مقاومة الاستعمار الإسباني بالشمال المغربي (1912 – 1956 )

مقدمـــــــة:

إن حركة المقاومة التي انطلقت في بداية القرن العشرين ضد المستعمرين الفرنسيين والاسبان، والتي توجت في نهاية مطافها بإعلان الاستقلال وضم منطقة الشمال، واسترجاع الصحراء المغربية. لم تنطلق من عدم، فلم تكن في الواقع سوى حلقة من حلقات مسلسل طويل من الكفاح، انطلقت منذ قرون عديدة استطاع الشعب المغربي أثناءها أن يكدس تقاليد سَقَتْ روحه النضالية، خلال دفاعه عن الأرض وعن الكرامة، والحرية والعقيدة، ضد حملات الاستعمار التي كانت تستهدف استبعاده كشعب واستعمار بلاده كوطن واستغلال خيراته، فأثناء هذه الممارسة الجهادية العريقة في المجد والقدم تكون لدى المغاربة رويدا رويدا، ما يمكن أن نسميه بالحس الوطني قبل أن يصير هذا الحس فيما بعد، وفي خضم النضال، ما نعرفه اليوم بالوعي الوطني.

فكانت البداية بانتفاضة القبائل أولا بكيفية منفردة، ثم تحالفها مع بعضها. وهذه الفترة هي التي عرفت بمرحلة المقاومة المسلحة الأولى، وهي المرحلة التي سأتطرق لدراستها وتحليلها في هذا البحث، بالرغم من أنها لم تحقق هدفها في الحفاظ على الاستقلال وهذا شيء طبيعي تاريخيا وذلك لأسباب عديدة منها أن العهد كان زحف وامتداد الامبريالية « ، والمغرب كان يفتقر إلى حكم مركزي قوي. إلا أن المقاومة المسلحة شملت  المغرب بأجمعه، وكانت لها قيادات مقتدرة وبطلة، استطاعت بروحها الوطنية ونضالها أن تعبر عن استيائها أمام عمليات الغزو والتي كانت البلاد عرضة لها.

وعند اقتراب نهاية هذه المرحلة، بدأت الأمور تتطور من حركة اللطيف في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي مع الظهير البربري، إلى تكوين أول تنظيم سياسي  » كتلة العمل الوطني » وصياغة أول برنامج مطلبي في مرحلتين « مطالب الشعب  » ثم  » المطالب المستعجلة »، وبروز أحزاب متعددة ونقابات عمالية. ففي سياق هذا التسلسل المتطور على الدوام نشأت وثمت ما عرف بالحركة الوطنية، بمفهومها العصري، وبسرعة وقع الانتقال من مرحلة المطالبة بالإصلاحات في نطاق الحماية إلى مرحلة الإلحاح على الاعتراف بالاستقلال كشرط مسبق لكل تغيير، ليصل المطاف إلى العودة إلى الكفاح المسلح الذي انتهى بإعلان الاستقلال وفتح آفاق استكمال الوحدة الترابية.

وسأتناول في بحثي هذا مرحلة المقاومة المسلحة الأولى منذ بداية الغزو الاستعماري إلى متم سنة 1934، وهو تاريخ بداية ظهور الوعي والتنظيمات السياسية والحزبية، وسأتخذ منطقة الشمال كنموذج، لأبين الروح الوطنية التي دفعت سكان الجبال إلى مقاومة كل أجنبي حاول المس بسيادتهم. لقد فضلت دراسة هذا الموضوع بالذات لأني لي فضول كبير في معرفة تاريخ منطقة الشمال، إضافة إلى ميولي لدراسة تاريخ المقاومة بالمغرب ورغبتي في التعرف على الأحداث التي عرفتها تلك المنطقة التي أفرزت كغيرها من مختلف مناحي المغرب أبطالا أشاوش قدموا أنفسهم ضحية للوطن.

لقد قسمت بحثي إلى ثلاثة فصول، فالفصل الأول يتمحور حول الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تعيشها المنطقة قبل التدخل الأجنبي بالمغرب.

أما الفصل الثاني فخصصته للحديث عن مقاومة التدخل العسكري في منطقة الشمال. وسأركز فيه على مقاومة ثلاثة أبطال كل من الشريف أمزيان، والريسوني، ومحمد بن عبد الكريه الخطابي الذي استطاعوا أن يعرقلوا الزحف الاستعماري، كما أنهم كبدوا المستعمر خسائر مادية وبشرية كبيرة.

أما الفصل الثالث، فسأتناول فيه الحركة الوطنية وجيش التحرير في الشمال ودورهما في استقلال المغرب.

 

 

المبحث الأول: الوضع السياسي

عرفت الحالة السياسة و الأمنية في عهد الشلكان المولى عبد العزيز ( 1894-1908) وأخيه المولى عبد الحفيظ ( 1908-1913) تصدعا خطيرا بفعل الثورات و الاضطرابات التي قامت في جهات المغرب تقريبا، و قد كانت أسبابها عديدة و متنوعة، أضرت بنفوذ المخزن وقدراته على التسيير البلاد بشكل طبيعي و عاد. فتطور مشاكل الحماية القنصلية و ازدياد النفوذ الأجنبي في مختلف الدوائر، ساعد الأوربيون على تغذية تلك الثورات و الاضطرابات بشكل أو بأخر لتحقيق أطماعها الترابية و غيرها . و بازدياد النفوذ و التسلط الأوربي، اعتقد المغاربة في تواطؤ المخزن، فقاموا بعدة ثورات بهدف ضرب النفوذ المخزني و المصالح الأوربية و مصالح المواطنين معهم من القبائل و الثوار الذين كانوا في نظرهم يبيعون المغرب والإسلام للأوربيين خدمة لمصالحهم الضيقة . و كان الرد الأوربي خاصة الفرنسي و الاسباني عنيفا جدا في منطقة وجدة و الشاوية و حول مليلية و سبتة . و غالبا ما كان المخزن يؤذي ثمن تلك الوشايات بأداء تعويضات باهظة تدفع من القرون التي يأخذها من الأبناك الأوربية بفوائد كبيرة[1].

هذه الحلقة التي بدأ يدور فيها نفوذ المخزن و قدرته المالية الواهية و فشله في حفظ النظام و الأمن و رضوخه المتزايد لضغوط الأوربية ، و بصفة خاصة من فرنسا و اسبانيا شجع الدول الأوربية على ترويج فكرة ضرورة الاحتلال و الحماية و إخراج البلاد من النفق المسدود الذي توجد فيه. و تبين أن الإصلاحات المختلفة التي تدعو إليها و تشارك فيها كان الهدف منها الوقوف في وسط الطريق إذ لم تعد التنظيمات المغربية تؤذي وظيفتها بصفة تامة . فضلا على أن الإصلاحات بهذا النمط الأوربي فرضت على المخزن فرضا و كانت شروطها غير متوفرة بالكامل. ورأى فيها المغاربة من مختلف المشارب وسيلة لزرع الفوضى و البلبلة وسط المغاربة الذين انتفضوا بقوة ضد الأوضاع القائمة بسبب التدخل و الضغط الأوربي الذي بدأ يقتطع الأرض المغربية من الجهات الشرقية و الغربية و لا يتردد في ضرب المدن المغربية، مثال وجدة و البيضاء سنة 1907. بسبب دعوى مقتل عملائه، و إن كان الغرض من ذلك هو تثبيت أقدامه في طرفي البلاد[2].

إن انتفاضة الشعب المغربي سنة 1908 ، أو ما اصطلح عليه بالثورة الحفيظية ، اعتبرها الكثير من المغاربة نقطة التحول في العلاقات المغربية الأوربية ، غير أن المول عبد الحفيظ الذي استفاد على نطاق واسع من التأييد الشعبي و الذي لم يبايع من طرف علماء فاس في 7 يونيو سنة 1908، إلا بإيجاز من الشيخ محمـد الكتاني و بشرط التعهد بصيانة الاستقلال البلاد و استرجاع المناطق المغتصبة و إلغاء بنود الجزيرة الخضراء و الشطب على امتيازات الأجانب و عدم إشراكهم في قضايا الأمة، و عدم إبرام أي معاهدة معهم سلمية أو تجارية بدون الرجوع إلى الأمة بيد أن السلطان الجديد الذي تجسدت في شخصه أمال عظيمة ما لبث أن تنكر لالتزاماته الواحد بعد الأخر، و لم يتورع عن تعريض الكتاني الذي أملى شروط بيعتهم للهلاك بالسياط. و اعترفت به الدول الأوربية مقابل تنفيذه لاتفاقات المبرمة معها و من تم أحطت منزلته لدى الشعب الذي أصبح في نظره  » سلطان الفرنسي » و أصبحت المقاومة الشعبية تفرض نفسها في جبهات عديدة و بصورة مختلفة ضد الوجود العسكري الأجنبي و ضد سيدة المخزن. و بالفعل فقد استنجد المولى عبد الحفيظ بالفرنسين لخليصه بعد أن حوصر بفاس من طرف قبائل الثائرة بيد محرريه، و بذلك ألقة نفسه مجبرا على التوقيع معاهدة الحماية في مارس 1912، التي أبقته جالسا على العرش.[3]

         لكن ليعطي فقط مظهرا من المشروعية للسلطة المطلقة التي استولت عليها فرنسا في البلاد و التي كانت خطوطها الاستعمارية مدروس بصفة دقيقة  فماذا عن اسبانيا ؟ و ما هو الدور الذي لعبته في مسار الأزمة السياسية والأمنية المغربية من أجل دعم نفوذها في المغرب؟

  ظلت علاقة المخزن بقبائل المنطقة المدروسة تحكمها نفس الروابط التي تجمعها في أي مكان أخر من البلاد التي يصل الها النفوذ المخزني، و كانت الضرائب و المشاركة في جيش السلطان أبرز واجبات التي كانت على عاتق تلك القبائل . بالإضافة إلى اعتراف بالسلطة الروحية للسلطان. بينما تكفل المخزن بفض النزعات القائمة و الدفاع عن مصالح الرعية خاصة عندها ما يلحقهم أي تهديد من الخارج.[4]

  بالرجوع إلى الأحداث ، و بعد حرب تطوان و معاهدة وادراس التي علق عليها بعض الباحثين بأنها  » حرب كبير و سلم صغير » طلب المخزن من القبائل المجاورة للثغور المحتلة التخلي للمسحيين عن الأراضي المجاورة لها ، و التي تتشكل من بعض الحقول والمنازل ، و طلب من الجيش السهر على تطبيق الرغبة الإسبانية حتى لا تحدث أي مناوشات مع الإسبان في المستقبل . وكان ذلك غيدانا بتراخي علاقة تلك القبائل بالمخزن، بعد ذلك لم يجد الثوار الوطنيون صعوبة كبيرة في تجنيد أقراد تلك القبائل ما دام نفوذ المخزن قد أصيب بتصدع خطير، و تطبيق هذه الحالة كذلك على الثورة الجيلالي إدريس الزرهوني الملقب بوحمارة ( 1902-1909). لقد تلقى الأسلحة في البداية من الفرنسيين بالجزائر . وانضمت له في البداية قبائل محور تازة . مليلية ثم في ما بعد قبائل المنطقة المدرسة للوقوف في وجه التسرب الإسباني. و ابتداء من  أبريل 1904 استقر الثائر المذكور في سلوان، و بدأ يتفاوض على منح الامتيازات للأجانب من أجل استغلال معادن منطقة بني بويغرور ويسكان التي يراقبها و بصفة متزامنة تقريبا ، ظهرت حركة تمرد أخرى في تازورت، نمت بدوها بسرعة كبيرة، و قد تزعمها أحمد الريسوني، الذي ظهر في البداية كمعارض لسياسة المولة عبد العزيز، و قد أثار فيهام الرعب، و بدوره أضمت إليه قبائل عمارة و جبالة و قسم كبير من قبائل الريف لدعوته الجهاد ضد الأوربيين، و بعد تعيينه باشا على أصيلة من طرف المولى عبد الحفيظ، بدأت تروج الإشاعات حول اشتباكاته مع الجنود الإسبان بقيادة سلفستري، و حسب برمود  و المراقب الأحداث، فان حالة الفوضى التي ساهم في خلقها الريسوني كان الغرض منها بناء مجد خاص بع على حساب زعماء القبائل الأخرى يعطيه صفة قائد جبالة.[5]

         إن قيام حركة بوحمارة و الريسوني عكست قبل سنة 1912 رغبة القبائل المنطقة في الاستقلال عن المخزن المتهم بالتعاون مع الأجانب . و كانت حركة بوحمارة قد سارت نفس الركب أي التعاون مع الطرف الأوربي الذي منحه بع المساعدات خاصة فرنسا سنة 1906 عندما راجت الإشاعات حول هجومه المحتمل على فاس . و تذكر الباحثة باشو بخصوص الموقف الإسباني من ثورة بوحمارة المشحنة على الاستقلال القبائل عن المخزن و الدور الاسباني في استغلال الأزمة المغربية أن السلطات العسكرية الإسبانية كانت تعارض بشدة ثورة بوحمارة  و طالبت من حكومة أنطونيو ما وراء مساعدة السلطان على القضاء نهائيا على هذه الثورة . و تؤكد من جهة أخرى ، أن تلك الثورة كانت فرصة سانحة للتدخل العسكري الإسباني في المنطقة ، و بالفعل قام الجنرال مارينا باحتلال ريستنجا بوعرق في 8 فبراير 1908 و في 12 مارس، أي بعد أيام قلائل ، قام الكولونيل لاريا باحتلال موقع رأس الماء . رأس كبدانة. حتى لا تتمكن القوات المناوئة للسلطان من الاستقرار بها . إن منح الروكي الامتيازات المعدنية للإسبان و الفرنسيين بوهران، و بيع الأراضي لهم، و اعتداء الإسبان على قبائل المنطقة جعل هذه الأخيرة تتكتل لطرده من سلوان باعتباره خائنا للإسلام في 16 أكتوبر 1908. هذه الأخير حاول معاقبة بعضها مثل تلمسان و بني تورين و بني ورياغل بعد أن قامت بتخزين المشاريع الإسبانية في المنطقة.[6]

         وإذا كانت فرنسا و إسبانيا قد منحهما مؤتمر الجزيرة الخضراء حق التصرف في تطبيق بنود المؤتمر، فإن اسبانيا بقيادة رئيس حكومتها الشهير أنطونيو ماورا لم تستجب لحكومة فرنسا المتكررة للقيام باكتساح مشترك كما تؤكد ذلك وثائق وزارة الخارجية الفرنسية. و قد ركز الإلحاح في الطلب الفرنسي على بنود اتفاق 1904. و حاولت مدريد فقط تأكيد وجودها العسكري في بعض المناطق في انتظار الظروف المناسبة مع الحفاظ على الامتيازات الترابية التي حصلت عليها. و قد طلب السلطان المولى عبد الحفيظ من السفير الإسباني ميري  دلبال جلاء اسبانيا عنها. هذه الأخيرة بدأت تتلقى الضربات بسبب قيام حركة الشريف محمد أمزيان و حركة الشادلي سنة 1909.[7] وعلى الصعيد الديبلوماسي ، فإن القوات الاستعمارية تجاهلت اسبانيا و بدأت تتوزع مهامها في المغرب. فمقابل اعتراف ألمانيا لفرنسا بالامتيازات السياسية في المغرب.

