرنسي من أجل قبول بعض الشروط، كما كان المثير في هذا كله هو تدبدب حزب الاستقلال بين أسلوب المفاوضة مع المستعمر وتبني العمليات العسكرية للمقاومة وجيش التحرير وهذا يدل على أمر واحد هو أن حزب الاستقلال لم تكن لديه شرعية على أرض الواقع مع أنه كان يعتبر أكبر قوة سياسية في البلاد([172]).

أما المساعدات المادية التي قدمها حزب لاستقلال لجيش التحرير فلم نجدها فيما أورده عبد الله الصنهاجي، في كتابه فيقول:  » شاهدت مجموعة من الوطنيين في المدينة يقدمون إلى علال الفاسي شيكات بنكية بمبالغ مالية كنت أضنها مساعدة منهم للجهاد وأتذكر من هؤلاء الوطنيين الحاج التهامي بن جلون …ويقول بأن الاحزاب السياسية المغربية التي كانت موجودة أيام المعركة التحريرية المسلحة لم تقدم شيئا لقوات المجاهدين في هذه المعركة مما كانت تجمعه من المال باسم الجهاد من أجل الاستقلال، ولأكثر من هذا فإن زعيم حزب الاستقلال لم يكترث بأحوال المجاهدين في الريف، ولا في بأحوال السكان الذين هاجروا إلى المنطقة الخليفية بعد اندلاع العمليات، فيسرد عبد الله الصنهاجي واقعة حدثت له مع علال الفاسي تبين الصورة الحقيقية التي كانت لدى حزب الإستقلال عن العمل المسلح وجيش التحرير، إذ يقول:  » حضرة الزعيم لم يسأل عن هذا كله وكأنه لا يهمه من قريب ولا من بعيد ولم يشر إليه تلويحا أو تلميحا بكلمة واحدة على الرغم من وجودي بجانبه في كل ترحاله ومقامه، وعلى الرغم من علمه بأنني المتحمل للمسؤولية المباشرة في تدبير وقيادة المعركة التي كنت أظن أنها ستطول عدة سنوات ليتم تحرير المغرب بكامل ترابه التاريخي وهكذا مر يوم الجولة بدون أية نتيجة »([173]).

ومن كل هذا يتضح بجلاء أن العلاقة التي جمعت جيش التحرير وحزب الاستقلال تميزت بالتوتر منذ بدايتها لسبب واضح هو رغبة الحزب في مد نفوذه داخل الجيش واستعماله كورقة للضغط بها عند الحاجة.

 ب ـ علاقة جيش التحرير بحزب الشورى والإستقلال.

حزب الشورى والاستقلال لم يختلف كثيرا عن حزب الاستقلال في علاقته بجيش التحرير سواء في الفلسفة التي أطرت الحزب أو الخيار الذي تبناه لموجهة المستعمر وحتى طبيعة المساعدات التي قدمها هذه الحزب إلى جيش التحرير.

لكن ما سجل عن هذا الحزب أنه لم يحسم مع جيش التحرير في النهاية، وهذا راجع إلى وزن حزب الشورى والاستقلال الدي لم يكن في مستوى حزب الاستقلال، أما فيما يتعلق بإيديولوجية الحزب فكانت واضحة مبنية على العلمانية » إذ كانت طبيعة علمانية قيادة حزب الشورى والاستقلال ذات منحى ليبرالي حيث تبنت القيم  الليبرالية كموقف فكري، وطريق الكفاح في سبيل تحرير الوطن والشعب، ومن خلال هذه النزعة الوطنية الليبرالية والعلمانية، رفع الشوريون شعار المغرب للمغاربة، فآمن الشوريون بضرورة إبطال نظام الحماية بالمغرب، وكل شكل الهيمنة الأجنبية، ومن أجل هذه الأهداف آمنوا باستخدام جميع الوسائل المشروعة، غير أنهم كانوا أكثر ميلا للنزعة الإصلاحية المعادية للعنف والثورة، والمنادية بأساليب الحكمة والسياسة، والموعظة و المجادلة بالتي هي أحسن…، وباختصار إصلاحية تطورية تؤمن بالتدرج وتلغي الطفرة والثورة([174]).

ومن خلال كل هذا يتضح لنا مدى العلاقة التي كانت بين جيش التحرير وحزب الشورى، إذ أن الحزب لا يؤمن بالثورة كيف له أن يلتقي مع تنظيم يتبنى الخيار المسلح لنشر الحرية. وهذا معروف الدفالي في حديثه عن أسلوب حزب الشورى والاستقلال في ميدان النضال واسترجاع الاستقلال والحرية للمغاربة، يقول: « إن حزب لشورى والاستقلال تبنى الحوار المباشر مع فرسا لحل القضية المغربية. أما الأشكال النضالية الأخرى فهي متغيرات دعت الظروف إلى ركوبها، سواء تعلق الأمر بتحويل القضية أو المقاومة المسلحة، لأن هذين العملين ما هما إلا وسيلة ضغط على فرنسا للتعجيل بفتح الحوار مع الحركة الوطنية، واللجوء إلى هيئة الأمم المتحدة لم يكن شانه أن يقطع القناطر بين المغرب وفرنسا، بل العكس، إنه يفتح الباب للمفاوضات القانونية… ونفس النظرة كانت لديهم إزاء المقاومة المسلحة التي اعتبروها كذلك سبيلا ممهدا لاستقلال المغرب، وعامل ضغط للتفاوض »([175]).

أما فيما يخص المساعدات المقدمة من طرف هذا الحزب إلى جيش التحرير، فإنه لا يختلف عن باقي الاحزاب الأخرى، إذ لم يسجل أنه قدم مساعدة واضحة تخص الحزب نفسه، بل في الغالب إن وجدت مثل هذه المساعدات فكانت في الميدان المدني، وأيضا كعمل تطوعي لأفراد ينتمون إلى هذا الحزب، وليست مساعدات من حزب كإطار سياسي. وفي هذا يقول عبد الله الصنهاجي » أن الاحزاب السياسية المغربية التي كانت موجودة أيام المعركة التحريرية المسلحة لم تقدم شيئا لقوات المجاهدين في هذه المعركة من المال التي كانت تجمعه باسم الجهاد من الاستقلال »([176]) .

ج ـ علاقة جيش التحرير بحزب الإصلاح الوطني.

بالنسبة لعلاقة جيش التحرير بحزب الاصلاح الوطني فإن النظام الأساسي للحزب يكشف بوضوح مدى العلاقة التي كانت تجمع بين التنظيمين، سواء فيما يتعلق بالأسلوب النضالي الذي نهجه كل طرف أو الايديولوجية التي تم الاعتماد عليها.

إن النظام الأساسي للحزب الذي أعلن عنه في جريدة الريف يوم 3 دجنبر 1936غاياته تحقيق الحرية والاستقلال الكامل لأراضي المغرب وتحقيق الوحدة المغربية سياسيا ولغويا والدفاع عن الحقوق الضائعة لإيصال الأمة إلى مركز حضاري سام وذلك عن طريق التعاون مع الحكومة في سائر الإصلاحات والأعمال التي تتفق مع غايات الحزب واستغلال ثروات البلاد([177]). إذن فسلوك التعاون مع الحكومة الاستعمارية هي الطريقة الأنجع لحزب الاصلاح الوطني في حين نجد أن جيش التحرير كان يرى في المواجهة المسلحة طريقة لا محيد عنها في تحقيق الاستقلال، إذن فالعلاقة يمكن الحكم عليها انطلاقا من نظامه السياسي، وبالتالي التعارض في المواقف ما بين المواجهة والتعاون مع الطرف المستعمر. وبحكم الموقع الذي يوجد فيه حزب الاصلاح الوطني في المنطقة الخليفية بأن مواجهته الاولى ستكون مع المستعمر الاسباني باعتباره السلطة الحامية في هذه المنطقة، إلا أن تتبع الأحداث وتطور العلاقات فيما بين الحزب والسلطة يبين لنا اتجاه آخر تحكمت فيه استراتيجية حزبية اعتمدت المهادنة والعمل السياسي المطالب بالإصلاحات في حدود ما تسمح السلطات في إسبانيا، الأمر الذي دفع بعض الباحثين إلى اعتبار الحزب أداة طبيعية في يد الإسبان وحزبا مواليا لهم في المنطقة([178]).

