ما هى الميتافيزيقا؟ … علوم ماوراء الطبيعة

شارك Share Partager

الميتـافـيزيقـا كلمة مشتقة من الكلمـة الإغريقيـة « Metata Physika »، ومعناها (ما بعد الطبيعة). وأستعملت هذه الكلمة من قبل الفلاسفة في العصر الهلنستي ليشيروا بها لمجموعة من النصوص الغير معنونة للفيلسوف الكبير « أرسطو طاليس »، وبالرغم من أن أرسطو نفسه لم يستخدم هذا المصطلح في حياته بل أطلق هذا الأسم « ميتافيزيقا » تلميذه (اندرونيقوس الرودسي) وذلك عند تصنيفه وترتيبه لمؤلفات أرسطو في القرن الأول قبل الميلاد، إذ جاء ترتيب هذه النصوص بعد البحوث الطبيعية لأرسطو « الفيزيقا » فسماها تلميذه « ما بعد Meta »، ولقد كان يقصد بأطلاقه تلك التسمية ترتيب الأبحاث الغير معنونة لأرسطو والتى أتت ما بعد أبحاثه في علم الطبيعة. وبذلك تكون قد جاءت هذه التسمية مصادفة من حيث ترتيب الأبحاث والنصوص الأرسطية وليس من حيث مضمون ما تحتوى عليه هذه الأبحاث والنصوص من موضوعات. ومع تطور هذا المصطلح « ميتافيزيقا » بمرور الوقت أخذه فلاسفة العصور الوسطى وتداولوه فيما بينهم ليشيروا بكلمة « ميتافيزيقا » إلي تلك الموضوعات التي ناقشها أرسطو في مجال خوارق الطبيعة والإدراك الفوق الحسي، وبذلك أصبح هذا المصطلح « ميتافيزيقا » يعبر عن مضمون الموضوعات التي يقوم بدراستها وهو « البحث في خوارق الطبيعة وفيما وراء الظواهر المحسوسة ».

أما أرسطو فكان يسمي تلك الموضوعات قبل وفاته بأسماء أخرى مثل: « الفلسفة الأولى » وذلك تمييزاً لها عن العلم الطبيعي والذي كان يعتبره « الفلسفة الثانية »، أو كان يطلق عليها أيضاً أسم »الحكمة » لأنها كانت تبحث في ماهيات الأشياء أو العلل الأولى، أو « علم اللاهوت » أى -العلم الإلهي – ذلك لأن « الله جل جلاله » من أهم مباحثها بإعتباره الموجود الأول وأساس الوجود أوالعلة الأولى للوجود.
والميتافيزيقا كعلم له طبيعة مميزة عن باقي العلوم ، إذ يقوم بمحاولة إيجاد نوع من الفهم للطبيعة الحقيقية الأولية (السبب الأول « الماهية أو الكينونة ») للوجود أو العالم، بصرف النظر عما إذا كانت هذه الطبيعة مرئية أو غير مرئية؛ وذلك بطرحه للعديد من التساؤلات الميتافيزيقية كمثال:

هل الله موجود؟
ما طبيعة العالم ومادته وصورته؟
ما هو معنى الحياة؟
ما الهدف من وجودي؟
هل هناك جوهر واحد ام جواهر متعددة؟
إلي أين سأذهب عندما أموت؟
ما مكونات الكون الأولى التي تعد قوانينه؟
هل هناك ارادة واحدة تحرك الوجود؟
كيف أحصل على الوفرة فى الصحة والمال والسعادة؟