واعترفت الثانية للأولى بالامتيازات الاقتصادية و الترابية في عرب افريقيا. هذا الاتفاق عارضته اسبانيا لكزنه ضد مقررات مؤتمر الجزيرة الخضراء. و قد دفعت بريطانيا لتقوم بالتحكيم في هذه القضية دون جدوة. و النتيجة الوحيدة التي حصلت عليها اسبانيا بعد مجهودات دبلوماسيو كثيفة هي الاعتراف ألمانيا بحقوق اسبانيا على أساس ما جاء في مؤتمر الجزيرة الخضراء. وقد بدأت تتخوف من قيام فرنسا بالتدخل في المنطقة كما أكدت ذلك المراسلات التي تمت بين الجنرال مارينا و وزير الداخلية الاسباني.[8]


المبحث الثاني: الوضع الاقتصادي

يتألف القسم الشمالي من المغرب من إقليمين هما الريف و الجبالة، و الريف هو القسم الشرقي في المنطقة ، و هو عبارة عن حوض منبسط ما بين عمارة و هضاب نهر الملوية شرقا و ممتدا على البحر الأبيض المتوسط شمالا و مشرقا على مدينة تازة و سهول مسون جنوبا،  و تمتد فيه الجبال من الشرق إلى الغرب، يصل ارتفاع بعض قممها إلى 3000 متر، و لهذه الجبال انحدرت مباشرة على البحر المتوسط الذي أدى إلى قلة موانئه، و لكنه مع هذا احتفظ بموقعه الاستراتيجي ، و تنتشر في الريف الجنوب الشرقي جبال عديدة منها، كبداية و بني بويحيى والكركو ومزكوب، هذا فضلا عن هضبتي التدني و التندري اللتان تضمنان الآبار و الكهوف الطبيعية . و تمة سهول فسيحة في هذه المنطقة منها السهل الذي يربط بين سهل المسون و سهل الكرط بسهول بوصوان وعين الأحمر , و تتكون أراضي الريف المتوسط من مجموعة جبال بقبوة مفصولة عن بقية السلسلة الجبيلية الطبيرة متصلة بسهول بني ورياغل التي تتصل شرقا في أراضي أجدير و يمتد في مبسطها نهرا غيسو النكور و أعلى جبل في هذه المنطقة أزور أقشار و كذلك جيل حمام.[9]

أما المنطقة الجبالة ، فتقع إلى المغرب من الرف و إلى الجنوب من طنجة ، و تمتاز بقلة تضاريسها المعقدة و سهولة الموصلات فيها إلى حدما، فتمتد بين شواطئ و ضواحي تطوان وشمالي شفشاون الى الشاطئ المحيط الأطلسي بين العرائش و القصر الكبير. ومهما يكن ممن أمر، فإن منطقة الشمالي المغربي بقسميه الريف و الجبالة ، تمتاز بكثيرة أوديتها ومرتفعاتها وعورة مسالكها و افتقارها إلى الطرق البرية المعبدة . و كان لهذه المناعة الطبيعية اثر كبير في بروز طاهرتين، أولهما انعزال المنطقة و فقرها من خلال قلة الأراضي الزراعية الخصبة فيها و كان لذلك أهره في بروز هجرة موسمية نحوى الجزائر عن طريق الممرات الجبلية للعمل في مزارع المستوطنين الفرنسيين ، أو إلى الأجزاء الوسطى والجنوبية من المغرب للاشتغال فيها وابتياع حاجاتهم منها، كما  تميزت أوضاعها الصحية. أما الظاهرة الثانية، فتتمثل في مقاومة الغزاة عبر التاريخ، و قد كان لذلك أثر كبير في ظهور طراز صعب من المقاتلين الشجعان المتمرسين على استخدام الجيد للسلاح و القادرين على تحمل صعوبات الحياة في المنطقة.[10]

تمثل الزراعة في المغرب عصب الحياة الاقتصادية و تبلغ مساحة الأراضي الزراعية فيها قرابة 15 مليون هكتار ( و الهكتار يساوي عشرة آلاف متر مربع) و لم يكن مشتغلا منها حتى عام 1912 إلى 1.5 مليون هكتار أي ما يعادل 10 في المائة من هذه المساحة الشاسعة ويرجع ذلك إلى طبيعة علاقات الإنتاج بين ممثلي السلطان و الفلاحين و القائمة على نظام الإنتاج الحديثة و تدبدب الأمطار في بعض السنين من جهة أخرى. تمثل زراعة الحنطة والشعير والذرة في منطقة شمال المغرب ، و في وادي الورغة خاصة المورد الاقتصادي الرئيسي ، هذا فضلا عن انتشار زراعة الفواكه و الخضروات ، ويعتمد السكان في حياتهم المعيشية كذلك في مناطق السواحل على صيد الأسماك. أما التجارة المغربية فقط نشطت منذ أواخر القرن الثامن عشر ، و لعل ذلك راجع إلى ازدهار عمليات التبادل التجاري مع بعض الدول الأوربية ، فقد أدى هذا النشاط إلى تغلغل المصالح الأجنبية عن طريق الامتيازات و نظام الحماية الممنوح لهم بموجب هذه العلاقات و قد لعبت تلك الامتيازات الأجنبية و طبيعتها دورها الاقتصادي المغربي و تهديد استقلال البلاد.[11]

لقد نشطت حركة التجارة مع أوربا في الموانئ المغربية، فعن كريقها يتم استراد السكر والشاي و المنسوجات القطنية والحريرية والصوفية و بعض المصنوعات المعدنية و الأسلحة والذخائر ، أما صادرتها فاقتصرت على الأصواف و الجلود و العسل و الشمع و البلح و اللوز و الجوز و الصمغ، و كذلك الحبوب التي لم يكن يسمح بتصديرها إلى المواسم الزراعية الجيدة.

إن عمليات التبادل التجاري في منطقة شمال المغرب اقتصرت على جزيرة النكور ومنطقة الورغة ، و كانت جزيرة النكور التي خضعت في وقت مبكر للاحتلال الاسباني ، تمثل مورد رئيسا للبضائع المستوردة و منها السكر و الدقيق و الملابس و ما شاكل ذلك. وكان الحاكم العسكري الإسباني في خذه الجزيرة يسهم في تسهيل مهمة التبادل التجاري ضمن خطة استعمارية استهدفت السيطرة على الريف سلميا . إلا أن معظم الأهالي لم يكونوا مقتنعين كثيرا باستيراد تلك المواد وبيعها، أما منطقة الورغة ، فقد كانت المجال الرئيس للاتصال التجاري بين شمال المغرب وجنوبها. وقد تأثرت الحركة التجارية بأوضاع الزراعة و انتظام سقوط الأمطار، و كانت المواشي من أبرز الصادرات، و بعد إعلان الحماية الثنائية عام 1912 سيطر الاسبان والفرنسيين على تجارة المغرب سيطرة تامة.[12]

وبصدد الصناعة فقد طلت محلية تقليدية بسبب الاحتلال الإسباني و البرتغالي للموانئ المغربية التي كانت من المراكز الصناعية النشيطة أنذك و نتيجة للفوضى الداخلية و زحف الحياة القبلية إلى داخل المدن نفسها. لم يستطع الصمود في وجه تدفق المصنوعات الأجنبية منذ القرن التاسع عشر . و ضلت هذه الصناعة مقتصرة على حياكة السجاد والأحزمة و الخيام وبعض الأقمشة الصوفية الخاصة بالاستهلاك المحلي. لقد المغرب بلدا زراعيا ومصدر البعض المعادن. و خاصة الذي يكثر في إقليم الريف. و بالأخص في أراضي قبيلة بين ورياغل و يعد منهم الناظور قرب جبل اكساف أكبر منام الريف لإنتاج الحديد.[13]


المبحث الثالث: الوضع الاجتماعي

غلب التكوين الاجتماعي القبلي على الحياة الاجتماعية في المغرب، و خاصة في المناطق البعيدة عن المدن الساحلية ، و يعتمد هذه التكوين في حياته المعيشية على الاقتصاد الزراعي، وقد توزعت القبائل المغربية في الشمال في مناطق الريف و جبالة و الورغة، ففي منطقة الريف سكنت قبائل متعددة منها: بني يرناسن، قلعية، كبدانة ، أولاد ستون، بني توزين، كزنانية زناتة، بنو ورياغل، بقيوة، بنو يطيق، بني بويفرج، بنو اكميل مساسطة، متبوة الريف ترجيست، بنو الجبالة فهي بني سعيد، ادلو، بني حسان ، بني ليث، بني حرطر، بني بدر، الأخماس العليا، الأخماس السفلى، بني أحمد، حوز تطوان، أنجظة، بني عروس ، ادريس، بني  فحص طنجة ،الغربية البدور ، الخلوط، سمانة ، بني كرفط، ال سويف، بني يوسف يني زكار، اغزتوة، وضمت منطقة الورغة قبائل بني عمارت، مرينسة، بني و نجل، فناسة، بني وليد، بوعادل، تزوحنا، وأشهرها بني زروال.[14]

لقد كان من الطبيعي في طل ذلك التكوين الاجتماعي أن تقوم القبيلة بدور التنظيم السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي، و قد أسهمت صعوبة المواصلات و قلتها و بدائيتها في بقاء تلك القبائل بعيدة عن متناول السلطة المركزية ، و في معظم الأحيان كانت العلاقة بين القبائل سلبية ، إذ سادت النزاعات القبلية، و كان السلاح عادة هو الحكم الفيصل في فض النزاعات التي قد تستمر مدة طويلة.إن حل النزاعات القبلية كان يتم غن طريق اومغار أي رؤساء القبائل، حيث يعقد هؤلاء مؤتمرا يدعى أكراو للحد من العدوات عن طريق قرض الغرامات، كما قام علماء جامع القرويين بدورهم في تحقيق الوئام بين القبائل. و كثيرا ما تناست منازعاتها حيتما يهددها خطر خارجي.[15]

         شهد المغرب انتشار العديد من الزوايا و الطرق الصوفية منها الدرقاوية و الكتانية والتيجانية  وغيرها، مع أن هذه الزوايا و الطرق الصوفية أسهمت في توجيه الناس و رفع مستواهم الثقافي، إلا أن بعض المشايخ نصبوا أنفسهم واسطة بين الشعب و الحكومة، و قد استفادت منهم الحكومة في حفظ الأمن و جباية و جباية الضرائب و تعبئة الجيوش، و كانوا يدعون أنهم » يتمتعون عليها من بركة نفوذهم ما يسهل عليهم تحقيق أغراضها » و حيث ضعفت السلكة الوطنية و حلت محامها السلكة الاجنبية 1912 ، لم ير بعض المشايخ غضاضة في أن يكونوا عونا للمحتل مادام المحتل يضمن لهم مصالحهم. لقد ضل التعليم الإسلامي التقليدي سائدا في المغرب حتى بداية القرن العشرين، و كان يتمثل بصفة عامة في الكتاتيب والمدارس القرآنية التي يتفق عليها السلطان أو بعض الوجهاء. كما قام جامع القرويين الذي يعد المركز التعليم العالي في البلاد بدور مهم في التعليم الديني والحفاظ على اللغة العربية  وعلومها. [16]

         كانت حاجة المغرب الملحة تيسير التعليم الثانوي، و حاجتها في مرحلة ما قبل الحماية 1912 إلى التعليم الحديث بالمعنى المعروف ، و بالرغم من اقتصار التعليم التقليدي على الذكور، إلا أن ذلك لا يعني انعدام التعليم للإناث، ففي الفترة 1902-1912 وجدت في مدينة فاس وحدها خمس عشرة مدرسة للبنات تشرف عليها متعلمات من النساء، و كان هناك عدد من المدارس المهتمة بتعليم الحياكة والتطريز. ولم يكن التعليم في المغرب الزاميا حتى مطلع القرن العشرين، ففي عهد السلطان عبد الحفيظ ( 1908 – 1912 ) صدر قانون الالزامي و إصلاح المدارس، و يبدو ان تلك المحاولة كانت بداية لإدخال المدارس الحديثة في المغرب من خلال هذا الإجراء، إلا أن الأحداث السياسية كما سنرى، حالت دون تطبيق هذا القانون الذي ظل حبرا على ورق ، لذلك بقي التعليم على طالعه حتى الحماية الفرنسية و الاسبانية عام 1912. [17]

تميز الريفيون في شمال المغرب بعنايتهم الكبيرة بالعلم ، ففي هذه المنطقة قام مصلحو الزوايا المنتشرة وأصحاب الطرق الصوفية و علماء جامعة القرويين بدور كبير فما تنوير السكان و في إرساء أسس التعليم الديني فيها، بفضل جهودهم  » نشأت في مختلف قبائل الريف معاهد علمية، وهي تعد فروعها كاملة عن جامعة القرويين، و قد ظهرت فوائدها الجمة فتسابقت الجماعات لفتح مساجد، و رتبت الفقهاء المقتدرين في تلك لمساجد بإجازة مالية من حبوب الغداء… و ذلك لأجل إعداد الطلبة للتوجه إلى القرويين لاستكمال معرفهم، فهي في الوقع مرحلة ابتدائية …. و قد أدى هذه العمل جدمة جلي لسكان الشمال.. إن هذه الجهة انفردت بهذا العمل عن بوادي المغرب إلا ما كان في بلد سوس… و أغلب ما كان يتبادلون الرحلات بين الريف و غمارة و جبالة…و قد انتشرت هذه المعاهد انتشارا متزايدا في القرى… إن انتشار هذه الضرب من التعليم الديني، قد أسهم في توجيه الناس نحو الالتفاف حول العرش حيث كان » من مبادئ التعليم الأساسية و كذلك مبادئ التصوف ، أن الفتق على الملك يعتبر مروقا من الدين »، إلا أنه زاد من الوعي و التمسك بالوحدة الترابية.[18]

 

 

 


 

المبحث الأول: مقاومة محمد أمزيان (1909-1912):

يعتبر الشريف محمد أمزيان سليل أسرة من الشرفاء أسس أحد أجداده وهو أحمد بن عبد السلام زاوية أزغنغان على مقربة من مليلية تتع داما في قبيلته بني يفرو بالصدارة التي تمنح لمن يتصل نسبه بالرسول صلى الله عليه وسلم.([19]) تحلى بمجموعة من المزايا الشخصية امن ذكاء واستقامة وحب لبلاده وقوة  العزيمة وعبقرية في التنظيم ومعاشرة الناس وهو أول من تفطن إلى تواطؤ الزرهوني مع الأجانب وقد أبلى البلاء الحسن في محاربة هذا الخائن سنة 1915 وكذلك على الإسبان المحتلين سنة 1909. في هذه الظروف برز المجاهد أمزيان فكقائد عبقري ، ودامت المعارك سنتين تجشم فيها الإسبان أعظم الخسائر ، وأعظم الهزائم ويقال أنهم خسروا عشرة آلاف قتيل وفي طليعتهم قواد عسكريون كبار كالجنرال بينتو والجنرال فيكاريو وكانت قبيلة قلعية إحدى القبائل التي جاهدت ضد العدو جهاد الأبطال([20]) ومع ذلك تمكن من تنظيم جميع القبائل التي تسارع إلى الانضواء تحت رايته ، وقد خاض الحرب طوال ثلاث سنوات وكانت حربا حقيقية كبدت الإسبان خسائر فادحة ولئن كانت حربا دفاعية في البداية فإنها سرعان ما قادت الإسبانيين بالعكس إلى الهزيمة.([21])