أما فيما يخص الخدمات التي قدمها حزب الإصلاح الوطني لجيش التحرير، فيقول عبد الله الصنهاجي « حزب الاصلاح الذي يتزعمه الطريس الذي استمر شهورا في عملية الاكتتاب التي جمع خلالها من المواطنين المال الكثير باسم الجهاد فإنه لم يتحقق وخصوصا منهم الذين دفعوا أقساطا وفيرة من المال أن جيش التحرير لم يتوصل بشيء منها، وقد دعتني جماعة من هؤلاء الوطنيين في الناظور بواسطة الحسن بن محمد الصدق التمسماني لتناول الغذاء معهم في منزل أحمد أوعليت المزوجي، ولما حضرت مجلسهم وجدته يضم السادة الحاج أحمد بن عمر علال البوقراوي والحاج الطاهر السنوتي …كما وجدت هذه الجماعة قد استدعت لنفس المأدبة المسؤولين عن حزب الإصلاح الوطني، الأخوين اللذين بيدهما المال والمجموع… وبهذه المناسبة ابلغني أحد أفراد الجماعة…بأنهم استدعوني لأتسلم المال الذي جمعه حزب الإصلاح. ([179]) وبعد نقاش بين بين الصنهاجي والحاضرين حول مصير الاموال. انتهى الجمع إلى رجوعه خاوي الوفاض فيقول « ورجعت إلى مقر عمله بالقيادة دون أن أتسلم منه ولو بسيطة واحدة »([180]).

وكل ما يمكن تسجيله عن مساندة حزب الاصلاح الوطني لجيش التحرير كان في نقاط  تأتي في درجة ثانية:

الواجهة الإعلامية: حيث أصبحت جريدة الأمة مدافعا قويا عن جيش التحرير في نهاية الخمسينيات، في نفس الوقت كان يحاول فيه جمع المعلومات عن الجيش بصورة سرية وعلنية حيث يقول الصنهاجي « إن هناك محاولات لبعض الأحزاب للحصول على أسرار فرق جيش التحرير كما هو الشأن بالنسبة لأحمد الدراز الذي ذهب من زايو إلى كزناية واتصل بالدوائر وتحايل عليه بأنه جاء من مصر لمساعدة جيش التحرير، لكنه اكتشف امره وألقي عليه القبض« ([181]).

المساندة غير المباشرة بمنع مخططات الإسبان لفصل المنطقة الشمالية عن المنطقة الجنوبية كما سجل حزب الإصلاح تأثيره على موقف اسبانيا سواء ما تعلق بعدم اعترافها بالسلطان ابن عرفة أو تليين الموقف الاسباني تجاه المقاومة المسلحة المنطلقة من المنطقة الخليفية، والحصول على صمت الإسبانيين لإمكانية جعل المنطقة الشمالية قاعدة تحرير([182]).

 

 

3ـ موقف جيش التحرير من مفاوضات إيكس ليبان.

كلمة إيكس ليبان ما إن تذكر حتى تقترن بذكر استقلال المغرب تلك المحطة البارزة في تاريخ كفاح الشعب المغربي من أجل نيل الحرية والاستقلال، هذه المفاوضات؟ مباحثات؟ محادثاث؟ هي التي أثمرت استقلال المغرب نعت بشتى النعوت، استقلال زائف، ممنوح، شكلي، منقوص….

كان التمهيد لهذه المفاوضات بتخطيط دقيق من لدن فرنسا وذلك تحت الضغط الذي شكلته المقاومة المسلحة، كما كانت تتخوف من الدعم الذي كانت إسبانيا تقدمه إلى العناصر المسلحة في الشمال حيث شكلت سندا قويا لها، وخوفا من امتداده إلى دول الجوار خصوصا الجزائر، الأمر الذي جعلها تشرع في منح المغرب استقلالا شكليا وكذلك الأمر بالنسبة لتونس، ووضع مصالح كل من المغرب والجزائر محل التعارض([183]). كتدبير جيد لهذه المفاوضات وحل للأزمة.

علمت فرنسا بما يجريه جيش التحرير في الشمال من استعدادات لإطلاق عملياته، فرأت في إطلاق سراح الزعماء الوطنيين الموجودين في السجون وخصوصا من رجال حزب الاستقلال أطرافا تستطيع المساومة ووسيطا بين الفرنسيين والمغاربة([184]).

وبذلك استطاعت عقد هذه المفاوضات في ايكس ليبان حيث دعت إليها أطرافا عديدة بلغت 37 شخصية منها الوطنية والتي تشكلت من وفود حزبي الاستقلال (يرأسه عبد الرحيم بوعبيد والمهدي بن بركة وعمر عبد الجليل ومحمد اليازيدي)، وحزب الشورى والاستقلال (عبد الهادي بوطالب وأحمد بن سودة ومحمد الشرقاوي..)وشخصيات مستقلة كالفاطمي بن سليمان باشا فاس، مبارك البكاي قائد صفرو([185]). وكذلك الموالية للسياسة الاستعمارية الفرنسية ومنها القياد والباشوات. إلا أن رجال الحركة الوطنية رفضوا الجلوس على نفس الطاولة، إلا أنهم لم يطرحوا مشاركة المقاومة المسلحة والنقابات العمالية في هذه المفاوضات، وبذلك اختيرت تلك الاطراف المتميزة بالاعتدال وهوما عبر عنه محمد عابد الجابري: « وهذا وقع نوع من التواطؤ التاريخي جعل مفاوضات إيكس ليبان تتم شكليا في إطار يجمع جميع الاطراف المغربية، أما في الحقيقة والواقع فقد كانت مفاوضات بين الطرف الليبرالي المعتدل في الحكومة الفرنسية ومماثله في قيادة حزب الاستقلال. لقد كانت مفاوضات إيكس ليبان عملية ناجحة على مستوى الاخراج المسرحي، فهل كانت كذلك على مستوى الفاعلية السياسية؟ »([186]).

على هذا الأساس جرت تلك المفاوضات بالمصطاف الصيفي المعروف بإيكس ليبان والتي امتدت من 22 إلى 27 غشت 1955، فانتهت إلى صيغة كالتالي:

  • عودة محمد الخامس.
  • تشكيل مجلس للعرش.
  • تشكيل حكومة ائتلافية مهمتها الدخول في مفاوضات الاستقلال:
  • اسناد رئاستها إلى مبارك البكاي لحياده.
  • تضم جميع الاطراف التي حضرت هذه المفاوضات([187]).

فتم الاتفاق على هذه النقاط ولجعلها قائمة على أرض الواقع، وذلك بهدف الدخول في المفاوضات النهائية بشأن الاستقلال، والتي تأخرت بسبب الانتخابات الفرنسية التي أدت إلى سقوط حكومة إدغار فور، وصعود حكومة مولييه في فبراير 1956، وبعد تهيئ الظروف بدأت المفاوضات بحضور الملك، وفي 2 مارس 1956 تم التوقيع على الاتفاق النهائي للاستقلال بين مبارك البكاي عن المغرب ووزير الخارجية الفرنسي بينو، وبذلك أصبح من حق المغرب تكوين جيشه الخاص والتصرف في السياسية… ([188]) كما تضمن البروتوكول النهائي بأن من حق فرنسا تقديم ملاحظات على تصرفات الحكومة المغربية، وأن تبقى حالة القوات الفرنسية كما هي في المرحلة الانتقالية، والتي أصبحت كل القرارات في هذا الشأن تؤجل حتى نهاية 1958([189]).

وبذلك كانت هذه المفاوضات محل انتقادات من لدن رجال المقاومة وجيش التحرير باعتبارها خيانة للشعب المغربي وأنها لم تأت بالاستقلال بل ظلت جل الأراضي خاضعة للاستعمار الفرنسي في الشرق والجنوب، والجيش الفرنسي لازال مرابطا في ثكناته العسكرية حيث استعمل القواعد المغربية لضرب الثورة الجزائرية، والتي سعى من خلال منحه الاستقلال الشكلي للمغرب وتونس إلى محاصرتها. كما أن النهج الذي تبناه جيش التحرير وهو الكفاح المسلح حتى تحرير مجموع البلاد من الاستعمار وكذا الجزائر هو البديل عن خيار المساومة وسياسة المراحل، حيث يقول محمد عابد الجابري : »ولابد أن نضيف إلى ذلك أن الفرنسيين لم يكونوا ليقبلوا التفاوض مع من حملوا السلاح ضدهم، بل أكثر من ذلك اشترطوا على القيادة الاستقلالية التدخل لايقاف أعمال العنف سواء في صورة العمل الفدائي أو في صورة هجمات جيش التحري كشرط مسبق« ([190]).

ومن ردود فعل جيش التحرير عقده عدة مؤتمرات منها مؤتمر أسني([191]) في 20 يونيو 1956، الذي حضره مجموعة من المقاومين، منهم عبد الكريم الخطيب، بلميلودي، بن عاشر، عبد القادر بوزار ومحمد بن حمو المسفيوي…إضافة إلى عبد الله الحداوي حيث تدارسوا المستجدات وخرجوا بعدة مقررات ومن بينها:

  • الرفض القاطع لأوفاق إيكس ليبان وتبني خيار الكفاح المسلح لتحرير المناطق المغربية المحتلة.
  • التسليم بكون جيش التحرير كيان من الشعب وإليه وليس له أية صفة حزبية، كما لايتبع لأية هيئة أو تنظيم.
  • الالتزام الجماعي برفض إلقاء السلاح قبل تحرير كافة المناطق المحتلة من طرف الاستعمار الفرنسي والإسباني([192]).