وتعلمنا الميتافيزيقا أننا نستطيع بالتفكير الفلسفي العميق والتأملي والإستنتاج العقلي أن نستخرج الإجابات على كل الأسئلة التى تحيرنا، ونكون أساس نقتنع به لتفسير طبيعة جميع الأشياء لنحصل على سلام العقل والنفس. وبالرغم من دعوة الميتافيزيقا هنا للتفكير الفلسفي والتأملي وإعمال العقل إلا أنها تدخل في نطاق « ماهيات الأشياء والكينونة »، وفي رأي بعض العلماء أن العقل غير مصمم للتعامل مع مثل هذه الأمور، فلا يمكن أن نجزم مهما بلغ فكرنا وإستنتجاتنا لمعرفتنا لماهية شئ -أى شئ- دون وجود إثبات علمي له، وكما يقول علماء الفيزياء: « أصمت وأحسب – Shut up and calculate » أي أن الإثبات المنطقي العلمي هو المهم إذا كنت تريد التفاسير الصحيحة، لذا فهم لا يعترفون بالميتافيزيقا إذ يعتبرونها إستنتاجات لم تثبت صحتها ولا تقبل البرهنة بالقوانين والمعادلات العلمية، ويرون أنه من الخطأ أن نبني حياتنا على إستنتاجات قد تكون غير صحيحة حتى لو كانت تؤمن لنا الراحة وسلام العقل والنفس.
إلا أن العالم نيوتن والذي تأثر كثيراً بالفلسفة الميتافيزيقية وكان بحثه في الأفكار الفلسفية للكيمياء القديمة عامل مساعد كبير على إكتمال نظرية الجاذبية، كان له رأى مخالف لهذا الرأى ومفند له فهو القائل جملته الشهيرة : (أيتها الفيزياء احذري من الميتافيزياء)، أى بما معناه أنه قد تأتي الميتافيزياء بظواهر مثبته ولا تستطيع قوانين الفيزياء تفسيرها أو وضع المعادلات المنطقية لها، بل قد يؤدي إثبات وجود هذه الظواهر إلي تفنيد بعض النظريات والقوانين الفيزيائية أيضاً.
كما لا يفوتنا ذكر رأى آينشتاين وبالرغم من إعتناقه للفكر المادي والعلمي إلا أنه كان من أشد المعجبين بالفلسفة وكان يمدح الأفكار الفلسفية، ويرى أنه لا وجود للتعارض بين الفيزياء والميتافيزياء « الميتافيزيقا » ، فلقد اقترنت إكتشافات آينشتاين الكبرى في الفيزياء بعودته الى الكشوفات الفلسفية القديمة، وهو القائل: (اذا اعتبرنا الفلسفة بحثا عن المعرفة العامة و الأكثر شمولية فإنه ينبغي اذن أن ننظر اليها بشكل بديهي على أنها أم لكل تساؤل علمي).
وكثيراً ما يظن الناس خطأً بأن الميتافيزيقا « ديانة » كونها تتكلم في « الغيبيات » وتدور أسئلتها في معظمها نحو الروحانيات، والمقصود بالغيبيات هنا ليس « الغيب الديني » الذي يقتصر على علم الله سبحانه وتعالى، بل المقصود بالعلم الغيبي أى العلم ذو الطبيعة « الخفية » أو « الكامنة »، وهو ذلك العلم الذي لم تكتشف قوانينه أو معادلاته بشكل كامل، لذا يطلق عليه علم « غيبيي » أى أنه لازال في رحم الغيب.

لذا فالميتافيزيقا ليست بديانة بل هي فكر فلسفي وتأملي، وباحث عقلي فضولي لمعرفة « المعرفة الحقيقية » عن ماهية وجوهر الأشياء، وعلى الرغم من علم هذا الباحث العقلي بعدم قدرته على امتلاك هذه الحقائق؛ إذ عجزت النظريات الفيزيائية عن إعطائها له؛ إلا أنه لازال يحاول أن يسد الفراغات التى يجدها عند التفكير في الوجود والموجودات؛ ويبحث عن إجابات لفهم طبيعة وماهية الأشياء، ليشبع نهم العقل الكبير في المعرفة.

يقول تعالى : (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) صدق الله العظيم (سورة العنكبوت – آية 20)
أماني محمد

شارك Share Partager

Laisser un commentaire