أخذ محمد أمزيان في هذه الفترة يتصل بالقبائل ويستحثها على الجهاد، واستعدت القبائل لخوض غمار الحرب، فاحتشدت الجموع الوافدة من شتى القبائل والتفت حوله، أذ أن المجاهدين تحصنوا في مراكزهم بجبلي سيدي احمد الحاج وتازوطا المشرفين على مليلية وكان

المجاهدون ينزلون ليلا ليعترضوا قوفل العدو وهاجم المجاهدون المراكز الإسبانية بسيدي موسى  حيث تكبد الأعداء الخسائر مما كان له أسوأ الأثر في إسبانيا فعزمت حكومتها على الإنتقام وأرسلت الجنرال بينتو لقيادة جيشها المحارب وذلك في يوليوز 1909 ولما سمع المجاهدون بهذا استعدوا أكثر لصد هجوم العدو، ونشبت المعركة واستعمل القتال بالسكاكين ممن لم يكن معهم سلاح، ولاذ جيش العدو بالفرار، والمجاهدون يلاحقونه بالقتل حتى دخلت أشلاءه مليلية. وكانت المعركة أشد ما خاضه الريفيون، واستشهد منهم عدد قليل،[22] وفي أكتوبر 1909 هاجم الإسبان من الناضور بجيش بلغ 170 ألف مقاتل ولما تأكد الأعداء من ضعف المجاهدين تقدموا نحو سلوان فاحتلوها ثم اتجهوا نحو جبل وكسان حيث المعادن ونشبت المعركة بقيادة أمزيان وكانت الهزيمة للأعداء الذين أحاطت بهم قوات المجاهدين، من كل وفر الجنرالات من ميدان القتال بالرغم من هذه الهزيمة تمكن الإسبان من احتلال المرتفعات بجبل سيدي احمد الحاج وتازوطا ومنها كانوا يقنبلون بمدافعهم للسكان، وتوالت الإستيلاءات حتى وصلت إلى واد كرت في 1909 فانسحب أمزيان مع المجاهدين من قبيلة قليعة إلى قبلة مطاسة، بينما اشتغل الإسبان بتنظيم احتلالهم في المنطق التي استولوا عليها. فبفعل الغارات التي كان يقوم بها إمزيان وأنصاره من الريفيين تمكنت إسبانيا من إخماد الثورات الداخلية ، وهيئات جنودها لمواجهة حركة أمزيان كما تمكنت من إغراء بعض القبائل بالمال وشراء ضمائرهم مما أدى إلى ظهور التقاعس في صفوف المجاهدين وتجلى ذلك قبيلة قليعة وبني شيكر ومزوجة خاصة،[23] حيث تراجع أمزيان إلى غرب كيرت كما أسفرت المفاوضات بين الإسبان والمغرب على وضع المنطقة المحتلة تحت المراقبة المشتركة للإسبان والسلطان ونتيجة لعدم استطاعة المخزن من القضاء على المشاكل التي يقوم بها الريفييون، عمل على تلبية مطالب الإسبان وكذلك الرغبة في الصراع بين الإسبان وسكان الريف.

وبناء على هذه الأحداث انعقد في 1909 مؤتمر في قبيلة مزوجا تقرر في أعقابه خوض غمار الحرب، وبالفعل عمدت جماعة من الثوار إلى مجابهة الإسبان العاملين في منجم القبيلة البويفرورية، وأرغموهم على الفرار بعد أن خلفوا في الميدان ستة قتلى، وكان جيش الإحتلال ينتظر الفرصة المناسبة للتدخل فتحرك لحماية المناجم وعسكر فيها بين السفح الشرقي لجبل كركو والبحر، مما جعلها تستورد مجموعة من الوحدات العسكرية من إسبانيا، غير أن الريفيين كانوا قد أعدوا عدتهم ،وتمكنوا من إرغامهم على التراجع نحو مليلية بعد تكبيدهم خسائر فادحة. وقد خلفت لهذه المعرك داخل إسبانيا انعكاسات عميقة،[24] وهذا ما أدى إلى التهافت وتعالت الأصوات تدعوا إلى وضع حد للمغامرة الإستعمارية الإسبانية.

وبفعل الذخائر والعتاد الحربي الذي غنمه الثوار تمكنوا من رفع مستوى الكفاح وعندما تمكنت إسبانيا من القضاء على المعارضة الداخلية، بدأ الريفييون يتقاطرون على الجبهة الغربية لتعزيز المقاومة الشعبية، كمقاومة الشريف محمد ولد سيدي الحسن، وحتى بعد استشهاده محمد أمزيان ، وهكذا تحمل الإسبان وقع هزيمتهم بوادي الديب بقيادة ضباط كبار، حيث تقهقر

 

 

الجيش الإسباني متكبدا أعظم الخسائر، وإلا أن الغدر والخذلان في صفوف المجاهدين لصالح الأعداء فانفضوا حول البطل أمزيان الذي لم يعمد معه إلا الصابرون الثابتون.[25]

وفي هذه الأثناء توجه القائد إلى قبائل بني ورياغل وتمسمان وبني سعد وبني أوليشك وبني توزين وغيرها، وصار يستنصر رجالها وذلك سنة 1910 وكان الأعداء على علم من تحركات أمزيان بواسطة خونة بعض القبائل، وكانت بني ورياغل تحرص على مسالمة الإسبان لمواصلة التعامل معهم حجرة النكور وبعدها أيقن الإسبان من تكتل القبائل استعدادا للحرب، قرروا استعمال الأسطول ضد بني ورياغل فواجهت قبائل الشاطئ في أكتوبر 1911 جيوش العدوان حتى تراجعت بأسا من الساحل وجبالة والوعرة. واتخذ المجاهدون مركزا جديدا هو أجنادة في بني سعيد ووصل إليه في دجنبر 1911 نحو 12 ألف مجاهد من قبائل بني ورياغل، بفيوة وبني بوفراح وبني عمار توتمسمان وبني توزين[26].

اتجهت هذه القوات بقيادة أمزيان إلى بازروروا بقبيلة بني بوغافر، فنشبت المعرك مع العدو بحيث هاجم المجاهدون مركزي إزحافا، وأمعروفا بقيادة أمزيان غير أنه في 15 ماي 1912 اصطدم أمزيان وهو يقوم بجولة استطلاعية بجند من العدو ولم يكن بإمكانه مواجهتهم أو تفاديهم لكثرة عددهم،([27])على انه لما تفطن إلى أنهم ريفيون من هؤلاء النظاميين المجندين من طرف إسبانيا، فتقدم نحوهم وهو يقوم بإشارات كبيرة: إنما ينوي التحدث إليهم ، غير إنه سقط سريعا قبل إن يتسنى لهم  التعرف عليه بعد التأكد  من هوية الجثة نقلت إلى مليلية، إلا أن القائد ألدافي لم ينتظر حتى هذا الحين. إذ قام منذ اليوم التالي أي 16 ماي بتوجيه خطاب إلى القبائل أذيع على نطاق واسع يقول فيه: إن الله سيد الكون قضى البارح بأن يميت في ميدان المعركة

الشريف محمد أمزيان الذي كان يحرضكم على الحرب، فكأنما تعالى به بنصحكم على العكس بالسلم، أذعنوا إذا لمشيئة الله وتقبلوا ما قدره.[28]

إن وفاة أمزيان خلال هذه المعركة، والأثر الذي خلفه  هذا الحادث داخل المنطقة المحتلة التي بقي فيها الأهالي أياما طوال متحيرين مترددين في الموقف الذي ينبغي عليهم اتخاذه لفرض ما ألم بهم من وهن، بل ومن ذهول من جراء فقدان أمزيان، ذلك المعلم الأكبر الذي يعتبرونه مبعوثا من الرسول صلى الله عليه وسلم لتخليص المسلمين من الإحتلال. ونعلم الفتور الذي نجم عن غياب هذا المجاهد من ساحة المعركة، عوض توحيد القبائل وترصيص صفوفها أمام العدو، فأصابها الإنقسام والإنشقاق. وبفقدان أمزيان فقد أهل الريف المستقل مباشرة كثيرا من حميته فقد كانت ملحمة أمزيان لهي حلم بوحدة تلاشت في نفس اللحظة التي تحققت فيها حل، حلم سيظل يراود أذهان الريفييين لأنهم لم يفقدوا الأمل في تحقيقه مرة أخرى.[29] كما أن فقدان محمد أمزيان وكأن روح شريرة أخذت فجأة في إثارة الأسر والأحقاد والقبائل بعضها ضد  البعض الآخر، وكل خصومه بين الجيران حتى التافهة منها. كانت تتحد وتتزايد كما لو أن الناس فقدوا رشدهم، بحيث يخيل أن الريفيين بعد أن فقدوا محمد أمزيان بقوا وحدهم لم يعودوا يصلون لسيء ، ضف إلى ذلك أن فقدان أمزيان ونهاية المعارك على كرت سيمكنان الإسبان من إعطاء الأولوية من جديد للعمل السياسي على العمل العسكري.[30] كما إن إخفاق أمزيان من الساحة، عاش الريفييون 9 سنوات من المقاومة المضطربة والصراعات السياسية، قبل أن يتمكنوا من تنصيب زعيمهم الثاني. وهكذا استمر الجيش الإسباني في مخططه الإحتلالي للبلاد دون مقاومة تدكر على الصعيدين الوطني أو الإقليمي إلى أن ظهر هذا الزعيم

 

الذي كان اسمه على عكس أمزيان معروفا بمحمد بن عبد الكريم الخطابي. فبالرغم من غزارة التراث النضالي المغربي ضد الغزاة وتعدد حركات المقاومة المغربية ضد المستعمر الأجنبي، فإن ثورة الريف التي خاضها عبد الكريم الخطابي تبوأت مكانة خاصة ضمن جيوب المقاومة التي احتضنت بوادي وجبال المغرب انطلاقا مباشرة مبعد توقيع معاهدة الحماية سنة 1912، وهكذا لايعود لشيء سوى لطابعها المنظم والواعي وأهدافها الواضحة التي أهلتها لتحقق حجرة عثرة في وجه المخططات الكولونيالية.[31]

 

 

المبحث الثاني: مقاومة الشريف الريسوني (1912-1924).

  1. 1. نبذة عن حياته قبل مواجهة الإستعمار.

هو أحمد بن محمد بن عبد الله الريسوني، سليل الزاوية الريسونية التي يمتد نسبها إلى الشريف مولاي عبد السلام بن مشيش والأسرة الإدريسية. بشكل عام. وقد لعبت الأسرة الريسونية أدوارا هامة في تاريخ منطقة جبالة سواء على المستوى الديني أو الجهادي. وذلك أننا إذا رجعنا إلى وقعة واد المخازن، فإننا نجد أن مولاي امحمد بن علي بن ريسون قد لعبت دورا مشهودا في تعبئة القبائل الجبلية للمساهمة في هذه المعركة. كذلك وفي معركة تطوان سنة 1860 نلاحظ أن الشريف مولاي عبد السلام بن علي بن ريسون قد ساهم بنشاط في تحفيز القبائل واستنهاض  هممها.

ورغم أن الزاوية الريسونية قد اشتهرت بالصلاح وممارسة الشأن الديني والصوفي إضافة إلى البعد الجهادي، فإن أحمد الريسوني الذي ازداد سنة 1870 قد فرض اختيارات مغايرة خاصة وأنه عايش فترة المخاض التي عاشتها البلاد خلال السنوات الأخيرة من عمر المغرب المستقل، وكذا بداية تأسيس نظام الحماية. اختار احمد الريسوني منذ حداثة سنه الإبتعاد عن متابعة النشاط الديني للأسرة الريسونية وخاصة بفرع الزينات الذي أسسه جده ليفضل بذلك الفعل في المجال الإجتماعي والسياسي.[32]  ويمكن حصر الفترة الزمنية لممارسة الريسوني ما بين أوائل التسعينيات من القرن التاسع عشر إلى حين وفاته سنة 1925 فقد طرحت بدايته نشاطه مشكلا أمنيا داخل منطقة جبالة، مما جعل السلطان المولى الحسن يصدر أمره لعامله

 

بمدينة طنجة عبد الرحمان بن عبد الصادق بضرورة القبض عليه والذي اعتمد بدوره على قائد ودراس المعلم العربي الذي أوقع بالريسوني وأقنعه بزيارة مدينة طنجة حيث تم القبض عليه وتوجيهه إلى سجن الصويرة حوالي سنة 1894 وخلال اللحظات الأخيرة من القرن التاسع عشر بدأت تفد على السلطان المولى عبد العزيز طلبات الشفاعة في أحمد الريسوني من طرف أعضاء الزاوية الريسونية، وكذا نائب السلطان بطنجة محمد الطريس، والتي أثمرت عن الإفراج عنه سنة 1900.[33]

وبعد قضاء فترة من الإستقرار والإرتكان إلى الشأن الديني، نلاحظ رجوع أحمد الريسوني إلى نشاطه غير الشرعي السابق، وذلك منذ أواخر سنة 1902 وبداية سنة 1903. وقد أدى الإنعكاس السياسي والأمني لممارسة الريسوني وخاصة نظرا لقرب مجال حركتها من مدينة طنجة التي كانت تعتبر عاصمة ديبلوماسية للبلاد إلى إرسال السلطان لحركة على هذه المنطقة لتعقب الريسوني ومحاولة القضاء عليه.[34]

ونظرا لصعوبة تضاريس المنطقة وتنقل الريسوني المستمر مابين القبائل والجبال، الذي كان ينهك المحلة المخزنية المتثاقلة الحركة فقد حاول والتر هاريس مراسل جريدة التايمز القيام بوساطة ما بين الطرفين وأثناء تنقله ما بين هذا وذاك، تم احتجازه من طرف الريسوني، ورغم عدم تحكم هذا الأخير في جميع مراحل هذه العملية فقد تم فرص إبعاد المحلة المخزنية عن المنطقة.

أما قضية اختطاف الرهائن الثانية، فتتعلق بالأمريكي بريديكاريس وصهره الأنجليزي فارلي حيث انتزع الريسوني على إثره العديد من المكاسب ومن بينها ولايته على حملة من

 

القبائل الجبلية ولم ينضبط الريسوني تماما خلال هذه الحقبة رغم وضعه المخزني الجديد حيث أدت تصرفاته إزاء المحميين والأجانب خاصة، وكذا تدخله في مجال مدينة أصيلة ومحاولة التحكم في تسييرها إلى احتجاج الدول الأجنبية والتهديد بإنزال قواتها بمدينة طنجة. وقد فرض هذا الوضع والضغط الديبلوماسي الناتج عنه على السلطان المولى عبد العزيز إرسال محلة مخزنية من جديد إلى المنطقة لمحاولة القبض على الريسوني والقضاء عليه[35] .