كما نجد الرفض ذاته حاضرا عند عبد الكريم الخطيب فيقول: « بعد مفاوضات إيكس ليبان نبد قادة المقاومة وجيش التحرير كل السياسيين الذين شاركوا في المفاوضات، والذين يقولون لا علاقة لنا بالإرهابيين« ([193]).

ونظرا للقوة التي امتلكتها المقاومة وجيش التحرير فإن المفاوضين بعثوا السيد المهدي بن بركة إلى قيادة جيش التحرير في الناظور لأخذ رأيهم في المفاوضات أو بالأحرى إطلاعهم بما استجد فيها وذلك خلال الأسبوع الثاني من شتنبر 1955، واستمر النقاش الليل كله، كل أبدى وجهة نظره، فيقول الغالي العرقي في كتابه ذاكرة جهاد ونضال: « لقد أكدنا للأستاذ المهدي بن بركة بأننا نتتبع التطورات والتحولات على الساحة الفرنسية عن كثب، وأن الحل كما أعربنا عنه مرارا وتكرارا يكمن في يشبث المغاربة بالشرعية ولا شيء غير الشرعية،  لهذا اخترنا اللغة الوحيدة التي يفهمها الاستعمار وهي مواجهته بنفس سلاحه… » ([194]).

ومن كل هذه الآراء والمواقف يتبين خيار المواجهة والكفاح المسلح ضد المستعمر، موقف موحد بين جميع أفراد جيش التحرير ورفض خيار المساومة والمهادنة الدي تبنته الأطراف السياسية والتي رأت في استمرار الكفاح المسلح تهديدا لاستمرار المفاوضات والتي أثمرت في النهاية عن استقلال ممنوح..

بهذا الموقف الصريح لجيش التحرير، أنه لا وقف للعمل المسلح إلا إذا تحررت البلاد مع الجزائر، سيتعرض للحل والادماج والتصفية كآخر مرحلة في سلسلة المضايقات.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني : جيش التحرير وإنهاء مهمة التحرير

1ـ مؤتمر مدريد وبداية الخلافات

عُقد في بداية شهر يناير 1956 اجتماع ضم أعضاء قيادة المقاومة وجيش التحرير إلى جانب علال الفاسي وكذلك المهدي بن بركة (كما حضر أيضا عباس المسعدي – عبد الله الصنهاجي –حسن صفي الدين – عبد الكريم الخطيب محمد الفقيه البصري – الحسين برادة….) الذي انسحب ولم يكمل الإجتماع وحدى حدوه عبد الكبير الفاسي  باعتباره صاحب المنزل([195])، فانطلقت النقاشات التي يصب جلها في دواعي عقد هذا الاجتماع ودراسة المستجدات التي وصلت إليها القضية الوطنية، علما أن السلطان وصل إلى البلاد في 16 نونبر 1955، كما نوقشت خلاله نتائج مفاوضات إيكس ليبان، والأوفاق الجديدة بعد هذا الاعتراف باستقلال  المغرب، وما يواجهه من تطلعات نحو بناء دولة على الطراز الحديث والذي بدأت ملامحه تظهر بتشكيل أول حكومة مغربية ([196]).

تناول أيضا هذا الاجتماع وضعية جيش التحرير والمحاولات الساعية إلى إيقاف العمليات التي يقوم بها في المناطق الشمالية  وكذا إيقاف العمل الفدائي،  كما تطرق أيضا إلى ضرورة العناية بالمناطق الصحراوية والتي لم يشملها اتفاق الاستقلال حيث لازلت خاضعة للسيطرة الفرنسية في الجهة الشرقية  والإسبانية في الصحراء الغربية، لقد أورد زكي مبارك تصريحا لمحمد الفقيه البصري الذي كان من بين الحضور فيسرد أهم النقاط التي تناولها الاجتماع « ...برجوع محمد الخامس طرحت قضية إنهاء وجود جيش التحرير، وأنا حاضر في هذه المرحلة …هل رجوع الملك هو نهاية المطاف ؟ أم هو الاستقلال والتزام جيش التحرير في المغرب مع جيش التحرير في الجائر، فبالنسبة إلينا كان ذلك التزاما واتفاقا وعمليات منظمة، ومع رجوع محمد الخامس طرحت شرعية وجوده، واعتبار كل سلاح خارج نطاق الدولة سلاحا غير مشروع، ووقع نقاش قوي في هذا الموضوع، وأنا شخصيا من الذين دافعوا عن استمرار جيش التحرير، لأنه عندنا التزامات وأن شرعية الدولة ستبدأ مع الاستقلال، وعندما تقرر حل جيش التحرير طرحت خيارات  أمام قادته: من شاء أن يلتحق بالجيش الملكي فليفعل من شاء أن يلتحق بالجزائر لدعم الثورة  فليفعل ، ومن أراد الالتحاق بالجنوب استكمال وحدة التراب الوطني ، وبالتالي تحول جزء من جيش التحرير إلى الصحراء ، وذهب جزء منه إلى الجزائر ,,,, والتحق الجزء الثالث بالجيش الملكي ([197])« 

وبهذا وضعت عدة اختيارات أمام جيش التحرير هدفت بالأساس إلى إضعافه  وبالتالي احتوائه ففي هذا الإجتماع يذكر محمد بن سعيد أيت إيدر  » وأثناء انعقاد اللقاء أفادنا الشهيد المهدي ابن بركة بخبر يقول أن وزير الداخلية الحسن اليوسي يهيئ  مخيمات بضواحي الرباط لاستقبال مجموعة من جيش التحرير بقيادة الضابط بوزار عبد القادر، فانزعج الحاضرون لهذا الخبر لأنه اعتبر أول تصدع  في صفوف جيش التحرير وعلى يد ضابط لم تكن له أية مسؤولية ولا صلاحية لاتخاذ مثل هذا القرار فمن هو عبد القادر أبو زار؟ »([198])

وبهذا خرج المؤتمر بعدة قرارات من بينها:

  • الإتفاق على تشكيل قيادة موحدة للمقاومة وجيش التحرير يكون مقرها بالدار البيضاء.
  • استمرار الكفاح من أجل استكمال الوحدة الترابية .

اعتماد جيش التحرير كنواة أولى للجيش الملكي(هذا القرار اتخذ قبل تشكيل القوات المسلحة).

  • محاكمة الخونة الذين تعاملوا مع الاستعمار ضد وطنهم ومصادرة أملاكهم([199]).

 وبهذا انتهى الاجتماع بعدما وضع الجميع أمام هذه الاختيارات، إلا أن اختيار الكفاح المسلح حتى جلاء قوات المستعمر التي لازالت مرابطة في ثكناتها الواقعة على مختلف  ربوع المغرب ، وكذا تحرير باقي المناطق الواقعة تحت الاستعمار الفرنسي والإسباني، لكن قرار الحل والإدماج قد اتخد في انتظار الوقت والظرف المناسب من طرف الدولة.

 2ـ قرار حل جيش التحرير بالشمال.

شكل جيش التحرير بخياره الثوري تهديدا صريحا لفرنسا داخل المغرب ولمصالحها الاقتصادية ولرجالها ولعملائها الذين تركتهم للإستمرار في أداء وظيفتها بشكل آخر، فلذلك كانت المفاوضات التي أجريت بين المغاربة والفرنسيين ركزت على الجانب الأمني في البلاد، واستتبابه بعد سحب المستعمر لعناصره من البلاد. فقد كان الهدف هو تجريد أفراد المقاومة وجيش التحرير من السلاح([200]).

ولما بدأت تباشير الاستقلال تبدو في الأفق، بدأ الصراع بين جميع المكونات الوطنية من أجل تحقيق مصالح أسرية أو حزبية أو قبلية، وهذا ما أدى إلى نوع من الفوضى وفقد السيطرة على الأوضاع أو كادت وصارت تلك العناصر تتقاتل فيما بينها، وقد ذهب ضحية هذا الاقتتال وطنيون مخلصون. كل هذا دفع السلطات الإدارية إلى الإسراع في حل جيش التحرير ونزع أسلحة المقاومة وإدماجها في صفوف القوات المسلحة الملكية وفي صفوف القوات المساعدة، وذلك بمجرد ما أن تأسست الحكومة الوطنية، وخاصة كما ذكرنا أن السلطات الفرنسية ألحت في المفاوضات على حل هذا الجيش، حتى لا يعرقل سير الحكومة التي عليها ضمان الاستقرار والنظام، والمحافظة على حياة الأجانب وخاصة منهم الفرنسيون، وهناك أمر آخر تخاف منه فرنسا، وهو أن يساعد هذا الجيش جيش التحرير الجزائري، أو أن ينظم إليه.

فكان أول ما قام به الحسن اليوسي كوزير الداخلية في الحكومة، هو العمل على حل جيش التحرير، فاتفق مع بعض قادته على ذلك وكان أبرزهم عبد القادر أبو زار، فأقام الخيام في نواحي الرباط استعدادا لاستقبال هذا الجيش قصد إدماجه في الجيش الملكي، وبذلك كانت هذه الفترة أكثر الفترات التي استهدف فيها جيش التحرير، إذ اشملت اغتيال بعض قياداته، وأخص بالذكر عباس المسعدي الدي كان مدافعا عن اختيار الكفاح المسلح ومعارضته الأحزاب السياسية. وفي هذا الإطار كان في اجتماع مدريد حيث طرد المهدي بن بركة من الغرفة التي كانت تضم المجتمعين بدعوى انتمائه السياسي، وأن أعضاء جيش التحرير لا يلزمهم أي موقف لحزب معين([201]). لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل أمر أحد ضباط حيش التحرير بإلقاء القبض على المهدي بن بركة عندما كان في مراكز جيش التحرير في تيزي وسلي بصدد عمل ربورتاج عن  هذا الجيش لصالح جريدة « الاستقلال بالفرنسية »، معتبرا إياه يريد السيطرة على الجيش([202]). ومن هنا يظهر لنا موقف عباس المسعدي من الأحزاب السياسية، فجاء اغتياله في تلك الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد عقب الاستقلال بصفة عامة، وكذلك ظروف الصراع داخل جيش التحرير بشأن دمجه في صفوف الجيش الملكي، وفي هذا يقول محمد عابد الجابري « ونعود إلى قضية المسعدي الذي قتل في ظروف الصراع بين طرفين في جيش التحرير: الطرف الذي يعارض إنزال جيش التحرير وهو مرتبط بحزب الاستقلال أو بزعيمه على الأقل، والطرف الثاني كان يعمل على إنزاله بتنسيق مع ولي العهد، وكان المسعدي يقف منذ مدة في الطرف المناوئ لحزب الإستقلال كما ذكرنا، وقد قام بتصرفات معادية كالملاحقة ضد أعضاء هذا الحزب سواء داخل الجيش أو خارجه في المناطق التي يشرف عليها صفه من ضباط جيش التحرير، كما أنه أظهر تصرفات معادية لقيادة المقاومة في الداخل، الشيء الذي جعلها تقرر إرسال حجاج زميله في المقاومة وكان صديقا له بهدف إقناعه بالمجيء إلى الدار البيضاء لمناقشة الأمر معه، وكان حينذاك وسط فرقة من جيش التحرير في ناحية فاس، ويقال إن مشادات كلامية بين الرجلين انتهت بانفلات رصاصة من سلاح حجاج، فأصابت المسعدي وقتلته وكان ذلك في شهر يونيو 1956، اتهم حجاج بقتله وقدم للمحاكمة ولكن لم تثبت إدانته([203]).

وقد اختلفت الروايات في هذا الشأن لكن المغزى واحد وهو محاولة ضرب جيش التحرير باغتيال احد قادته في ظروف حرجة تمر بها البلاد وكذلك جيش التحرير طبعتها الانقسامات  وهو الأمر الذي خلق أجواء من التوتر داخل صفوف المقاومين فحضر ولي العهد الحسن الثاني مراسيم الجنازة رفقة وزير الداخلية ومدير الأمن وعدد من قيادات جيش التحرير كعبد الله الصنهاجي وعبد الكريم الخطيب، ولذلك استغلت السلطات في الرباط هذا الحدث وأمرت بدمج جميع فرق جيش التحرير وذلك في يوليوز 1956 أي بعد الاغتيال مباشرة.([204])

وبذلك وصل إلى الرباط في هذا التاريخ عدد من أفراد جيش التحرير وكان يصحبهم رجال القبائل الذين لم يكونوا بالفعل جنودا، ولكن جدبتهم إلى المدينة المنح التي نالها جيش التحرير([205]).ومن هنا يتبين حقيقة انسحاب تلك الفئات الذين لم يكن بهدف إنهاء المهمة بل كان في سبيل ما هو مادي وأن إتمام المعركة التي بدأها الجيش وهي التحرير الشامل للبلاد وجلاء القوات الأجنبية لم تكن عندهم سوى شعار مرحلي ومما يزكي هذا الطرح المادي هو أن وصول هذه العناصر أصبح عددها يتضاعف حيث تنضم إليه أفراد العائلة والقبيلة، وبذلك صار العدد المدمج عددا هائلا إلا أن المسؤولين من هذه العملية قد غضوا الطرف عن هذه التجاوزات لأن الهدف هم حل الجيش كيفما كان الثمن([206]).

3- حل جيش التحرير في الجنوب والتصفية النهائية.

شكل إنهاء مهمة جيش التحرير في الشمال ضغطا على السلطة المركزية، فكان عرض المقاومة باستكمال وحدة الأراضي الجنوبية ونقل مهمة الجيش نحو الجنوب على السلطان وموافقته دليلا قويا على تبعات هذا الإدماج في صفوف القوات المسلحة، فبالرغم من كل ما تعرض له جيش التحرير في الشمال من محاولة تصفية بدءا باحتواء قادته واغتيال آخرين وانتهاءَا بإدماجه، فإنه كان أهون مما سيتعرض له في الجنوب، حيث سيتحالف عليه المُستعمر الباقي في الأراضي المستعمَرة قصد إنهاءه، وذلك في عملية إيكوفيون 10 فبراير 1958 والتي ترك فيها جيش التحرير يواجه عدوين مسلحين بأحدث الأسلحة لوحده مع العلم على أن الجيش الملكي كان قد أسس حينها، فقد كانت فرق جيش التحرير في نظر الاستعمار الفرنسي قوات غير مراقبة، وذلك لأن القوات الفرنسية لا زالت في مواقعها وثكناتها تراقب الوضع عن كثب. وتصرف بكل حرية في مجموع التراب المغربي تقوم بمناوراتها هدفها التدخل ضد المقاومة وجيش التحرير وبدعوى استتباب في هذه المناطق الصحراوية([207]).

كما حيكت في حق هذا الجيش العديد من المؤامرات والتي كانت تحيك من طرف مسؤولين في العاصمة واستقلت فيها عناصر من جيش التحرير وهي ما عرفت بمؤامرة بويزكارن([208])، بحيث أحدثت انشقاقا داخل صفوف جيش التحرير بتمرد مجموعة الخميسات ومن سار في نهجها بعدما اطلقت إشاعات لا أساس لها من الصحة في حق قيادة جيش التحرير في كلميم، وبذلك ترك العديد من عناصر الجيش مواقعهم والتحقوا ببويزكارن، وقد تلقوا وعودا بالإدماج في صفوف جيش التحرير، أما الأصل في هذه المؤامرة فقد أريد بها الاستلاء على قيادة جيش التحرير، لكن بعد ذلك تم لَمُّ شتاته وحصار البلدة وإخضاع المتمردين و إلقائهم في السجون ليتم بعد ذلك تسليمهم إلى السلطان([209])، كما قامت بعض العناصر المنتمية إلى القبائل الصحراوية بإيعاز من الشخصيات الموالية للاستعمار في الجنوب القيام بتمردات هي الأخرى، و قد نجم عن كل هذه التمردات  الخسائر المادية التي تعرض لها نهيك عن إثارة البلبلة داخل صفوفه.

ودائما في إطار حل جيش التحرير يشير أيت ايدر إلى أنه بعد اشتداد المعارك أصبحت خزينة الجيش فارغة من السلاح، و أمام هذا الوضع بدل مسؤولو المقاومة وجيش التحرير أقصى جهودهم للحصول على الأسلحة من أجل مواصلة الكفاح ضد المستعمر الفرنسي والإسباني بالصحراء، ذهب وفد من القيادة إلى السلطان و شرح له الوضعية كما بلغه حاجة الجيش إلى السلاح والعتاد …و لما تأخرت الاستجابة إلى هذا الطلب قررت قيادة الجيش إرسال بعثة من أعضائها إلى الخارج لتقوم بشراء السلاح([210]).

لكن أواخر سنة 1958 التي تعتبر أشد السنوات التي عانى فيها جيش التحرير من المضايقات التي طالته من رجال السلطة حيث كانوا في البداية يعرقلون تحركاته لينتقلوا في النهاية الى تنفيذ هجومات ضد مراكز الجيش، فيقول أيت ايدر » و في 27 \ 8 هاجم شطاطوا عبد القادر خليفة تندرارة على مركز الجيش و ألقى القبض على من فيه بواسطة القوات المسلحة الملكية و أخد جميع ما فيه من الأسلحة ، و في 28 من الشهر نفسه قام القائد حسن ببوعرفة بتوجيه إنذار إلى جنود الجيش مضمونه أنه إن لم يسلموا أنفسهم فسيطلق النار عليهم ، كما أن الكمندار دريس بن عمار صوب المدافع على مراكز جيش التحرير في كل من بوعرفة و أرفود و يقوم بدعاية وسط الجنود يقول فيها ، إن جيش التحرير و المسؤولون عنه خونة الملك »([211]).