وبعد تطوع الأنجليزي المشهور الكولونيل ماكلين للعب الوساطة ما بين الجانبين، قام الريسوني باحتجازه حيث فرض من أجل إطلاق سراحه العديد من الشروط أهمها الحصول على الحماية الانجليزية وفدية مالية قدرها 20 ألف إبرة. وقد تزامنت تطورات هذه الأحداث مع وصول المولى عبد الحفيظ إلى الحكم، حيث انظم الريسوني إلى حركته وأعلن تخليه عن الحماية القنصلية وبقية الفدية 15 ألف إبرة. وقد تم تعيين الريسوني واليا على العديد من المناطق الجبلية بما فيها مدينة أصيلة والقصر الكبير، حيث قضى فترة ولايته  هاته في ظروف عادية.[36]

أما بعد وصول الحماية فقد تنوعت ممارسة الريسوني ما بين فترات حرب ومصالحة الشيء الذي يفسر التضارب في الأحكام حول طبيعة مقاومته وحقيقتها. فإسبانيا دشنت فترة احتلالها للعرائش والقصر الكبير وأصيلة  في ظل ممارسته للوظيفة المخزنية على جل هذه المناطق.

ويمكن القول كذلك أن جبروت سلفستر وسلوكه واصطدامه مع القائد المغربي كان حاسما في اتخاذ موقف عن مواصلة وظيفته، والإلتحاق بصفوف المقاومة. وإذا كان من غير

 

الممكن استعراض جميع الظروف التي صاحبت ابتعاده عن الإسبان ، فإن الريسوني لم يلبث أن فرض نفسه على المقاومة واحتكار زعامتها.

وتلزم الإشارة غلى أن زعامة الريسوني لحركة المقاومة بجبالة قد واجهت العديد من الصراعات والتحديات الداخلية، ونكتفي بالإشارة إلى صراعه  مع محمد ولد سيدي الحسن إلى حدود شهر أكتوبر 1915، ثم مع محمد بن عبد الكريم والصراع الذي نشأ حول التحكم في المجال الجبلي بعد معركة أنوال. أما باستثناء ذلك فيمكن إجمالا تقسيم الفترة التي شهدت زعامة الريسوني للمقاومة الجبلية ما بين فترتين، ثم فيهما اعتماد السلاح لوقف الزحف الإسباني، ثم فترتين سادت فيهما لغة المصالحة والمفاوضات[37] .

فقد عاشت منطقة جبالة على المناوشات الحربية طيلة الفترة ما بين 1913 و 1915، حيث فرضت ظروف الحرب العالمية الأولى ضرورة احترام الحياد المعلن من طرف الإسبان، واللجوء إلى المفاوضات ما بين الطرفين. وخلال فترة المصالحة تمكن الريسوني من تعزيز نفوذه، وتحقيق العديد من المكاسب المادية كما نسجل كذلك مساعدته الإسبان للسيطرة على بعض المراكز الجبلية التي كانت تعتبر ملاجئ لخصومه. وابتداء من سنة 1919 واعتبارا لأن إسبانيا لم تكن تحتل فعليا أكثر من خمس منطقتها، فقد أعطت أولوية مطلقة للعمل الحربي، كما وفرت جميع الشروط المادية والبشرية بغية تعميم الإحتلال. وفعلا تمكن الطرف الإسباني من بسط احتلاله على جل المناطق الجبلية، بنا فيها مدشرتازورت الذي كان مقرا لحركة الريسوني.

وخلال هذه المرحلة الدقيقة التجأ الريسوني إلى جبل أبي هاشم كآخر المعاقل التي كان المستعمر الإسباني مازال يطمح إلى احتلالها بغية تعميم التهدئة في كامل المنطقة الغربية من

الحماية الإسبانية. وتلزم الإشارة إلى ضخامة الخسائر المادية والبشرية التي تكبدها الإسبان لتحقيق هذا الهدف[38].

وخلال هذه اللحظات التي كانت فيها حركة الريسوني تعاني آخر فتراتها، أحدثت الجبهة الشرقية انفجارا عبر معركة أنوال. الشيء الذي دفع رجال السياسة الإسبان إلى مراجعة اختياراتهم السياسية العسكرية. وقد أدى هذا الوضع إلى تعزيز صلاحيات الريسوني من جديد، واعتماده كمحاولة لرفض شروط جديدة لعمل الحماية بمنطقة جبالة. وقد كان قبول الريسوني لسياسة الهدنة والمفاوضات من جديد، مثارا للخلاف ما بينه وبين محمد بن عبد الكريم. ونشير إلى أن جل القبائل الجبلية وزعمائها قد انضموا تباعا خلال هذه الحقبة للزعيم الريفي، مما يشرح عزلة حركة الريسوني وسهولة القضاء عليها، حيث هزمت صفوفها أمام قوات محمد بن عبد الكريم في أوائل سنة 1925. وعلى إثر ذلك تم نقل أحمد الريسوني إلى تامسنت بمنطقة الريف حيث مكث هناك مريضا إلى وفاته بتاريخ 3 أبريل 1925[39].

  1. الشريف الريسوني في مواجهة الأطماع الإستعمارية.

أدى فقدان القائد محمد أمزيان إلى توجيه كل الأنظار إلى أحمد الريسوني عامل المنطقة الأطلنتية، الذي سبق له أن أعطى دلائل واضحة عن معارضته للتدخل الإستعماري في بلاده في العقد الأخير. وكان الريسوني معارضا للسلطان عبد العزيز ومؤيدا للمولى عبد الحفيظ، واحتجز العملاء الإمبرياليين هاريس الأنجليزي وماكلين الإسكوتلانديو  بيرديكاريس الأمريكي، مرغما حكومتي انجلترا والولايات المتحدة على التدخل في مساعي الإنقاد وأداء مبالغ هامة من أجلهم. لقد كان الريسوني سياسيا متيقظ الذكاء، شديد التبصر وعلى معرفة عميقة بشعبه واطلاعه على السياسة الدولية، وكان يدافع عن مغرب حر ومستقل بدون أي وصاية

أجنبية. بيد أنه كان يعتبر أنه من الصعب التصدي للغزاة بمقاومة عسكرية محضة، ولذلك يجب على المغاربة الجمع بين الضغط السياسي والضغط العسكري[40] .

وفي يناير 1913 وقع حادث أكثر خطورة بالخالد بين بني عروس عندما طالب الريسوني 5000 دورو لإطلاق سراح المعتقلين منهم، وطالبت قرية الخالدين حماية سيلفيستري. وبعد ذلك بأيام وقع احتلال قصر الريسوني وإطلاق سراح المعتقلين ومصادرة أسلحة وذخيرة حرس الريسوني. وعندما أيقن هذا الأخير ا، الحكومة الإسبانية لم تعسفا من هذا القبيل، وضع حدا لآخر محادثاته مع السلطات الإسبانية ودعا إلى حمل السلاح في تازورت. وبأسلوب بليغ حذر الريسوني في أحد الإجتماعات سيلفيستري ممثل الإستعمار الإسباني من نوع القتال الذي ينتظره: أنت وأنا نشكل الزوبعة، أنت تمثل الريح الغاضب وأنا البحر الهادئ، تأتي وتهب غاضبا، وأهيج وأثور وأنفجر زبدا. وعندئذ تهب العاصفة. لكن هناك فارق بيني وبينك: «فبينما لا أغادر مكاني أبدا مثل البحر، أنت مثل الريح لا توجد في مكانك أبدا»[41].

وأدى احتلال تطوان في 19 فبراير 1913. إلى أن يكون لنداء الريسوني صدى أكبر من الذي كان سيكون له في ظروف أخرى. وبدأ التمرد ينتشر ويتصاعد الغليان في البوادي باستمرار، وكان الشعل تظهر في قمم الجبال ليلا كما الإجتماعات والإتفاقات والدعوة إلى الحرب المقدسة اجتاحت كل منطقة.

وكان يقال أن اسبانيا جاءت إلى المغرب لغزو البلاد وإفساد الدين والتقاليد والعدالة والعائلة. وبدأت الهجومات المعزولة وإطلاق النار على تطوان ليلا وأصبحت الطرق غير مأمونة، كما أن موقع عين الجديدة الهام وقع تحريره من طرف المغاربة، وبدأت مدريد تتخوف لما رأت كيف ينتشر أنصار الريسوني، وأمرت مفوضها السياسي ألفاو بربط الاتصال مع القائد

 

الوطني من جديد قصد تلافي الحرب. وكان الريسوني يعلم أن بيد الإسبانيين الذين يزاولون القيادة في المغرب توجد ثلاث آراء مختلفة.فبينما كان سيلفيستري يريد الحرب بأي ثمن لأنه يعتبرها الحل الوحيد الممكن، كان ألفاو يرغب في السلم، في حين أن السفارة بطنجة كانت غير مكترثة بالإتجاهين معا، وكانت تعمل من أجل إعداد مقابلة للقائد الثائر مع ألفونسو[42].

لقد تجاهل الريسوني كل هذه المقترحات وواصل مهاجمة جيوش الإحتلال، التي استولت في يونيو 1913 على اللوزيين وفقدت في نفس اليوم في ساحل الريف الزورق المسلح »الجنرال كانشا» الذي هاجمه الريفيون واستولوا عليه مما أدى إلى 16 قتيلا و17 جريحا و11 أسيرا في صفوف البحارة الإسبان. ولابد من أن نأخذ بعين الإعتبار أنه كان مسلحا بأربعة مدافع من عيار 42 ميلمتر وثلاث مدافع رشاشة، ويتكون طاقمه من95 رجلا، وفي 6 يونيو هاجمت قبيلة بني كرفط بناحية العرائش موقع كدية فريشكات ومعسكر الإثنين. وبعد أيام هاجمت أصيلة والقصر الكبير وقطعت بذلك المواصلات بين سبتة وتطوان؛ وأدى ذلك بألفاو إلى اقتراح هدنة جديدة، وشرط الريسوني عقد الهدنة بإعادة تطوان. وأمام فشله الواضح قدم ألفاو استقالته تاركا ولاية المفوض السامي شاغرة. إن تعيين الجنرال مارينا «البطل» سفاك سنة 1909 لن يفرض أي تغيير، فالمعارك ستستمر. وفي إحدى المعارك بالقرب من تطوان سيسقط المغاربة أول طائرة اسبانية من نوع «م.ف.أ» يوم 19 نونبر 1918. ومنذ 1911 الطيارون يتدخلون في العمليات العسكرية بتنسيق مع المشاة، وكانوا يقصفون الخنادق والأسواق والطرق والمحاصيل والممتلكات والمستشفيات والمدارس والأحياء المدنية والسكان المدنيين. كما أنهم كانوا يضربون المقاتلين بالمدافع الرشاشة ويأخذون الصور والرسوم الطوبوغرافية إلخ. واستعملت السفن الهوائية أيضا منذ 1909. وفي نفس التاريخ اقترحت  مجموعة من الرأسماليين الألمان عرضا غير مألوف على الحكومة الإسبانية. وحسب صحيفة الأمبرسيال ليوم 13 دجنبر 1913، فقد عرضوا مساعدة الإسبان للوصول إلى اتفاق مربح مع الريسوني مقابل تنازل الاسبان عن كل حقوق الإستغلال داخل المنطقة لفائدتهم. وبعد الوصول إلى هذه الإتفاقية يجب على الإسبان سحب جيوشهم من المدن الساحلية التي كانوا يحتلونها قبل إقامة الحماية. وقد رفض هذا الإقتراح. وجاء العام الجديد 1914 بالحرب الأوروبية الأولى ومعها تقلص النشاط الذي يجري في المغرب. ومع انخفاض عدد الجيوش الفرنسية التي كانت بدورها تنظف منطقتها من العناصر غير المرغوب فيها. اعتبرت مدريد أن عليها أن لاتدهب أبعد ما يجب، وأصدرت التعليمات للتفاوض مع الريسوني مرة أخرى.([43])

وصادفت وفاة المقيم العام كومنت خوردانا نهاية الحرب العظمى الأولى وعودة اهتمام فرنسا من جديد للقضايا الإستعمارية، مما سيؤدي إلى تزايد التدابير العسكرية لسحق المقاومة المغربية وبدأ المقيم العام الجديد برينكر بفرض إجراءات زحزحت سلطة الريسوني. فاحتج في رسالة بعثها إلى رئيس القيادة العليا الإسبانية الكولونيل كومنت سوسا في فبراير 1919 على أعمال العقاب الجماعي في حق السكان. وفي نفس الوقت بعث برقية أخرى إلى المقيم العام يعلن فيها شن حرب جديدة، وعلى أحمد الريسوني استنهاض القبائل الجبلية، وعلى عزل الإدارة الإستعمارية الإسبانية، وقامت قواته بقطع الطريق الرابط بين تطوان وسبتة، والطريق التي تصل بين طنجة والعرائش.

وقد عرفت سنة 1920 إصرار القيادة العسكرية العليا على استكمال احتلالها لمنطقة جبالة، بحيث بلغت النفقات العسكرية الإسبانية رقما قياسيا جديدا هو 581 مليون بسيطة وارتفع عدد الجنود الإسبان إلى 166 جندي وتم توحيد القيادة العسكرية تحت سلطة برينكر.

ونتيجة لهذه الإستعدادات تمكنت القوات الإسبانية بقيادة الكولونيل كاسطرو خيرونا من الإستيلاء على مدينة شفشاون، وبعدها بأيام قليلة أخضع بني يسف وبني زكار. والتقت قواته بالجيش الفرنسي الذي كان يزحف على الضفة اليسرى لنهر لوكوس والذي أتم سيطرة على مدينة وزان. وهكذا تمكنت القوات الإسبانية من إزالة نفوذ الشريف الريسوني تدريجيا عن منطقة جبالة، وبينما شرعت حركة الريسوني تضعف رويدا رويد. أخذت تظهر حركة مقاومة في شرق الريف سطع نجمها بزعامة محمد بن عبد الكريم الخطابي، والتي يمكن أن نعتبرها امتدادا لحركة المقاومة التي قادها أحمد الريسوني غرب الريف[44] .


المبحث الثاني : مقاومة محمد بن عبد الكريم الخطابي (1921 – 1926)

1 – نبذة عن حياة محمد بن عبد الكريم الخطابي

هو المجاهد المغرور و المبرور بطل الريف وموقدنا الثورة عن الاستعمار الغربي في افريقيا و اسيا محمـد بن عبد الكريم الخطابي نسبه الى آل الخطاب فخده من بني ورياغل إحدى قبائل الريف الكبرى. ولد سنة 1882 – 1304 هـ، بأجدير و كان والده كما سبق الذكر من الفقهاء. تولى القضاء في قبيلتهم بني ورياغل فحرص على تربيته و تعليمه تربية عالية،[45]فعني بتعليمه حسب المنهاج التقليدي. و قد قضى أبنه محمـد فترة من شبابه في معاهد تطوان ثن توج دراسته في جامعة القرويين التي كانت يومئذ أقدم معهد و أحسن مؤسسة جامعية لتلقي العلوم الاسمية في المغرب. وما أن عاد الى الريف حتى انتدبه الاسبان للعمل كمعلم في إحدى المدارس الابتدائية في  مليلية ثم كاتبا بالإدارة ، و بعد إعلان الحماية على المغرب أصبح محمد بن عبد الكريم الخطابي قاضيا على فرخانة » ورئيسا محكمة الاستئناف الشرعي التي ترقع إليها أحكام القضاة في المنطقة المحتلة، وقد ارتبط كذلك بالعمل الصحافي إذ حرر طوال سنوات ركنا ممن جريدة برقية الريف » telegram de rif«  هب باللغة العربية.

و هكذا كان محمد بن عبد الكريم من أول الصحفيين الذين ظهروا بالمغرب في أوائل عهد الحماية، و من ثم أتيحت له الفرصة باستمرار عينيه على العالم المعاصر و العي بتخلف بلاده عن قافلة الحضارة. ولتنصت إليه وجه الخطابي للمغاربة في أحدى أعداد البرقية الريف.