كما لا يخفى الدور الفرنسي في كل العمليات والتي هدفت إلى المس بجيش التحرير والحط من قيمته  وتحويله من جيش هدف إلى تحرير البلاد الى متير للقلاقل والتمردات. بذلك كان إنهاء عمل جيش التحرير قد رسم وفق مخطط مدروس قامت به أطراف لم يرق لها استمرار الكفاح المسلح، أو بالأحرى عطل مصالحها فنفذته أطراف لم يكن لها أدنى تميز بالمهمة الموكلة إليها ما عدا حصرها في الاستفادة من مصالح في إطارها الضيق، وهكذا كانت أولى خطوات هذا المخطط هو تطويق جيش التحرير من الخارج بقطع إمدادات السلاح والتموين وإثارة المشاكل من الداخل بتشجيع التمردات والقلاقل في صفوفه، لتسهيل الضربة القاضية من الخارج ممثلة في التحالف العسكري الاسباني الفرنسي مما سمي بعملية إيكوفيون ، وكعملية مسح أخيرة تم اعتقال جل القادة في 14 فبراير 1960 بتهمة الضلوع في مؤامرة اغتيال ولي العهد.


خاتمــــــة

 

 كان المغاربة دوما ذلك الشعب الأبي، الذي لا يسمح أن تهان كرامته أو تنتهك حرمة أرضه، وله في المقاومة تاريخ طويل منذ القديم حتى اليوم، فيها تجسدت الملاحم البطولية التي شهدت على أنفة المغربي الرافضة للخضوع والذل والمهانة.

 الموضوع الذي كنا بصدد دراسته همَّ تشكيل جيش التحرير، الذي عُدَّ محطة بارزة في تاريخ المقاومة المغربية التي شكلت الاستمرارية أهم حلقات الوصل فيها، فإن تَرَاجَعَ أحيانا من يحمل المشعل فإن الفكرة الثورية لا زالت ثابتة لا تتغير، وإن أحس البعض بالانتكاس أو التراجع فإنما حدث هو اختفاء أناس وظهور آخرين، يحملون المشعل ثانية في هذه يحدث نوع من الفتور، فيلجؤون إلى الانتظار أو المساومة لكن سرعان ما يعودون إلى الكفاح المسلح، الذي تكتل فيه الشعب المغربي بجميع فئاته لمواجهة المستعمر الفرنسي الذي استغل  كافة الوسائل والإمكانيات من أجل استغلال خيرات البلاد، فكانت نقطة مضيئة في تاريخ الكفاح المسلح المغربي، كل هذا راجع للتنظيم المحكم الذي عرفه جيش التحرير والعزيمة التي تميز بها أفراده الذين ضحوا بالغالي والنفيس في سبيل تحقيق الحرية والاستقلال، الأمر الذي جعله مستهدفا من طرف المستعمر. وها هي تباشير الاستقلال بادية، لكن الحزم في طرد المستعمر هو الآخر لا زال قائما متمثلا في إتمام المسيرة التحررية، لكن تضييق الخناق أصبح يطال مشروعه، بدءا باغتيال قادته وصولا إلى قرار الحل والإدماج وإن كان في النهاية بالغصب رغم عدم اكتمال المشروع، لكن السؤال المطروح هو من المستفيد من هذا كله ؟ والذي يحيلنا بدوره إلى سؤال آخر، ما المصلحة التي سيجنيها من نفد المأمورية؟.  الجواب يحيلنا إلى دراسة تلك المرحلة التي بصمت تاريخ المغرب المعاصر باعتبارها مرحلة جوهرية فيها رسمت السياسة منذ تلك الفترة إلى اليوم، التي بدأت بعد الاستقلال مباشرة؛ لكن هل رحيل المستعمر هو نهاية المطاف؟. المستعمر رغم هذا ترك خلفه قاعدة تدير أعماله وترسم سياساته وتخطط لإبطال المد التحرري، من هنا يظهر العدو الجديد لجيش التحرير وللتحرر بصفة عامة، هذا العدو سيظهر كمناوئ للسياسة التي ستتبعها حكومة عبد الله إبراهيم، التي اتخذت من فك التبعية لفرنسا في كافة المجالات هدفا لها، فدشنت مشاريع كبرى تصب في هذا الاتجاه كالإصلاح الزراعي وإنشاء بنك المغرب فوصولا إلى فك ارتباط الفرنك المغربي بفرنسا، لكن مصير هذه الحكومة كان في الأخير هو اسقاطها في 20 ماي 1960  ليدخل المغرب مرحلة جديدة في تاريخه، لازالت تبعاتها إلى اليوم حاضرة.

بذلك فجيش التحرير في شمال المغرب أو جنوبه سيبقى في ذاكرة التاريخ وذلك لضخامة المشروع الذي ناضل من أجله ألا وهو تحقيق الاستقلال والتحرر، وسيبقى اسمه منقوشا في تاريخ المغرب لكونه تلك الصخرة التي تكسرت عليها أحلام المستعمر,

وما بحثي هذا سوى مساهمة ضئيلة في موضوع شاسع غني بالشهادات التي بدأت ترى النور في الآونة الأخيرة لأناس صمدوا ثم صمتوا طويلا، بذلك تعددت وتشعبت جوانب هذا الموضوع الذي لايزال محتاجا لإعادة دراسته وتخليصه من الشوائب التي حاول خصوم الحرية أن يلحقوها به خدمة لأهدافهم الشخصية، التي تارة نراها تخدم فئة ليس لها أية صلة بالمقاومة، وتارة أخرى نراها تغير من أراء أناس ضحوا بالغالي والنفيس. إلا أن التاريخ حافَظ على مساهمة كل واحد كيفما كانت.   

 

 


المصادر والمراجـــــــع

 

  • – أيت إيدر محمد بنسعيد  » صفحات من ملحمة جيش التحرير بالجنوب المغربي » منشورات المواطنة ,  الدار البيضاء؛ 2001 .
  • – أيت إيدر محمد بنسعيد « وثائق جيش التحرير في جنوب المغرب  » : 1959-1965 مركز محمد بنسعيد أيت إيدر  الدار البيضاء 2011.
  • – بن عاشر جناح « ذكريات تاريخية « (صفحات مشرقة من تاريخ المقاومة وجيش التحرير بالمغرب ) ط 1 ،2013  المطبعة السريعة، القنيطرة.
  • – بنونة ، المهدي:: « المغرب. . السنوات الحرجة »: الشركة السعودية للأبحاث والنشر؛ جدة، 1989
  • – الصنهاجي عبد الله  » مذكرات في تاريخ حركة المقامة و جيش التحرير المغربي من 1947-1956 « مطبعة فضالة المحمدية 1987.
  • – العزوزي محمد بن عمر »حقائق تاريخية عن تأسيس جيش التحرير بقبيلة كزناية » نداكوم للصحافة والطباعة والنشر الرباط : ط 1 2002
  • – العزيز، محمد حمادي  » جيوش تحرير المغرب العربي هكذا كانت القصة في البداية  » مطبعة المعارف الجديدة؛ الرباط، .2004 .
  • – عياش ألبير : »المغرب والإستعمار: حصيلة السيطرة الفرنسية » ترجمة عبد القادر الشاوي ؛ عبد الأحد السبتي, نور الدين السعودي ؛ إدريس بنسعيد الدار البيضاء : دار الخطابي ،1985
  • – الغالي العراقي: « ذاكرة جهاد ونضال » مطبعة النجاح الجديدة ،الدار البيضاء ،ط 1 2002.
  • – غلاب عبد الكريم : » تاريخ الحركة الوطنية في المغرب  » ج 1 مطبعة الرسالة  الطبعة 2 1987
  • – الفاسي علال: « الحركات الاستقلالية في المغرب العربي  » مطبعة الرسالة الرباط؛ ط 4 1980 .
  • – محمد حمو الادريسي: « الحركة الوطنية في الشمال و دورها في استقلال المغرب والجزائر » ط 1, 1990
  • – الودغيري عبد الرحيم : » المقاومة المغربية ضد الحماية الفرنسية 1952 – 1956″ ط 2 ، 1982 دار بن خلدون الرباط .
  • – الودغيري عبد الرحيم: « تاريخ خلية قبل و بعد الاستقلال 1953 – 1956 » مطبعة فيديبرانت الرباط ط 1، 2001 .
  • – أزكاغ عبد العزيز: « جيش التحرير بين خيار المقاومة والمساومة: بشهادة القائد الميداني أزوكاغ حدوش  » مطبعة أنفوبرانت فاس 2014.
  • – الجابري محمد عابد : »في غمار السياسة: فكر وممارسة » الشبكة العربية للأبحاث والنشر ط 1 بيروت 2009 .
  • – جون وتربوري : »أمير المومنين، الملكية والنخبة السياسية في المغرب » ترجمة عبد الغني عزام وعبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق، دار أبي رقراق، الرباط  ط 3 2013.
  • – دوجلاس أوشفورد: « التطورات السياسية في المملكة المغربية » ترجمة عائد سليمان عارف-أحمد مصطفى أبو حاكمة- الدار البيضاء دار الكتاب 1964
  • – روم لاندو « تاريخ المغرب في القرن 20″ترجمه نيقولا زيادة، دار الثقافة، بيروث لبنان،
  • – زكي مبارك : »محمد الخامس و محمد بن عبد الكريم الخطابي و اشكالية استقلال المغرب » مطبعة فيديبرانت ، الرباط 2003،
  • – العمراني عبد الحي حسن:  » ابطال الحركة الوطنية » عن حياة محمد بن الحسن الوزاني و تاريخ الحركة الوطنية ج1 ط 1 1996 مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء .
  • – القبلي محمد: « تاريخ المعرب تحيين تركيب » ط 1 2011 مطبعة عكاظ الجديدة الرباط .
  • – كيكر , عبد الله: « تجاوزات جيش التحرير الجنوبي في سوس من خلال الروايات و الشهادات 1956-1960 كلمات للنشر و الطباعة و التوزيع سلا,
  • – لخولجة محمد: « مذكرات ميمون أعقا إلياس 1951/1956 عضو مؤسس لجيش التحرير  » من إعداد محمد لخولجة  ط 2  2011 دار أبو رقراق الرباط
  • – المالكي امحمد: « الحركات الوطنية والإستعمار في المغرب العربي » ط2 1994 بيروث لبنان ، مركز دراسات الوحدة العربية
  • – مصطفى أعراب: « الريف بين القصر وجيش التحرير وحزب الاستقلال » منشورات اختلاق عدد 13 ط 2 2002 .
  • – الناصري محمد : »رحلة محمد الخامس إلى طنجة 9 ـ 13 أبريل 1947  » مطبعة كندابرانت الرباط ط 2001

المجلات

  • – مجلة الذاكرة الوطنية؛ عدد 19/2012ــــــ عدد خاص 2006.
  • – مجلة المقاومة و جيش التحرير: الأعداد. 14// 28//18// 40//47.
  • – مجلة أمل عدد خاص « تطور الخريطة الحزبية بالمغرب ».
  • – مجلة زمان العدد 5/ 2014 .
  • – مجلة وجهة نظر ، العدد 40/41 2009.

الموسوعات

  • – موسوعة الحركة الوطنية؛ الجزء الثالث المجلد الثاني.

 

 


 

 

 

 

 

 

الفهـــــــرس

تقديـــــــم 3

الفصل الأول: العوامل التي مهدت لعودة المقاومة المسلحة وتشكيل جيش التحرير 6

المبحث الأول :من المطالبة بالإصلاحات إلى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال 7

المبحث الثاني:  زيارة السلطان إلى طنجة أبريل1947 وأبعادها. 15

المبحث الثالث: تأسيس مكتب المغرب العربي بالقاهرة ولجنة التحرير. 18

الفصل الثاني : تأسيس جيش التحرير 23

المبحث الاول: الموارد البشرية. 24

المبحث الثاني : السلاح و التموين. 31

المبحث الثالث: مراكز  جيش التحرير في الشمال 38

المبحث الرابع: انطلاق عمليات جيش التحرير بالشمال. 42

الفصل الثالث: جيش التحرير في الجنوب. 50

المبحث الاول: الهيكل التنظيمي لجيش التحرير في الجنوب و آليات اشتغاله. 52

المبحث الثاني: عمليات جيش التحرير ضد الاستعمار الفرنسي والإسباني في الجنوب. 63

المبحث الثالث: تراجع جيش التحرير في الجنوب. 70

الفصل الرابع  جيش التحرير ومرحلة الاستقلال 1956-1960. 73

المبحث الأول: جيش التحرير والسياسة في مغرب الإستقلال 74

المبحث الثاني : جيش التحرير وإنهاء مهمة التحرير 87

خاتمــــــة 93

المصادر والمراجـــــــع 95

الفهـــــــرس.. 98

 

-[1] الفاسي علال: « الحركات الاستقلالية في المغرب العربي  » مطبعة الرسالة  الرباط ط 4 1980 ص165

-[2] المصدر نفسه ص 166.

[3]– عياش ألبير : »المغرب والإستعمار: حصيلة السيطرة الفرنسية » عبد القادر الشاوي ; عبد الأحد السبتي, نور الدين السعودي ; إدريس بنسعيد الدار البيضاء : دار الخطابي , 1985 ص389

[4]– الفاسي علال:  » الحركات الإستقلالية « م. س. ص 185

[5] المصدر نفسه ص 191

[6] العريبي محمد  » تطور الحركة الوطنية من المطالبة بالإصلاحات إلى المطالبة بالإستقلال » مجلة المقاومة و جيش    التحرير العدد 40 ص 30.

[7] عياش، البير م س ص 390

[8] الفاسي علال: » الحركات الإستقلالية » م س ص 22

[9] – خليفة إدريس « ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالإستقلال  » مجلة المقاومة و جيش التحرير ع 40 ص 17.

[10] – عياش البير م. س. ص 396.

[11] – المصدر نفسه ص 390

[12] – الفاسي علال  » الحركات الاستقلالية… » م س ص 257

[13]–  المصدر نفسه  ص259

[14]–  المصدر نفسه  ص 259

[15] هذا المؤتمر اجتمعت فيه الدول من أججل تاسيس الامم المتحدة و وضع ميثاقها

[16] – مجلة المقاومة و جيش التحرير ع 28 ص 29                     

[17] – غلاب عبد الكريم  » تاريخ الحركة الوطنية في المغرب  »  ج1 مطبعة الرسالة  الطبعة 2 1987 ص312.

[18] – الفاسي علال « الحركات الإستقلالية » م س   ص 300

[19] – الفاسي علال  » الحركات…. » م س  ص 300

[20]–  روم لاندو « تاريخ المغرب في القرن 20″ترجمه نيقولا زيادة، دار الثقافة، بيروث لبنان، ص 325 326

[21] – غلاب عبد الكريم : م س « ص 312

[22] – الناصري محمد « رحلة محمد الخامس إلى طنجة 9 ـ 13 أبريل 1947  » مطبعة كندابرانت الرباط ط 1 ؛ 2007 ص 381.

[23] – الزهري قاسم  « دوافع رحلة طنجة « مجلة المقاومة وجيش التحرير »، عدد خاص 1987 ، ص 39  .                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                               

[24] – القبلي محمد « تاريخ المعرب تحيين تركيب » ط 1، 2011  مطبعة عكاظ الجديدة الرباط ص 597

[25]– العمراني عبد الحي حسن  » أبطال الحركة الوطنية » عن حياة محمد بن الحسن الوزاني و تاريخ الحركة الوطنية  ج1 ط 1 1996 مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء  ص 147

[26]– المالكي امحمد « الحركات الوطنية والإستعمار في المغرب العربي »، ط2 1994؛ بيروث لبنان ، مركز دراسات الوحدة العربية  ص 401.

[27]– الفاسي علال ا »الحركات الاستقلالية »  م س ص 321.

[28] – الفاسي علال « الحركات الاستقلالية » م س ص 323

[29]– المالكي امحمد  « الحركات الوطنية….. »م س ص 454

[30]– زكي مبارك « محمد الخامس و محمد بن عبد الكريم الخطابي و اشكالية استقلال المغرب » مطبعة فيديبرانت ، الرباط 2003، ص 65 66.

 [31]- الفاسي علال  » الحركات الاستقلالية » م س ص 350

[32]  – زاكي مبارك « محمد الخامس….. » م س ص 75

[33] – العزيز، محمد حمادي   » جيوش تحرير المغرب العربي هكذا كانت القصة في البداية  » مطبعة المعارف الجديدة الرباط 2004، ص21.

[34] – المصدر نفسه، ص 22

[35] – المصدر نفسه ص 93

[36] – العزيز محمد حمادي « جيوش المغرب….. » ص 97

[37]هواري بومدين وإسمه الحقيقي محمد بوخروبة، من مواليد 23 غشت بقالمة، درس بمدرسة الكتانية بقسنطينة، ألتحق للدراسة بالأزهر بعد 1951 ، تدرب مع مجندي لجنة تحرير المغرب العربي بالقاهرة ، في مارس 1955 أرسله بن بلة رفقة عدد من المجندين على متن الباخرة دينا إلى الجزائر ليلتحق بالثورة في منطقة وهران، حيث أصبح قائد للولاية الخامسة سنة1957، ومسؤول قيادة هيئة الأركان الغربية سنة   1959/ 1958 ثم قائد هيئة الأركان العامة 1960/1962، وزير الدفاع /1962  6519، رئيس الجمهورية الجزائرية  1976  .

[38]  – جناح بن عاشر « ذكريات تاريخية « (صفحات مشرقة من تاريخ المقاومة وجيش التحرير بالمغرب ) ط 1  2013  المطبعة السريعة القنيطرة، ص   47.

[39]– أيت إيدر ، محمد  بن سعيد « مجلة زمان العدد 5/ 2014  ص 27.

[40] – الصنهاجي عبد الله  » مذكرات في تاريخ حركة المقامة و جيش التحرير المغربي من 1947-1956 « مطبعة فضالة المحمدية 1987 ص 143.