 

إذ يقول إن أكثرنا يعيشون في الفقر. وما عليكم إلا أن تقتدوا بالأوربيين لكي تنعم عليكم أرضكم بالخبز و الفوائد…فهي عناية بالموارد و ما أطيبها و أجملها أرضا. لوزعت كما يزرع الأوربيون أراضيهم…. و غير خاف عنكم أن أهل تلك البلاد يتدارسون شؤونهم ليقللوا من أتعابهم. فأمام صعوبة العمل الفلاحي تطورا وضعوا الآلات الزراعية، أما أنتم فمازلتم و يا للأسف تشتغلون بالمحركات الخشبية و الفأس و غيرها من الأشياء العتيقة.[46]

و قد تقلد منصب قاضي في مكاتب الشؤون الأهلية التي كانت توجه  من مليلية كل نشاط السياسي ، و هذا المنصب ذو لول كبير لأنه إذا كان يحق للإسبان توظيف محمـد أو أي كان في مصالحهم الخاصة فغنه لم يكن بمقدورهم مد اليد للأطر المغربية دون اغتصاب اختصاصات السلطان في عقر داره. كان محمـ{ يدرك ذلك و تبسمه لقب القاضي من اسبانيا لا من السلطان فإنه اقر لا أقل و لا أكثر بأن المنطقة استدلت عاهلها ، و هذا صحيح إلى حد انه لم يكتف بمجرد اعتقاده ، بل كتبه علانية خصيصا لأولئك الذين كانوا ما يزلون يقاومون المحتل، متذرعين بالسلطان فذكر: كانت قلعية في ذلك الوقت من غير حكومة ، و لأن تحكم عليها الدولة الاسبانية ، و نحن والدولة المذكورة تصافحنا على الصلح و الانفصال »، ومع ذلك فمن المثير للإستغراب أن نلاحظ أن ما كان يملك نفسه حسه و شعوره هو مستقبل بلاده، وأن المغاربة ظلوا محو افكاره المحمسة : أصلحوا أنفسكم، حدثوا بلادكم  على النمط الأوربي : ذلك حسب صيغ مختلفة هو مدار و عضه في التغراما:  » هذه نصيحة للمسلمين، أيها الإخوان أنا أريد الإصلاح ما استطعت، و ما  توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أونيب، و لا تظنوا أننا أردنا النصيحة لكم و الإصلاح لبلادكم لكي تستنفعوا بها كثيرا لأننا رأينا منكم ضعفا و لأجله أردنا أن تستمعوا لما  نحن قد وضعناه لكم قبل هذا و بعد ومما يأتي ذكره لأن بلادكم لو كانت مثل بلاد

 

أوربا لرجعت عليكم بضاعات الربح اقل من لمح البصر، لأن بلادكم تأملنا ما فيها من كثير من المنافع و ما أحسن تربيتها لو كان مخدومة بما تخدم بلاد الريفيين »[47]

ومما  تجدر الإشارة  أليه أن هذا الشاب قد أخلص في عمله مما أدى بالمسؤوليات الاداريين الاسبان الى توشيح صدره بعدة اوسمة اسبانية و كانت تقلبات بن عيد  الكريم في أجهزة الإدارة المختلفة فرصة للتفتح على كل ما يجري داخل و خارج البلاد و الإطلاع عن كتب على الأساليب الاستعمار و على نويا العدو و أسراره . فهل كانت اسبانيا واعية بما تفعله؟[48]

إن الوجود الاسباني في المغرب تميز عن الوجود الفرنسي بعد إشراكه الأهالي في تسيير شؤون البلاد المختلفة ، فالإسبان حاولوا فرض إدارتهم و القضاء على الجهاز الإداري المغربي بينما خلق الفرنسيون جهازا إداريا عصريا بجانب الجهاز الإداري المغربي العتيق، وقد سمحوا للمغاربة بالانخراط في هذا و ذاك. ام إسبانيا فبفتحها أبواب الثقافة و الحضارة والإدارة في وجه بعض أبناء أعيان الريف، كانت تأمل أن يبتعد هؤلاء الشباب عن مجتمعهم، وبذلك يفتحون لها أبواب الريف دون اصطدام و عنف.

أما اتصالات بن عبد الكريم بالشخصيات الإدارية و السياسية و العسكرية و ربطه علاقات بمهربي السلاح النمساويين والالمان و مخاطبته للعناصر الاسبانية و اتصاله بالسلطان عبد الحفيظ المخلوع و المقيم بتطوان، كل هذا جعله يطمع إلى مركز القيادة والزعامة و ربما إزالة التهم التي الصقها وجوده ووجود أخيه بمليلية و الثاني بمدريد، فلا بد أن يمد أباه بأخبار وأسرار و نوايا العدو. كل هذه الأنشطة جلبت على عبد الكريم  غضب المسؤولين الاسبان[49]، حيث ثم اعتقاله سنة 1915 واتهامه بإدلاء تصريحات خطيرة و غير لائقة لرئيس مكتب الاهليين في الحسيمة . و يمكن تلخيصها فيما يلي: إنه يكره فرنسا ، و إنه معجب بألمانيا  ويتمنى أن يؤدي انتصار هذه الأخيرة إلى تغيير وجه المغرب. و إعطاء الاستقلال للريف الغير المحتل ، و أن حزب الشباب التركي ( الفتاة) يعمل من اجل ثورة إسلامية ضد حلفاء و أنه يتبنى هذه الأفكار هو و أبوه » مصالح استعمالات المرقبة الاسبانية .

وفي محاكمة يوم 12 عشت 1917 أدلى بتصريح شديد اللهجة ضد الامبريالية الأوربية، وسجن بن عبد الكريم في قلعة: كابالبريزاس في مليلية ، و أدت محاولته الفاشلة للهرب إلى إصابته بكسر في الرجل و مخمع دائم على اثر وثبة من إحدى نوافذ السجن. وفي سنة 1918 أطلق سراحه،[50] بعد مضي إحدى عشر شهرا ،  فرجع إلى وظيفته لكن دون ابتهاج ولا تحمس . و في تلك الآونة استأنفت اسبانيا هجوما على القبائل الرافضة للإستسلام وخصوصا منها : بني بياحي والمطالسة. و خلافا لما واعدت به القاضي عبد الكريم اختارت اسبانيا سياسة القوة ، و في أواخر 1918 عاد بن عبد الكريم إلى قريته أجدير بصفة نهائية استجابة إلى طلب والده، كما عاد أخوه الأصغر من مدريد و رفض هو و أخوه العودة إلى مليلية.

 

وبذلك انتهت صفحة من تاريخ حياته الشخصية و تاريخ الريف، و بدأت صفحة جديدة.[51] كانت بمثابة الانطلاقة الأولى لمحمد بن عبد الكريم الخطابي اتجاه الثورة . و في هذه الآونة بين سنتي 1918 و 1920 عرف الريف هيجانا كبيرا مبعثه المقاومة المتصاعدة التي

كانت تقوم بها القبائل من وراء خط كرط، و بالخصوص ذري جبال » كركر » في بلاد بني بواحي حيث المقاومون الريفيون من كل جهات، و انعقد اجتماع للرؤساء الريفيون في سوق: جمعة أكن و كان الغرض منه دعوة القبائل لتوحيد كلمتها واستنكارا كل خضوع لإسبانيا وتوجيه المتطوعين إلى كركر و إنها لا وقائع تبرهن على مدى الوعي السياسي الذي كان يتحلى به اهالي الريف،  ذلك قبل ان يشرع بن عبد الكريم في ثورته الكبرى.

وإثر وفاة الجنرال  » خوردانة » المقيم العام المعروف سياسته المرنة طرا على السياسة الاسبانية بالريف تغيير كبير ، ارتبط باسم الجنرال الجديد سيلفستري الذي عين قائدا عاما بمليلية تحت رقابة الجنرال برنجر و ترتكز هذه السياسة على استعمال القوة و إفهام المغاربة أنهم شعب مغلوب، وان علاقتهم مع اسبانيا يجب أن تكتسي صبغة علاقات بين غالب ومغلوب.[52] و مباشرة بعد تعيينه في يناير 1920، بدأ يهاجم الأجزاء الخارجية عن سلطة اسبانيا في الريق طبقا لتصميم كان قد سهر على وصعه بنفسه . كان يغلب عليه الطموح قوي عززه باتصالات شخصية بالملط ألفونصو 13. وقد كان مخططه يهدف إلى إخضاع الريفيين بكسر قوتهم من الوسط أي القيام بهجوم مباغت على خليج الحسية في جوف أراضي بني ورياغل، وكان يعتقد أن باستيلائه على مدينة أجدير ستفتح أمامه طريق النصر النهائي ، و كل هذا باعتماده على قوة عسكرية في مليلية فوامها 24000 جندي  بالإضافة إلى الحامية الموجودة في جزيرة نكور.

وهذا ما جعل القاضي عبد  الكريم أن يشعر بان الأمر بات يعنيه أكثر من غيره، فما كان منه إلا أن قام على رأس مقاومة .. و نظرا لحالة الاستعمال التي صار إليها الوضع العسكري أصبح من الضروري الإسراع بوضع خطة دفاعية ذلك أن دخول جيش سلفيستري إلى دار الدريوش كهرب الجو  بالنسبة لعدة قبائل التي باتت أن مصيرها مهدد بصفة مباشرة و استطاع القاضي عبد الكريم اوسط 1920، أن يقيم حلفا بين تلط القبائل على اختلافها، وأن يجعل منها على توجيه حركة  مشتركة الى تافريست و هكذا سلم له الجميع بمصب الرياسة[53] و قد اتخذ من ولده محمد مساعدا أولا ، إذ كلفه بمهمة أساسية ألا و هي تنظيم وسائل الدفاع. تلك هي الظروف التي كانت تجري على مسرح الأحداث عند انضمام الابن محمد إلى أبيه عبد الكريم، و أثناء حصار تافريست وافت المنية الأب عبد الكريم اثر المرض الذي أصيب بع بأجدير 7 غشت 1920.

« و بعد وفاة أبيه أصبح بن عبد الكريم يتقلد زمام المسؤولية و الأشراف على حياة قومه، و خبرته الواسعة و مساندة الأعيان و رجال بعض الزوايا جعلته يتبوأ بدون معارضة كرسي الزعامة للمقاومة المسلحة في الريف الشرقي . إن هذه الأحداث تبين أن حركة بن عبد الكريم لم تكن مستوحاة من مغامرة ارتجالية تهدف إلى انتقام من الاسبان لمواقف شخصية كما لم تكن تستهدف الاستيلاء على السلطة و كسب الجاه، أو الاستحواذ على خيرات الريف و مناجمه بل كانت حركة بن عبد الكريم امتدادا طبيعيا لأعمال جهادية مقدسة و لنضالات تحريرية مسلحة قام بها أبناء المنطقة منذ اليوم الذي تطاول فيه الأجنبي على ارض الريف.[54]

2 – واقعة أنوال:

في أول يوم من شهر أو الثالث منه، وفقا لبعض الإخباريين من سنة 1339 هـ 1921م، انطلقت المعارك بهجوم المجاهدين بن علي مركز  » ادهارأويران » و  » اغريين » و أنوال ، حيث انهزم الاسبان في 21 يوليوز 1921 الهزيمة التي عرفت بهزيمة انوال.[55] وقد كان لهذه الهزيمة انعكاستها الكيرة على المستقبل السياسي لإسبانيا و في المقابل أعطت للمجاهدين شهرة عالية.

ففي بداية يونيو تم عبور نهر امقران بالرغم من الانتظار كان عبد الكريم قد وجهه والذي قد أعلن أن القيام بتلك الخطوة يفرد الحرب و كان سيلفيستري كان يعتقد أنه سيصل بسرعة إلى الحسيمة.[56] و لم يأخذ مأخذ الجد تهديدات القائد البربري الذي حاول استرجاع إظهار ابردان و ذلك للهجوم على الجيش الاسباني بواسطة 500 من المجاهدين، و قد كان الاسبان مستقرين في رأس هذا الجبل مطمئنين بسبب انتصارات و لا يفكرون في القيام بأعمال عنف و لما رأى المجاهدون أخذو يطلقون الرصاصة بصفة فوضوية و كانوا المجاهدون لا يتوفرون على أسلحة نارية كثيرة فاستعملوا السلاح الأبيض خلال هذه المعركة و قد انتصر محمد بن عبد الكريم في هذه المعركة الكبرى الأولى ضد الجيش الاسباني.[57] فطان لهذا الانتصار فوائد عديدة ، فقد استفاد الجيش   الريفي من العتاد الذي جعل عليه في هذه المواجهة و الذي ستستعمل المعارك المقبلة ، إضافة إلى انتشار خبر استرجاع  » ادهارابران » جعل القبال الريفية المتمردة تطلب من محمـد بن الكريم الانضمام  إلى قيادته والمحاربة إلى جانبه. و هكذا استطاع الزعيم الريفي أن يجعل في خدمته ثلاثة آلاف رجل مستعدين لكل شيء و ذلك خلال بضعة أسابيع. و قد شرع محمد في بناء المواقع الدفاعية وتنظيم الجيش الريفي و اختياره قادة عسكرين محنكين، و أقام مركزا للمقاومة في حالة ضرورة الرجوع بين  » سيدي  ادريس  » تمسمان » وتيزي عزا  » بني توزين[58].