[41] – المصدر نفسه ص 150

[42]  – زكي مبارك « محمد الخامس وابن….. » م س ص 203

[43]  – منشور لجيش التحرير أورده زاكي مبارك م س ص 204

[44]  –  منشور لجيش التحرير المغربي أورده زاكي مبارك « محمد الخامس …. » م س  ص 204

 

[45]  – وثائق تعود لجيش التحرير بحوزة  زاكي مبارك من تقديم الأستاذ محمد  لومة على شكل فيديو على الموقع: « http://www.youtube.com/watch?v=6JEmM9Ba5Zs »

[46] « تاريخ المقومة وجيش التحرير من أفواه رجالاتها » العدد الثاني 1980 مطبعة الساحل الرباط ص 7ـ8

[47]  – الصنهاجي عبد الله « مذكرات في تاريخ….. » ص 136

[48]  –  المصدر نفسه ص 137

[49]  – العزيز حمادي « جيوش تحرير… » م س، ص 165

[50]  – كل  من الهاشمي الطود و الحمادي العزيز.

[51] – الادريسي، محمد حمو: « الحركة الوطنية في الشمال و دورها في استقلال المغرب و الجزائر » ط 1, 1990 ص104.

[52]  – النيلي ابراهيم: سوداني الاصل كان يشتغل في شركة لإتجار في الاسلحة وضابط في البحرية رافق السفينة دينا بطلب من قادة الثورة الجزائرية فكان مسؤولا عنها بإصلاحها و كدى صيانة الاسلحة ثم استقر في المغرب قرابة ستة اشهر . هو الذي قاد السفينة أطوس التي حجزتها السلطات الفرنسية ثم سجنته في الجزائر( جهاد من أجل التحرير) ص 35.

[53]  – « وجوه و أحداث منى ذاكرة المقاومة وجيش التحرير  » محمد آجار سعيد بونعيلات ص 134

[54]  – شوراق، حمدون « حقائق تاريخية عن عملية الباخرة دينا » مجلة المقاومة وجيش التحرير عدد 18 / 1988 ص50

[55]  – المرجع نفسه ص 51

[56]  – الصنهاجي عبد الله « مذكرات في…… » م س، ص 144

[57]  – -المصدر نفسه ، ص 147

[58]  – المصدر نفسه ص 179

[59]  – الإدريسي، محمد بن حمو  »  الحركة الوطنية في الشمال ودورها  في استقلال المغرب والجزائر »  ط 1  1990 ص 107

[60]  – « جهاد من أجل التحرير » من إعداد محمد خليدي وحميد خباش ، منشورات إفريقيا ، ط 1 1999ص 77

[61]  -عبد الله الصنهاجي « مذكرات في تاريخ …. » م س ص 156

[62]  – المصدر نفسه ص 178

[63] – « جهاد من اجل التحرير » م س ص 69

[64] ـ الصنهاجي عبد الله « مذكرات في…. » م س، ص 181

[65] – وثائق تعود لجيش التحرير بحوزة  زاكي مبارك من تقديم الأستاذ محمد  لومة على شكل فيديو على الموقع: « http://www.youtube.com/watch?v=6JEmM9Ba5Zs »

[66]  – الصنهاجي عبد الله م س ص 262 263

[67]– البسيطة أو البيزيتا (بالإسبانية: Peseta) هي العملة الرسمية في إسبانيا منذ عام 1869 حتى العام 2002 حيث استبدلت بالعملة الأوروبية الموحدة « الأورو ».

[68]  – » مجلة الذاكرة الوطنية » عدد  7 2005 ص 110

[69]  – الصنهاجي عبد  الله « مذكرات في تاريخ… »م س ص 146

[70] – الصنهاجي عبد الله « مذكرات…. » م س، ص 161

[71]  – الودغيري عبد الرحيم « تاريخ خلية قبل و بعد الاستقلال 1953 – 1956 » مطبعة فيدي برانت الرباط ط 1، 2001 ص 64

[72]  – الودغيري عبد الرحيم  » المقاومة المغربية ضد الحماية الفرنسية 1952 – 1956″ م س ص 138

[73]  – جهاد من اجل التحرير مرجع سابق ص 17

[74]  – الودغيري عبد الرحيم « تاريخ خلية…. » م س ،ص 72

[75]  – بن عاشر جناح  » ذكريات تاريخية…. » م س ص 58

[76]  – المصدر نفسه ص 59

[77]  – جهاد من اجل التحرير م س ص 59

[78]– الدوائري، عبد العزيز « تأسيس جيش التحرير في الشمال  » ،مجلة المقاومة وجيش التحرير  ع 12 ص14 .

[79]– المصدر نفسه ص 17

[80]– المصدر نفسه ص 18

[81]– أزكاغ عبد العزيز « جيش التحرير بين خيار المقاومة والمساومة: بشهادة القائد الميداني أزوكاغ حدوش  » مطبعة أنفوبرانت فاس 2014 ص 42

[82] – العزوزي محمد بن عمر »حقائق تاريخية عن تأسيس جيش التحرير بقبيلة كزناية » ط 1 2002  ص 95 /96

[83] – الدوائري عبد العزيز « تأسيس جيش التحرير ….. »م س ص 26

[84] – أزكاغ عبد العزيز م س  ص 68/69

[85]  – الصنهاجي عبد الله « مذكرات في …. » م س ص169

[86] – العزوزي محمد بن عمر  » حقائق تاريخية عن تأسيس …. » م س   ص 100

[87] – الصنهاجي عبد الله « مذكرات في….. » م س ص 172.

[88]– الذهبي، عبد السلام « يوميات معارك جيش التحرير بأكنول  » موسوعة الحركة الوطنية الجزء الثالث المجلد الثاي ص 297.

[89] – الصنهاجي عبد الله « مذكرات في المقاومة,,من ص 273 إلى 285 .

[90] – أوري لحسن « معركة 2 أكتوبر 1955 نقلة نوعية في مواجهة الإستعمار » مجلة الذاكرة الوطنية  عدد 19 ص14

[91] – المرجع نفسه ص 15

[92] – (محمد بن قدور الورياني/ بوشعيب الحريزي) عبد الله الصنهاجي  « مذكرات في …… » م س  ص175

[93] -« مذكرات ميمون أعقا إلياس 1951/1956 عضو مؤسس لجيش التحرير  » من إعداد محمد لخولجة  ط 2  2011 دار أبو رقراق الرباط ص48 

[94] -أحمد خطوري « الهجوم على تكنة الجيش الفرنسي في إيموزار مرموشة » مجلة المقاومة وجيش التحرير عدد 14 دجنبر  1985 ص 34

[95] -« مذكرات ميمون أعقا….. » م س ص 65/66

[96] -أحمد خطوري  » الهجوم… » م س ص 34

[97] – وفي هذا يقول دو لاتور بواتي في تابه حقائق عن شممال إفريقيا  » ( ساكنة القبائل تهافتت في الغد على الأسلحة ، فغنموا 30 بندقية ، مدفع من نوع 69، 10 بنادق رشاشة و48 مسدس )= مذكرات ميمون أعقا…..م س ص 114

[98] – » مذكرات ميمون أعقا…. » م س ص67/ 68

[99]–  « مذرات ميمون أعقا…. »  م س ص 89

[100]– المصدر نفسه ص 99

[101]–  زكي مبارك  » محمد الخامس و ابن عبد الكريم الخطابي و اشكالية استقلال المغرب م، س ص 289

[102]–  بن عاشر جناح  » ذكريات تاريخية » م، س ص 92

[103] – زكي مبارك م س ص 290

[104]–  البويري ادريس بن أبوبكر ندوة  » المقاومة المغربية ضد الاستعمال  » الجدور والتجليات 1904، 1955، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن زهر أكادير  ،1997 الهلال العربي الرباط. ص 434

[105]– بن علي المصطفى « ترجمة لمقال زمن القدماء للقاضي ملال  » مجلة الذاكرة الوطنية : عدد خاص ص 70

[106]–  المرجع نفسه ص 74

[107] – ايت ايدر محمـد بن سعيد  » صفحات من ملحمة جيش التحرير بالجنوب المغربي ». منشورات المواطنة ,  الدار البيضاء 2001 ، ص 77

[108]–  البويري ادريس  بن أبوبكر، ندوة « المقاومة المغربية الاستعمار الجدور و التجليات  » م س ص454 .

[109] – بن علي المصطفى، مجلة الذاكرة الوطنية عدد خاص م س ص 76.

[110] – أيت إيدر، محمد بن سعيد « صفحات من ……. » م س ، ص 77

[111] – أيت إيدر،محمد بن سعيد « وثائق جيش التحرير بالجنوب المغربي » مركز محمد بنسعيد أيت إيدر، الدارالبيضاء 2011 ص 43

[112] – أيت أيدر، محمـد بن سعيد  »  صفحات من ملحمة جيش التحرير بالجنوب المغربي  » م س ص 120

[113] – بن عاشر جناح « ذكريات تاريخية…. » م س ص 102

[114] – المصدر نفسه

[115] – زكي مبارك  » محمـد الخامس الكريم الخطابي و اشكالية استقلال المغرب م س ص 290

[116] – أيت إيدر، محمـد بن سعيد  » صفحات من ملحمة جيش التحرير بالجنوب » م س  ص 78.