وهكذا فقد لعب التنظيم و التنسيق و كل الاستعدادات التي قام بها محمـد بن عبد الكريم، دورا هاما في الانتصار الذي حققه المقاومة المغربية بعد ذلك فلم يكن محمـد متسرعا، ب أخذ ينتظر ساعته، أما الجنرال سيلفستري فكان يعتمد على تفوقه العددي. و قد أرسل إلى المجاهدين انذارا و هاجم بويان فهزم الجيش الاسباني ثانية و استطاعت القبائل أن تستولي خلال هذه المعركة على عتاد كبير. فقرر محمد بن عبد الكريم بعد هزيمة الجيش الاسباني الثانية القيام بهجوم قوي على القيادة للجنرال سلفيستري في أنوال.[59] كل تلك الانتصارات و التجهيزات التي قام بها قائد المقاومة هي التي شجعته بخطوة الهجوم ففي 16 يوليوز 1921 لم تتمكن الكتيبة للتموين القادمة من أنوال من فتح طريقها إلى أغربين و مرة في اليوم والموالي غير أنها لم تعد حيث حصرت من طرف الريفيين، و أرسلت كتيبة للنجدة من أنوال يوم 19  إلا أنها لم تستطع الوصول الى الموقع المحاصر  أن أحد الذين نجوا أن الجنود المحاصرين في اغربيين استنفذوا كل مدخراتهم و أن نقصان الماء أدى بهم إلى مقعل الأطراف المتبللة  من الحجارة  و إلى شرب البول بالسكر. و لم انتهى اليوم قاموا بمحاولة يائسة للإفلات من المصيدة التي وقعوا فيها و لم ينجح في الالتحاق بجنود سيلفستري  و لم يبقى منهم على قيد الحياة بعد هذه المنحة.[60] و بهذا عبر المجاهدون عن استيائهم و كراهيتهم للأسبان الطامعين في الاستلاء على أرضهم و انتقموا

 

من مظالم الجيوش الاسبانية التي كانت تقتل الريفيين دون محاكمة و كان المجاهدون يحتلون جميع المراكز الاسترتيجية المحيطة بأنوال و اخذو بأمر من زعيمهم يوجهون المياه الجبال إلى المنطقة التي تحيط القيادة العامة الاسبانية في انوال فترتب عن ذلك وحل جعل الجنرال يتخذ قرار محاربة المجاهدين باستعمال جميع جيوشه للخروج من المأزق و كان عدد هذه الجيوش 19 ألف رجل تتوفر على عتاد كثير و 50 مدفع ثقيلا.[61] و بالرغم من العدد و العتاد الذي يتوفر عليه الجنرال إلا أن كان محدود التفكير فلما عاد هاربا من اغربين إلى أنوال كان يعتقد انه بامكانه الرجوع الى مليلية بعد خمسة أيام في محاربة المجاهدين الذين لم يكن عددهم يتعده 5000 رجل و قد استطاعوا تطويق أنوال فحاول الاسبان الخروج من المأزق و لكنهم لم يحققوا هدف فرفعوا العالم الأبيض إرسال مفاوضين. فأجاب ستون ريفية على طلب الاسبان و ذهبوا إلى مركز الجنرال بدون سلاح، وعندما دخلوا إلى القلعة أقفلت الأبواب أطلق الرصاص عليهم لاهم ثوار، فكان الأثر المتوخي عكس ما تمناه الاسبان. و اجتاحت موجة من السخط صفوف المجاهدين أدت إلى هجوم حماسي عجل سقوط أنوال.[62] و كان المجاهدون لإخوانهم الذين قتلهم الجنرال الاسباني بدون شفقة و لا رحمة أكثر فقد قتلوا 16000 عسكري اسباني في أنوال بما فيهم ضباط القيادة العامة، و انتحر الجنرال سلفستري بعد ما أرسل أوسمته مع جماعة من الجنرال إلى مليلية ، و  أسر المجاهدون عدة فئات من الجنود الاسبان[63] فأدى إلى انتحار سلفستري الى تشتت صفوف الجيش الاسباني المتبقي من المعركة والد أصابه الرعب فشرع الجنود في الهروي عام دون قتال. وفي الثاني من غشت 1921 تم تحرير الناظور من طرف الريفيين و الثالث من نفس الشهر فتحوا سلوان و بعد ذلك بأيام خاصروا جبل العرويت و عرضوا الاستسلام على

 

المحاصرين غير أن المبعوثين الريفيين للتفاوض ثم اغتيالهم مما أدى إلى الموقع بنيران المدفع و البنادق يوم غشت و في نفس اليوم استسلم الموقع.[64]

لقد كان عدد المجاهدين بين الذين شاركوا في معركة أنوال قليل جدا مقارنة مع الجيش الاسباني فقد كان عددهم في البداية 5000 مجاهد فقط كما سبق الذكر قد انضم إليه بعد الانتصار الأول الذي استرجعوا قفيه  » ظهر تران  » عدد من المجاهدين من القبائل المتمردة فأصبح العدد 6000 مجاهد و رغم ذلك لم يكن المتوقع أن هذا العدد القليل من المجاهدين سيصهد أمام الجيش الاسباني الذي كان يتألف من 24000 جندي من الأهالي المجندين كمرتزقة لكن الحقائق التي ظهرت بعد 21 يوليوز كانت مدهشة و لم يسع الحكومة الاسبانية إلا

أن تعترف بأنها خسرت 8000 قتيل من جنودها في أنوال، و في الحقيقة مان القتلى يتجاوز ذلك بعدة آلاف و كان الخسائر الاسبانية في المعركة على الشكل التالي:

18000 قتيل ،  و في مقدمتهم قائد الحملة الجنرال سيلفستري

1100 اسير و في مقدمتهم الجنرال بافارو.

غنم 19504 بندقية و 352 رشاشا و 129 مدفعا إضافة إلى المواد العسكرية الأخرى كالملابس و الخيام و العربات.[65]

فكانت هذه الهزيمة هي الأداة التي أعطت لعبد الكريم الإمكانيات لتنظيم الجيش حربي لم يكن بإمكانه اقتناؤه فضلا عن ارتفاع المعنويات أنصاره بعد هذا الانتصار و الثقة في الذفر مجددا .

وبعد تحرير كل الريف وضل الريفيون إلى حدود أبواب مليلية نفسها حيث كان الرعب يسيطر على المدينة و كان دخول عبد الكريم منتظرا من حين إلى أخر[66] و لو فعل ذلك فمن المؤكد أنه كان سيحرر مليلية أيضا و يكبد الاسبان خسارة كبيرة.

 وبهذا فقد وقع عبد الكريم كما أكد ذلك من بنفسه من خلال مذكراته بموزاة النصر الهائل الذي حققه في خطا شنيع الإضاعة الفرصة احتلال مليلية و هو أمر كان من الممكن أن يتم في سهولة ويسر لأن القوات التي بقيت هناك كانت قليلة العدد و غير قادرة على المقاومة. و كانت القوات المسلحة الريفية قد وصلت إلى ضواحي المدينة عند ما أمرها عند الكريم بالتوفيق. و الراجح أن مانت ستعاني الامريين قبل تعويضها الخسارة المتمثلة في ضياع نقطة الإمداد الوحيدة في المنطقة الشرقية التي كانت خاضعة للحماية و ضياع أهم ميناء على إمداد السواحل المغربية المتوسطية.[67]

وهكذا أضاعت فرصة استرجاع مليلية لكل سهولة من يد المغاربة ، و ذلك بسبب انعدام القرار الريفي و ليس بسالة جيش مهزم و لكن بالرغم من ذلك فالثورة الريفية في طريق الانتصارات.

3 – نتائج أنوال على الصعيد المحلي:

إذا كان هذه التناقضات ، و الواقع ان الجيش الذي خرج لتمدين اليد أكين – حسب زعم الاسبان – قد فقد جميعه، و مهما يكن من أمر يكن أمر فإن الاسبانيين قد خسروا  منذ استلائهم على ظهر ايران في 31 مايو : 20000 بني قتيل و جريح و أسير[68]أما الغنائم فكانت 150 مدفعا و 2500 بندقية  و 10000000 رصاصة بالإضافة إلى هذا 200 مدفع و1000 رشاش و 300000 بندقية ، و جميع البهائم و الالات الحربية الاخرى[69]

وإذا ما رجعنا إلى إحصائيات الاسبانين أنفسهم عن خنازير معركة أنوال ، فنجدهم يعترفون نفقد 14و772 رجلا و 29504 من البنادق و 392 مدفعا ورشاشا و 129 مدفع ميدان، علاوة على 570 أسير. [70] و علينا ان نعترف بأن هذه الهزيمة التي لحقت الاسبانيين في أنوال علي أي جيش الأوربي قد ذاق مثل هذه الهزيمة الساحقة على أيدي أحرار الريف ، كانت أكبر وقعا من الناحية النفسية عنها من الناحية المادية ، و لم يكن أي جيش اوربي قد ذاق مثل هذه الهزيمة الساحقة على ايدي الوطنيين في ما وراء البحار منذ هزيمة القوات الايطالية في عدوة سنة 1898.

لقد وصلت جميع أنباء إلى برينجر عن الهزائم التي مني بها جيش اسبانيا، و لم يعد بين مليلية و الريفيين الظافرين المتدفقين بالألاف سوى عدد ضئيل من الجنود، فأصدر أمره إلى: » التريسيو: الفرقة  الأجنبية  » بالتوجه من تطوان إلى سبتة ، و ركوب البحر . و قد  أمريان   بمرافقة الثمانية آلاف جندي ، وكان وصولهم إلى مليلية في سرية تامة . كما كانت القوات

 

القادمة من اسبانيا مثلهم في العدد[71].أما ابن عبد الكريم فبعد ما قضى بضعة أيام في أنوال الإشراف على دفن الموتى و تجميع و السلاح و جمع الأسرى، التحق بالمجلس الذي عقد في مليلية . و عندهم ما تكلم القادة أو أعضاء المجلس ليلقي كلمته، فكان بمثابة قرار عاش كي يؤهله لكنه لم يأسف له مطلقا.[72] و على الرغم من كونه المنتصر في جميع المعارك فان مرتبته لم تكن سوى قاض مدينة صغيرة ، لكن انجازه العظيم يؤكده بقاعة المجلس لقيادة غير الشعبية ، لقد توجه إلى قادة القبائل : » و مهما يكن من أمر فليست هي تلك طريقة في خوض الحرب  » وبعد أسابيع قليلة أصبح عبد الكريم الزعيم المعترف به الريف.[73]

على كل فقلد استمرت الإمدادات حتى أصبحت 36000 جندي أواخر غشت، و في منتصف الشهر التالي بدأ الهجوم المضاد ابتداء من مليلية، يقوده المتقدم. ميلان اسريبي فاسترجع الناظور فوجد جنود الفرقة شوارعها مسدودة بالجثث و قتل أو جرح 61 ضابطا من بينهم أسريي، و لقد قاوم الثوار الهجوم بشجاعة فائقة . و في أوائل أكتوبر اتخذ فرانكو الطريق إلى عرويت  » طريق الآلام » كما سماه نظرا لكثرة الموتى التي وجدها داخل الحصن فعمد جنود الفرقة الأجنبية في البرد القارس و تحت الأمطار الغزيرة إلى سكب البترول وحرقها ،أما التي وجدت في الطريق فقد تركت وشانها.

واستعد لسيان مرة اخرى للزحف على الناظور فتسابق المجاهدون إلى معسكر  » إزروهمار » بقبيلة قليعة لكنه في النهاية سقط بيد اترسيو[74]

 بالإضافة إلى هذا فقد وجد الأمير عودته إلى أجدير دون محاصرة مليلية[75] و نذكر من بين هذه المشكل التي قام رؤساء الفتنة من بني زرياغل الذين لم يعجبهم هذا الانتصار بسبب ميولهم للإسبان، ذلك في الوقت الذي لبي فيه ابن عبد الكريم نداء القبائل ورغة حيث اصطدم بزعيمها عمر اجمد الذي  دبر مكيدتين بايعاز من شعيب الدردوشي، و استمرت المنا و شات ثلاثة ايام و كادت الفتنة تؤدي إلى حرب بين الفئتين ، و ذلك في الوق الذي عقد فيه مؤتمر فيه زاوية من زوايا عشيرة المرابطين اذ خضر جميع الزعماء بني ورياغل و ابقيوة، و بني عمرت و تاركيش حيث استمعوا إلى جدال عنيف بين الأمير و الدردوشي ، كما راجحت اشاعات تقول بأن اغتيال احمد بورجلة كان بوحي ابن عبد الكريم.

وفعلا استطاع أن يذلل هذه المصاعب حينها تفادي السؤال الذي وجه اليه في الاجتماع عن تافريست، فقال الامير  » أنا لا أصنع ضغينة دموية.[76]

وسوف يجلب غالى التفريستي العداوة ، و في الاخير اطلق سراحه و كانت محاكمة تافريستي في الحفل الذي اقامه بنو ورياغل بمناسبة النصر،، وولادة بن عد الكريم الخطابي الأول فحمل اقرباؤه الهدايا ، و لكنه قبلها  منهم على أساس أنها للدولة و ليست لنفسه، وأخيرا ابن عبد الكريم رجال القبائل المجتمعين، اذ قال  » إني أعلق قانونا جديدا » غن رجلا يقتل رجلا آخر بدون مبرر يجب أن يقتل و بعد هذا اهتم بتنظيم الدولة القبلية التي اعترفت به كزعيم لها، فكان سلكانه على نفوذ الشخصي و خلقه وحدها.

إن نظر ابن عب الكريم المستقبل هي التي جعلته ان يقوم بتنظيم حكومة قوية خوفا من تأر الاسبان فبمجرد انتصاره في أنوال اشعر سفراء انجلترا و أمريكا و فرنسا و ايطاليا في طنجة[77]. وفي سنة 1923 أعلن استقلال الريف، و فيما يلي نداء من الجمهورية إلى جميع الأمم: » تحت جمهور الريف مؤسسة في يوليوز 1923 نعلن و نشعر الدول المشتركة في معاهدة الجزيرة الخضراء لعام 1906 بان المطامع العيل التي أدت إلى تلك المعاهدات لا يمكن أن تتحقق، إن بلادنا تشكل جغرافيا جزء من إفريقيا و مع ذلك فهي منفصلة بصورة واضحة عن الداخل أننا ندافع عن أرضنا ضد غزو القوات الاسبانية التي تفرض علينا الحرب متضرعة بمعاهدة الجزيرة الخضراء و سوف نثابر على ذلك حتى نحصل على السم و الحرية الاعتراف باستقلالنا ضمن أراضي جمهوريتنا الكاملة..

و قد تفطن الأمير إلى أن الانتصارات الحربية غير كافية لبلوغ هذه المراتب خصوصا و أن الاستعمار الأوربي ينظر إلى الأقطار الشرقية نظرة احتقار ، و لا يسمح لنا أن نحرز أبطالا على حساب سمعته[78] لذلك ارسل الامير سنة 1923 بعثتين الأولى إلى فرنسا مكونة من أخيه و حمادي الحاكمي، و مكتا في باريس ما يقرب سنة دون جدوى إلا ما كان في اتصالهما مع الأحزاب الاشتراكية التي أظهرت  تفهمها. في حين سافرت التالية إلى لندن عن كريق طنجة و تتكون من احمد بوجيرو عبد الكريم حيث طالب مساعدتها من اجل عرض قضية الريف على عصبة الأمم و في الأخير رجعا مقتنعان بالمبدأ القائل  » الاستقلال يؤخذ و لا يعطى ». و مهما ي يكن من امر فإن بن عيد الكريم قد نجح اخبر باستخدام الية اللفيف في تحقيق الوحدة القبلية، و تبنت القبائل الريفية الثماني عشر نظامها مهاكما أضمت قبائل أخرى ، و كان هذا الاتحاد يتطلب  » رئيسا للدولة » مما جعله يسمي نفسه بأمير الريف » و رفض لقب السلطان[79] وأحاط نفسه بأقربائه و أصدقائه الخاصين و أنهم كانوا مرتبطين به لأواصر الدم. كما نظم الأمير جيشا منظما تنظيما دقيقا على نفس أسلوب الجيش النظامي من ناحية التسلسل  » و كان هو الرئيس الأعلى و نائبه أخوه.[80]

وفيما يلي رصد الشخصيات التي تبنت مهام الدولة:

المكلف بالملية – عمهم عبد السلام

المكلف بالدفاع – عبد السلام البوعياشي

المكلف بالخارجية – محم أزرقان المعروف بأخرطو.

المكلف بالقضاء – محمد بن صالح التمسماني

المكلف بالضرائب – عمر بن محمد

المكلف بالاحباس – احمد اكرود

المكلف بالداخلية – اليزيد بن حاج حمو

المكلف بالبروتوكول – حدو بن ريان

أمين صندوق الجيش – علي بن محمد بن فطومة

التصرف – محمد بوجبار

مفتش البحرية – حدو بن علي المعلم.

كما حددت سن المحاربين ما بين 20 و 60 سنة. و كان التنظيم كالآتي : قائد الطابور تحت امرته 300 مقاتل بمساعدة قواد، كل واحد منهم يرأس مائة، و كل واحد من هؤلاء يساعده قائدان ، و تعداد كل واحد منها 50 مقاتلا و هذان بدورهما يساعدهما 25 قائد ثم في الأخير قائد 12 و قائد 13.

و لقد كان الجيش خاضعا في إدارته لقريبين من أقرباء ابن عبد الكريم[81] إذ كان محمد بودرة مسؤولا عن الدفاع و صهر الأمير محمد عتمي مسؤولا عن التدريب، أما القول بأن هذا الجيش كان يقوم بتدريبه الأجانب، إنما هو افتراء، فلم يكن من هذا الجيش النظامي سوى أجنبيين، احدهما يوغوسلافي و الثاني ألماني يقوم بإصلاح المدافع و الرشاشات. و على كل حال يمكن القول بان الجيش الريفي النظامي إنما هو من صنع شعبه وحده، و لم يتجاوز 5000 مجاهد في تعداده، و يكبر بقعل المتطوعين أن اقتضت الضرورة حيث يصل في بعض الأحيان إلى 25000 ، و يكون لباسهم من عمامة خضراء و جلباب قصيرة من لون بني.[82]كما وضع لهم شارات تميزهم عن بعضهم، وكانت لأجور تتفاوت لقائد الطابور 150 بسيطة و للجند العادي 60 بسيطة مثلهم مثل جند البحرية.

و أما السلاح الجيش الريفي فكان صنفين: سلاح مخزن و سلاح خاص، و يضم الأول عدداها هائلا من البنادق المتطورة كبنادق الموزرن و لوبيل، و ريما نكطون، وشاشبو، و بنادق عتيقة  » بوحفرة » و رشاشات و مدافع فرنسية ، و اسبانية و كان مصدر هذا العتاد أما غنائم عسكرية أو أعمال تجريد بعض القبائل التي رفضت سلطة بن عبد الكريم ، أو تجريد بعض الزعماء المناوئين له، و المواليين للعدو أمثال الريسوني[83] و أما الساح الخاص فلا بعد و بنادق حديث و بعضها قديم أو عتيق كانت تدخل في ملك بعض الرجال القبائل كانوا يتجهزون بها أثناء إعلان التعبئة العامة .وكان لهذا السلاح ذخيرته مستودعات و لم تحصل الثورة إلى على ورقات أما الطائرات فلم تحصل إلى على ثلاث منها[84]: أولها اشتريت من الجزائر و الثانية سقطت بتمسمان و الثالثة أسقطت في وادي » لمريعة » سالمة مثل الأخرى.

وما كانت الأعمال العربية لا تنسى الأمير أمر الإصلاحات التي تحتاج إليها البلاد اشد حاجة و ما كان توطيد الأمن ليشغله عما يحققه لشعبه المجيد[85] فقام بإصلاحات في كل الفروع من الحياة ، فنم مالية البلاد و أصلح الإدارة ، و نظم التجارة و الزراعة، و أسس المدارس و أرسل البعثات العلمية إلى أوربا، و جلبت الآلات الفنية، و عمل على تعبيد الطريق و ربطها  بعضها ببعض كما عني بإصلاح حالة الريف الصحية ، حيث أراد أن يقيم جهاز العلاج السكان من الأمراض التي سببتها القنابل السامة، و بالخصوص من طائرات العدو التي كانت تضرب بما السكان دو تميز.[86] فبالإضافة إلى العلاج من طرف الأهالي كالتضميد بالنبات و جراحة بدائية لا تخرج الشظايا الرصاص من أعضاء المجروحين، فقد استخدم بن عبد الكريم من فاس طبيب يعرف بالمحبوب و كذلك طبيبا و قافلة فرنسيين لمعالجة أخت الأمير، و في سنة 1925 جاءت بعثة فرنسية وجهها الصليب الأحمر تحت إشراف طبيب يدعى كود لمعالجة الريفيين فاستغل وجود كود وطلب منه أن يخطط لمستشفى كبير بأجدير، لكن المشروع فشل بعد هجوم

الاسبان على اجدير. وكان من نتائج هذه الإصلاحات و غيرها مما يطول ذكره » إن حلت الطمأنينة محل الاضطراب و تحسنت الأحوال الاقتصادية ، و سادت أحكام الشريعة في كل الإرجاء. فأصبح بفضل هذا للثورة الريفية التحرير شأنها العظيم سواء في الداخل أو الخارج، و هذا ما اقلق الدول الاستعمارية أثار فيها الحقد و العداوة.[87]

   4ـ على الصعيد الإسباني

لقد تأثر الوضع السياسي في اسبانيا بالهزائم لمتوالية التي تكبدها الجيش الاسباني في الريف أشد أقصى تأثر، و لم يطق الحكم و لا الشعب تحمل الكوارث الدموية التي منيت بها القوات الاسبانية على كثرتها مع ما توفرت عليه من سلاح و عتاد، و لم تحل سنة 1923 حتى انفجرت الأزمات في أوساط الجيش و الحكومة و الرأي العام، فساد الاعتقاد بان المغرب ليس إلا مقبرة لشباب الاسباني التي بلغ ما تصرفه سنويا 20 مليون ليرة إسترلينيه، و كانت جميع التضحيات البشرية و المادية تذهب أدراج الرياح و بقدرها كانت اسبانيا تخسر الثورة الريفية تحقق الأرباح و المكاسب عسكريا و ماديا و ماليا بفداء الأسرى و معنويا، وكان  من نتائج هذا كله ان القوات الاسبانية كانت لا تتحرك من تطوان او مليلية إلا لتلقي اندحار و الانكسار ، وحتى صار الشعب الاسباني يعلن معارضته للبقاء في المغرب، و مرة تمردت فرقة الجيش ببرشلونة، فقتلت ضباطها. و باختصار رغم الغضب و الاستيلاء في اسبانيا كلها شعبا و حكومة و جيشا، اخذ الجميع يطلبون من الخلاص من الورطة في المغرب، و أصبحت البلاد مهددة بالفوضى.[88]

ومما جعل المسؤولين يدركون أكثر فداحة المصيبة أن الجنرال بيكاسو وضع تقريرا سريا  عن هزائم الجيش و مشاركته الملك الفونسو في كارثة أنوال على يد جنراله المغرور سيلفيستري، ولما اطلع البرلمان على التقريرات ثارت ثائرة ، و تعيين لجنة برلمانية لدراسة التقرير و لولا توسط الجيش لعصفت الثورة الشعبية بنظام الحكم و الملك الفونسو. و كان من أولى نتائج هذا أن خضع الملك ثم عطل الدستور بحدوث الانقلاب على يد الجنرال  » بريمودي ريفيرا  » الذي أصبح ديكتاتورا اسبانيا و كان هو حاكم عام لمقاطعة كطالونيا ينادي بالانسحاب من المغرب حتى تسبب له هذا في فقد منصبه، و كان صعوده إلى رئاسة الحكم في 13 شتنبر 1923، كما كان يتمتع بشعبية في الجيش و الجمهور، و كان أول ما قرره وضع حد للتضحية بالأرواح و الموال في المغرب و على هذا الأساس قرر التخلي عن كل ما يمكن الاستغناء عنه دون ذلة و مهانة و اقيل الجنرال برنجر المندوب السامي بتطوان والقائد في هزيمة أنوال لأنه اعتبر مسؤولا مباشرا عنها، و الحقيقة أنه كان ينصح دائما الجنرال سيلفيستري حليف الملك و رجل ثقته بعدم الاندفاع و البقاء في المواقع الدفاع قرب مليلية.[89] و كان الجنرال ريفيرا يحمل لقب  » مدير » تغطية لديكتاتورية العامة، و بهذه الصفة زار المغرب ليتولى شخصيا مسؤولية الحملة ، فاكر الجيش بان ينسحب من الموقع الأمامية إلى اخري سليمة و اسلم ثائرة الجيش لان هذا يحرمه من أخد الثأر و الانتقام لمراسلي الصحف مبينا اسماء الموقع و تواريخ الانسحاب منها إلى التي أعدت حول تطوان و مليلية ويقول ان ليوطي حينما علم هذا صاح » يا الهي إن الجيش لا ينسحب إلا عند الاضطرار، ولكن في من غير ان يعلن هذا سابقا لعدوه » و اعتبر قراري ريفيرا خاتمة ما يسمى ب مغامرة اسبانيا في المغرب .[90]

لقد كانت الحكومة الاسبانية الاسبانية تعمل على طمس الحقائق أمام الرأي العام بإيهامه ان تجلها في شمال المغرب يتعلق بعمل تمديني و أن العمليات العسكرية لن تخوضها هي عمليات بوليسية لا غير تستهدف فرض الأمن الذي يعكره قطاع الطرق ، غير أن المقاومة الشعبية البطولية سواء الريفية أو الجبلية  و الخسائر الحسمية التي تكبدها جيش الاحتلال كشفت الحقائق أمام الشعب الاسباني و تبين أن اسبانيا تقوم بحرب إبادية ضد شعب يدافع  عن بلده و أن هذه الحرب اصطنعها القادة العسكريون لتسلق سلم الترقية و أنها تتطلب أموالا طائلة كانتاسبانيا في حاجة لها[91]. فمنذ انهزام اسبانيا في أنوال سيطرت المسالة المغربية و مشكلة الريف على الحياة العامة في اسبانيا ، و سحقت ميزانيتها و استنزفت وأضعفت قواتها من الرجال[92].

إن رجوع الشعب الاسباني بعد ما استكانت مخاوفه بشأن مليلية تحولت الحامية بخصوص الانتقام من الريفين إلى المناداة بالانتقام من الضباط الإداريين [93] أذا كان المجلس النيابي وقع فرنسية قاصية في 20 أكتوبر حيث تنفع المحاولات التي قام بها رئيس الوزراء لإخفاء الضوضاء و أعلن السينيور يوزاغا الذي عاد من زيارة مليلية ما يلي : » ليس في إرادتنا سوى الخداع و انعدام الأخلاق أن الضباط يفرون لكن الجيوش يتضررون جوعا، وحيث وقعت الكارثة لم يبق سوى عقيد وحيد في مركزه » و أعلن الزعيم اللبرالي الكونت رومانوس أنه لاحظ أن الجيش يملك هياة مؤلفة من 871 جنرالا و 20600 ضابطا أخر، ويكلف الأمة 46 مليون جنيه سنويا. ورغم كل هذا لم يستطع أن يغيث جبل اعرويت، كما أن الصحيفة اللبرالية كشفت عدة حقائق عن أولئك الذين رجعوا إلى مليلية في إجازة أثناء زحف سلفيستري ، فالتعليمات التي أعطوها لم يقوموا بزيارة جنودهم في المستشفيات بل ظلوا غافلين عن ذلك مهتمين بالرقص و كان سلوكهم هذا قصد الإثارة بالفرنسيين إلا أن ترسل لجنة في الحال للتحقيق برئاسة الجنرال بيكاسو لكنه وصل بعد فوات الازان.

واستقبل الشعب الاسباني الأنباء الكارثة أنوال بصيحات الغضب ، لأن جيشا كاملا قد محيي عن الوجود من قبل جنس بدائي عاجز عن صنع سلاح حديث، و انتشرت مدريد تتحدث عن فضائح مختلفة و عن إشراك الملك في الجريمة، و لم تمض أيام قليلة حتى طوقت السفارة الاسبانية في لندن من قبل متطوعين.

كانوا ينادون بتسجيلهم في الفرقة الاسبانية الأجنبية.[94] كما انعدمت الثقة من جانب الرأي العام الاسباني في أولئك العسكريين المنهزمين، ولاستعادة الثقة فإن حكومة مدريد فضلت أن تضحي بالجنرال برينجر متهمة إياه بتوريطها شمال المغرب الأمر الذي أذى به إلى الاستقالة. و لتجاوز الصعوبات الداخلية و الخارجية انعقد العزم عن القيام بحرب ضد المتمردين ، تستعمل فيها كافة الوسائل الكفيلة بتحقيق نصر سريع يقطع الطريق على المنتقدين و يبطل حججهم فأرسلت إلى المغرب عن طريق البحر، كتائب تتمتع بكامل اللياقة ، تتكون من مجموعها 15000 ألف رجل لتعزيز القوات المسلحة التي نجحت فيها ثلة من الشهور ، و إلى بحدود بداية فصل الشتاء في استعادة جزء من المناطق التي فقدتها خلال معركة أنوال.

وكانت الهزيمة أيضا دافعا إلى الحصول من الطائرات والمدرعات المصفحة، وبحصولها على الغازات السامة ، الأشد فتكا اكتمل الثالوث الأسلحة الأكثر الحداثة وهي وسيلة من وسائل الإبادة الجماعية،[95] وفي صيف 1921 كانت اسبانيا تتوفر على كمية من القنابل الغازية بالإضافة الى توفرها على منشآت للتعبئة، خاصة بذخيرة الغازات السامة الحربية ثم

 

بناؤها بمليلية ، وكان إنتاجها مخصصا بالدرجة الأولى للإستعمال المناطق المختلفة. وهكذا شكلت حرب الريف أول صراع حربي يحسم عبر استعمال الغازات السامة بل إنها يضيف الكاتبان اول حرب كيمائية جوية في التاريخ ، استعملت فيها القوتان الاستعماريتان اسبانيا و فرنسا ، و بشكل ممنهج الغازات الكيمائية بواسطة الطائرات.

5ــ نتائج المعركة على صعيد الدولي

لقد شكل انتصار أنوال على الاسبان حدثا  في ثورة الريف دفع محمد بن عبد الكريم إلى تنفيذ مشاريعه لاسيما أن الحكومة الاسبانية أخدت تنظر نظرة جد إلى حوادث المنطقة التي تحتلها بالمغرب ، و اعتبرت جميع الأوساط الاسبانية بان هذه الهزيمة الكبرى إنما هي نكبة وطنية.[96] و في هذا التاريخ كانت عدة أحزاب شيوعية في طور التأسيس في أوروبا فلم يمر على ثورة أكتوبر 1917 في روسيا إلا سنوات قليلة، و قد أتت هذه النظاميات أن من واجبها ثورة وطنية مثل ثورة الريف رغم جهل القيادة الشيوعية تفاصيل عقيدة زعيم الريف و سياسته ومشاريعه.

ورأت الحكومة الفرنسية انتصار أنوال بمثابة الضربة القاضية التي فشلت الحكومة الاسبانية في الاحتفاظ بمنطقة شمال المغرب كما أصبحت تتوقع صعوبات خطيرة على وجودها في المستقبل في المنطقة الجنوبية للريف.[97]

ويستشف من هذه الفترة أن المرشال ليوطي ينعم ضمنيا من الحركة الريفية بان حركة تحريرية صرفة ذات نفوذ و جاذبية كبيرين، و أنها تتربص بسعيرها المدمر الاحتلال الفرنسي. و إزاء هذه الأعمال و النوايا الريفية كان لزاما على الاستعمار الفرنسي خوض حرب شرسة

 

ضد الثورة الريفية بأن أصبح مسألة حياة بالنسبة لوجود حتى يطوق داء نار التحرير قبل أن تفشو في منطقة نفوذه فتمحقه.