[117]– بن علي المصطفى  مجلة الذاكرة الوطنية عدد خاص 2006 م س ص76.

[118] أيت إيدر، محمد بن سعيد « صفحات من ملاحم جيش…… » م س ص216/217

[119] – زكي مبارك  » محمـد الخامس  و ابن عبد الكريم …. » م س ص 287

[120] – الدويهي أحمد  » مؤتمر أم الشكاك »  مجلة الذاكرة الوطنية عدد خاص 2006 م س ص 177

[121]– الشامي علي  » الصحراء الغربية عقدة التجزئة في المغرب العربي » دار الكلمة للنشر لبنان 1980 ط 1 ص 121( أورده زكي مبارك « محمـد الخامس وايت عبد الكريم… » م س ص288)

[122] – زكي مبارك « محمـد الخامس وايت عبد الكريم… » م س ص 288

[123] – أيت إيدر محمـد بن سعيد » ملحمة جيش التحرير بالجنوب المغربي » م س ص 34.

[124] – بن عاشر جناح  » ذكريات تاريخية » م س من ص105 إلى 109

[125] – أيت إيدر محمد بن سعيد: وثائق جيش التحرير بالجنوب » م س ص 109 – 110

[126] – الذاكرة الوطنية م س ص208

[127] – أيت أيدر محـمد بن سعيد  » صفحات من ملحمة … » م س ص84

[128] – بن علي، المصطفى  » مجلة الذاكرة الوطنية م س ص 70

 [129] – مجلة الذاكرة الوطنية م س ص209.

[130] – الحسني شفيق  » مشاركة اقليم السمارة في فترة الطفاح الوطني » مجلة المقاومة و جيش التحرير العدد 47 1997 ص 50

[131] – مجلة الذاكرة الوطنية م س ص211

[132] – المرجع نفسه ص 54.

[133]–  زكي مبارك « محمد الخامس وابن عبد الكريم….. » م س ص 276

[134] – أيت إيدر محمـد بن سعيد  » صفحات من ملحة جيش التحرير.. » م س ص 97

[135] – المصدر نفسه ص 87

[136]–  المصدر نفسه ص 88

[137] – أيت إيدر محمد بن سعيد  » صفحات….  » م  س ص 89

[138]– المصدر نفسه ص 89

[139] – أيت إيدر محمد بن سعيد  » وثائق جيش التحرير … » م س ص 56

[140]–  لشكر محمد  » ملحمة التحرير بالجنوب  » مجلة المقاومة و جيش التحرير ع 14 ص 47

[141]–  أيت إيدر محمد بن سعيد  » صفحات من ملحمة جيش التحرير  » م س ص 131

[142] -لشكر محمد م س ص 60

[143] – لشكر محمد م س ص 60-61.

[144] – الدويهي احمد – الزروالي احمد  » مؤتمر ام الشكاك » مجلة الذاكرة م س ص 180.

[145] – غاندي عمر  » عمليات جيش التحرير بالجنوب المغربي » مجلة الذاكرة الوطنية م س ص 156.

[146] – ايت ايدر »صفحات ملحمة…. » م س ص 146.

[147] – المصدر نفسه ص 147

[148]– أيت إيدر، محمد بن سعيد  » صفحات من ملحمة … » م س ص 135.

[149]– المصدر نفسه ص 140.

[150] – المصدر نفسه ص 140/141

[151]–  المصدر نفسه نفس الصفحة.

[152] – أيت إيدر  » صفحات من ملحمة … » م س ص 161

[153] – مجلة الذاكرة الوطنية ص 185

[154] – حسين، شفيق  » مشاركة اقليم السمارة » مجلة المقاومة و جيش التحرير م س ص 51

[155] – أيت إيدر محمد بن سعيد « صفحات من …. » م س ص 3

[156]– الجابري، محمد عابد « في غمار السياسة: فكر وممارسة » الشبكة العربية للأبحاث والنشر ط 1 بيروت 2009 ص 177

[157]– دوجلاس أوشفورد « التطورات السياسية في المملكة المغربية » ترجمة عائد سليمان عارف-أحمد مصطفى أبو حاكمة- الدار البيضاء دار الكتاب 1964 ص 100و101.

[158]– المصدر نفسه ص 208.

[159]– المصدر نفسه ص 209.

[160]– الجابري، محمد عابد « في غمار السياسة » مرجع سابق ص 186و187.

[161]– دوجلاس أشفورد م.س ص 129.

[162]– الجابري، محمد عابد « في غمار السياسة » م.س ص 198.

[163]– واتربوري، جون « أمير المومنين، الملكية والنخبة السياسية في المغرب » ترجمة عبد الغني عزام وعبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق، دار أبي رقراق، الرباط  ط 3 2013 ص250.

[164]– دوجلاس أشفورد  « التطورات السياسية… » م.س ص 101.

[165]– الصنهاجي عبد الله  « مذكرات في تاريخ المقاومة وجيش التحرير » م.س. ص 198

[166]– واتربوري، جون م.س ص 54.

[167]– أعراب مصطفى « الريف بين القصر وجيش التحرير وحزب الاستقلال » منشورات اختلاق عدد 13 ط 2 2002 ص 24

[168]– دوجلاس أوشفورد « التطورات السياسية… » م.س ص 205

[169]– الصنهاجي عبد الله « مذكرات… »م.س ص 198.

[170]– نفس المصدر ص 200.                                               

[171]– نفس المصدر  ص 118.

[172]– أعراب مصطفى « الريف… » م.س ص 20

[173]– الصنهاجي عبد الله م.س ص 204.

[174]– الدفالي، محمد معروف « حزب الشورى والاستقلال من التاسيس إلى الانهيار 1946-1959 » مجلة أمل عدد خاص ص 69

[175]– المرجع نفسه ص 73و74.

[176]– الصنهاجي عبد الله « مذكرات… » م.س ص 210.

[177]– العلوي محمد  الفلاح مجلة أمل عدد خاص ص 44.

[178]– العلوي محمد الفلاح ص 51.

[179]– الصنهاجي عبد الله « مذكرات… » م.س ص 208.

[180]–  نفسه ص 208.

[181]– الصنهاجي عبد الله « مذكرات… » م.س ص 205.

[182]– العلوي محمد الفلاح  م.س ص 53.

[183]– دوجلاس أشفورد « التطورات السياسية… » م.س ص 110.

[184]– دوجلاس أشفورد م.س ص 108.

[185]– مبارك زكي مجلة وجهة نظر، العدد 40/41 2009، ص 21.

[186]– محمد عابد الجابري « في غمار السياسة… » م.س ص 179و180.

[187]– الجابري، محمد عابد م.س ص 181و182.

[188]– دوجلاس أشفورد « التطورات السياسية… » م.س ص 120.

[189]– نفس المصدر ص 122.

[190]– الجابري محمد عابد م.س ص 179.

[191] « أسني » منطقة في أحواز مراكش تبعد عنها بحوالي 70 كلم في طريق أولوز تحناوت .

[192]– بن عاشر جناح « ذكريات تاريخية … » م.س ص 128و129.

[193]– جهاد من أجل التحرير م.س ص 41.

[194]– الغالي العراقي « ذاكرة جهاد ونضال » مطبعة النجاح الجديدة ،الدار البيضاء ،ط 1 2002، ص 176.

[195] – المصدر نفسه ص 186

[196] – المصدر نفسه ص 187

[197] – (تصريح للفقيه محمد البصري ؛ جريدة الصحيفة عدد 47 يناير 2002) أورده زكي مبارك « محمد الخامس…. » م س ص 289

[198]–  أيت إيدر  محمد بنسعيد « صفحات من… » م س ص62

[199]–  المصدر نفسه ص 63.

[200]– أيت إيدر،  محمد بن سعيد وثائق جيش التحرير م.س. ص 13.

[201]– الغالي العراقي : »ذاكرة جهاد ونضال »، م.س. ص 186.

[202]– مجلة زمان م.س، ص 30.

[203]– الجابري، محمد عابد « في غمار السياسة » م.س هامش ص 197.

[204]– بنونة، المهدي « المغرب السنوات الحرجة » الشركة السعودية للأبحاث والتسويق، ص439/ 440

[205]– دوجلاس أوشفورد « التطورات السياسية » م.س ص 226.

[206]– كيكر، عبد الله  « تجاوزات جيش التحرير الجنوبي في سوس من خلال الروايات و الشهادات 1956-1960   » كلمات للنشر و الطباعة و التوزيع سلا,  2011 ص 17.

[207]– أيت إيدر محمد بن سعيد « وثائق جيش التحرير » م.س ص 14.

[208]– المصدر نفسه ص 55.

[209] – غاندي عمر « عمليات جيش… » مجلة الذاكرة الوطنية م س ص159

[210] – أيت إيدر محمد بن سعيد  » صفحات من ملحمة جيش… » م س ص  184

[211] – أيت إيدر محمد بن سعيد « وثائق جيش التحرير…. » م س ص 71

Laisser un commentaire