وفي 17 يونيو 1925 انعقدت مؤتمر فرنسي اسباني بمدريد الجهود العسكرية وتنسقيها في مواجهة ثورة الريف و طالت اجتماعاته ، و مداولاته نحو شهر من الزمن لينتهي بالاتفاق يدعو الجانبين إلى العمل يدا في يد نشر السلام و النظام الريف و جبالة.[98] و تم ذلك بمساعدة بريطانيا ، أما الاتحاد السوفياتي فإنه اكتفى بتأييد ثورة الريف من الناحية الريفية لأنه كان منهمكا في تنفيذ برامجه الداخلية و التي لم تسمح بالتباع سياسة النضال مع الحركات التحريرية في إفريقيا الشمالية و لكن رغم تلك الظروف و إثباتا  لتأثير حرب الريف على الحركة التحرر في العالم المناهض للإمبريالية، كتب مشيل فرنز  » احد قادة الجيش الأحمر في الاتحاد السوفياتي كتابا تحت عنوان  » المحضرون الاوربيون في المغرب إبان اندلاع الحرب: يقول فيه إن العمال في العالم يتبعون الكفاح البطولي للمغاربة من اجل استقلالهم و حريتهم و بتعاطف عميق و آمال انتصار المشروعية.[99]

ولكن الحكومة البريطانية لم تؤيده ظاهريا و جاء إلى الريف عدد من الصحافيين الأوربيين والأمريكيين لاستجواب رئيس الريف، و عمالة الهيئات الشيوعية في إفريقيا الشمالية لفائدة محمد بن عبد الكريم كما نشرت صحيفة كامفير الشيوعية في زيوريخ بسويسرا عدة مقالات في ثورة الريف و طالب الوزير الفرنسي من شقيق زعيم الريف ان يبقى الاتفاق مستمرا بين فرنسا و حكومة الريف. و على اثر هذه المقابلة اتصل شقيق المعارضة في فرنسا بمسؤولين الريفيين.

أما بالنسبة للعالم العربي، فقد أخدت الأنظار تتجه منه نحو الريف وأخذ الكثير من الوطنيين على أنه امال العالم في الكفاح ضد الاستعمار و أصبح المشرق العربي يتحدث عن عملياته فتزيد حماسا في قلوب أولئك المواطنين البررة[100]

و قد لعبت مدينة طنجة الدولية دورا هامة في الثورة الريفية ، فاتصل محمد بن  عبد الكريم بالمنظمة الإسلامية الممثلة في طنجة من كرف حسين عوني و مجامعة الشعوب المضمومة في طلب تأييدها حيث قامت بدعاية في العالم الإسلامي لفائدة الريف.[101]

وفي هذه الأثناء قدم الاسبانيون لعبد الكريم بعض العروض مقترحين نوعا من الاستقلال أو الحكم الذاتي كما سماه الاسبان.[102] و رفض المير جميع العروض التي لا تؤمن

الاستقلال التام بالريف، و عمل على ترجمة خطاب القنصل الذي يكلب فيه من البابا أن يعلن حرب مقدسة ضد كفار المسلمين، و لكن الأمير رفض أن يعلن حربا مقدسة ردا على ذلك معلمنا أن الريفيين يقاتلون من اجل استقلال عرقي و ليس من اجل العصبية الدينية رغم وجود 200 ألف جندي بالمغرب فإن المعارك الكبرى لم تقع إلا في بعض الأحيان . و في منتصف شهر فبراير 1922 حمل الريفيون حملة صادقة على العدو و ردوه على أدباره بعدما تكبد خسائر فادحة. و فقد كلما عنده من الذخيرة و العتاد و ارتد إلى حصون مليلية.[103]

وهكذا رفعت على العموم ثورة وانتصار الريفيين معنويات الشعوب العربية والإسلامية والدول المستعمرة بصفة عامة في ظرف عصيب، كانت كلها تنوء تحت يد الاستعمار وترى فيه قوة لا تقهر، فحطمت بطولات الثوار تلك الأسطورة أن المستعمر الأوربي عليه أن يراجع سياسته و يعدل من موقفه تجاه الشعوب المستضعفة  اتقاء لغضبها وبطشها.


 

المبحث الأول: دور الحركة الوطنية في المقاومة (1934 -1956)

عندما كانت ثورة الريف تسجل انتصارها التاريخية، كانت أبناؤها وأصداؤها تلهب وطنية الشباب المغربي في المنطقة الشمالية والسلطانية على حد سواء، هاته الفئة من الشباب ارتأت الإندماج في المشاريع الوطنية الأولى لبعض الرواد المغاربة التي ظهرت خلال مرحلة الحرب العالمية الأولى وبعدها مباشرة. كما حاولت ربط العلاقات بين شباب المنطقتين المذكورتين بهدف خدمة القضايا الوطنية، واستطاعت العناصر التي ذهبت إلى فرنسا والشرق العربي، من أجل استكمال تعليمها، الإطلاع على تطور التيارات السياسية والفكرية والتعريف بالقضية المغربية في حدود الإمكانيات المتاحة لها. وفي 1930 كان أول ظهور علني للوطنيين بالمنطقة الذين قدموا لائحة مطالب الأمة للجمهوريين في مدريد([104]).

إن مسألة تقديم المطالب يعني التشخيص الوطني للأزمات التي تمر منها منطقة الحماية، والتفكير في إيجاد الحلول لها. وقد تسامح الجمهوريون الإسبان في البداية بالرغم من بعض القيود الإجرائية، لكنهم فرضوا حصارا سياسيا وأمنيا صارما على القبائل، وربط بعض الزعماء الجمهوريون الصلات بالوطنيين المغاربة، كما شاركوهم في بعض المنظمات التجارية والثقافية وغيرها. ولم يعرقلوا التنسيق بين الوطنيين في منطقتي الحماية([105]).

وبعد مرحلة من الترقب والحذر، انفتح الوطنيون المغاربة على الوطنيين الإسبان بزعامة فرانكو، إثر ذلك، عرف النشاط الوطني مجموعة من التطورات تمثلت بالخصوص في ظهور الأحزاب الوطنية ومحاولة الوصاية الرسمية عليها. لكن الوطنيين رفضوا ذلك، وأعطوا أبعاد كبيرة للقضية المغربية على الصعيدين الوطني والدولي. وقد حاول نظام فرانكوا، الذي أصبحت له أولويات معينة، استغلال الحركة الوطنية في المنطقة في الأغراض التي تخدم مصالحه الوطنية([106]).

1-جذور الحركة الوطنية:

قد يكون من الخطأ بمكان ربط ميلاد « الحركة الوطنية » بالأحداث التي شهدها المغرب مع مطلع الثلاثينات وإن كانت في مجملها أحداث حاسمة لحضورها الأثر الفعال في توجيه مسار النضال المغربي، وفتح أفاقه فيما بعد ويمكن تلخيصها أساس في انكسار المقاومة المسلحة واستسلام بطلها بالريف سنة 1926. وكذا صدور الظهير البربري في 16 مايو 1930، الذي جاء تتويجا « للسياسة البربرية » التي سلكتها الدولي الحامية منذ 1914.

ولعل ربط هذه الأحداث و »ميلاد » الحركة الوطنية ينفي وجود أي فكر سياسي، أو شعور وطني قبل الحماية، ويجرد كل الحركات التي كانت قبلها من أي مضمون سياسي أو اجتماعي. وهذا بالفعل ما تجاهلته بعض الكتابات المهتمة بتاريخ الحركة الوطنية وجيش التحرير. ونكتفي بالإشارة إلى الدكتور عابد الجابري الذي يربط « ميلاد » الحركة الوطنية والظهير البربري، يقول: «لقد أبدى الشعب المغربي مقاومة عنيفة مقاومة الشعب المغربي بأجمعه للظهير البربري، التي سجلت الميلاد الرسمي للحركة الوطنية المغربية([107]).نفس الشيء بالنسبة لعبد المجيد بن جلون الذي ربط هو الآخر « ميلاد » الحركة الوطنية وإصدار الظهير البربري، حيث قال:  » إن إصدار المرسوم البربري في 16 مايو سنة 1930، كان بمثابة كشف الستار عن الحركة الوطنية في سائر أنحاء البلاد([108]).وتشكل سنة 1925([109]). سنة ميلاد الحركة الوطنية المغربية بالنسبة لعبد الكريم غلاب:  » الحركة الوطنية السياسية التي تستمد جذورها من كل ماضي المغرب الوطني في نظره بدأت مع مستهل هذا القرن: « فالحركة التي قامت لمواجهة الظهير البربري سنة 1930 هي استمرار الحركة التي بدأت في أول القرن([110]). أما جرمان عياش فيرجع بناء إلى القرن 15، لنعاين جميعا منذ ذلك الحين وجود حركة وطنية، استندت في تكوينها إلى شعور وطني رغم تلقائيته كان قادرا على خلق وعي وطني مكتمل المعالم([111]).

إلا أنه ومهما حصل من تضارب في الآراء بخصوص تحديد سنوات الأولى لنشأة الحركة الوطنية. فإن هزيمة إيسلي (1844)، ونظرا لموقعها تحد فاصل بين عهدين متباينين. كانت بحق باعثا للشعب المغربي ونخبته على التدبر والتفكير في أسباب الهزيمة وظروفها. وقد انتبه المغاربة منذ الساعة إلى أن الأنظمة العتيقة في الجيش وفي الدولة، لم تعد مجدية إزاء التقدم الأوروبي، وتكون في النفوس القادة وشعورهم الحاجة إلى التجديد وانتحال وسائل التقدم([112]).

من كل هذه المعطيات يتضح لنا أن سنة 1844 تشكل بداية التبلور الفعلي لحركة وطنية ركزت نشاطها حول محاور هامة (السيادة الوطنية، المطالبة بالاصلاح والتحديث، الحماية الدستورية) ليتسع نشاطها تبعا لمستجدات الوضع المغربي وتوالي النكسات مرورا بهزيمة تطوان 1860 ومؤتمر مدريد 1880، فمؤتمر الجزيرة الخضراء 1906، ثم عقد الحماية 1912، حتى قمع الثورة المسلحة بالجبال والبوادي خاصة الثورة الريفية أبلغ وأعمق الحركات المسلحة، وأخيرا محاولة إقرار السياسة البربرية عام 1830. لتبرز الحركة الوطنية المغربية بصورة أكثر وضوحا وتنظيما.

وإذا كان مجموعة من الباحثين، قد أجمعوا على أن سنة 1930 هي بداية التأسيس لحركة وطنية « سياسية » مغربية، فإن منطقة الشمال عرفت بداية العمل الوطني السياسي منذ سنة 1916 واختيارنا لهذا التاريخ لم يكن عبثا ولا رأيا شخصيا. وإنما هو رأي الباحث المتخصص في تاريخ المنطقة الشمالية محمد بن عزور حكيم، المعروف بدراسته التوثيقية للحركة الوطنية في الشمال.

2-مرحلة التأسيس والمطالبة بالإصلاحات (1916-1940):

كانت الحماية الفرنسية قد فرضت فرضا على المغرب سنة 1912، ولم تستطع اسبانيا احتلال منطقة حمايتها بالشمال إلا سنة 1927، بعد أن قضت على المقاومة المسلحة التي كان يقودها الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي.

وكانت المقاومة المسلحة لازالت تقوم بدورها عند فكر الحاج عبد السلام بنونة أب الوطنية المغربية في تنظيم حركة سياسية تعمل في الخفاء لتحل محل المقاومة المسلحة([113]).

لهذا فإن المرحلة الأولى مرت في جو من الضغط الاسباني الذي كان لا يزال يكمد جروحه التي سببتها له الحرب التحريرية الريفية، فكان الاستعمار الاسباني حذرا يراقب كل حركة يقوم بها الفرد أو الجماعة ويبطش بالمواطنين على أتفه الأسباب([114]).

وفي ظل هذه الأوضاع المتزامنة عملت الحركة الوطنية جهدا كبيرا لمحاولة امتصاص اليأس وحالة الاستسلام التي تولدت عند الوطنيين، حتى أصبحت القناعة منتشرة لديهم هي أن الاستعمار لا يمكن أن يقهر ومما زاد في تكريس هذه الأفكار الإنهزامية هو انتشار الطرقية، التي كانت تساهم في بث روح الاستسلام وتقبل الأمر على أنه قضاء وقدر أمام هذه الوضعية اهتدت الحركة الوطنية إلى نهج منحى مغاير حاولت من خلاله تعبئة الرأي العام وتجنيده لمعركة طويلة في إطار استراتيجية جديدة هدفت من خلالها الاستفادة من تعاملها مع الاستعمار في إطار القيام ببعض الاصطلاحات لخلق نوع من التوازن سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي في سبيل تحقيق نوع التحرر الاقتصادي كما عملت على خلق بعض المنشآت التعليمية لتنوير الرأي العام ومحاربة الخرافات الطرقية([115]).

وفي إطار هذه الاستراتيجية قام عبد السلام بنونة بجملة من المساعي وكان برنامج عمله في بداية هذه المرحلة وحتى حدود سنة 1930، يرتكز على خمسة نقط وهي:

أولا: المشاركة في الحكومة الخليفية حتى يتأتى له العمل مع رفاقه دون أن يكون الجميع معرضا لمضايقة الاستعمار الاسباني([116]).

ثانيا: العمل في الحقل التربوي والتعليمي([117])، ولم يكن القيام بهذا العمل بالأمر السهل فقد كان الاستعمار الاسباني يمسك زمام الأمور، ويحول دون التحرر من قبضة هيمنته([118])، ومع ذلك فإن طائفة من علماء تطوان استطاعوا أن يؤسسوا أول مدرسة أهلية عصرية بتاريخ 20 دجنبر 1924 ([119])، وبالإضافة إلى هذا انصب اهتمام الوطنيين على قضية التعليم العالي، وفي هذا الإطار قامت الحركة الوطنية بإرسال أول بعثة علمية إلى المشرق العربي وبالضبط إلى فلسطين والتحقت بالتعليم الثانوي بمدرسة النجاح بنابلس([120]).

ثالثا: الاهتمام بإيجاد اقتصاد اجتماعي يقوم على أساس مشاركة جميع الطبقات في مؤسسات اقتصادية وصناعية وتجارية. فكان أول مشروع برز للوجود هو تأسيس الشركة التعاونية يوم فاتح مارس 1928([121]). وقد كان من وراء تأسيس هذه الشركة ومجموعة من المؤسسات الاقتصادية الأخرى الأستاذ عبد السلام بنونة الذي كان يستهدف إلى جانب تحقيق التنمية الصناعية والفكرية محاولة منافسة الصناعة الأجنبية([122]).

رابعا: القيام بتوعية وبت روح الوطنية بين المثقفين وطبقات الشعب، فابتدأ عمله بجلب الصحف العربية من الشرق عن طريق البريد البريطاني وتوزيعها مجانيا بين المثقفين زيادة على عقد الندوات الخاصة لمناقشة كل ما كانت تكتسبه تلك الصحف([123]). واهتم الوطنيون كذلك بتصحيح المفاهيم الدينية بالاعتماد على الفكر السلفي المتحرر، الذي اتخذته الحركة الوطنية كسبيل لهدم الفكر الذي تبنته الطرقية بتحالف مع قوى الاستعمار([124]). وقد انصب اهتمام عبد السلام بنونة على إنشاء صحف وطنية، حتى تكون وسيلة من وسائل النضال السياسي لوطنيي الشمال لكن السلطات الاستعمارية الاسبانية لم تأذن له بإصدار هذه الصحف([125]).

خامسا: القيام باتصالات مع الخارج ليسمع صوت المغرب في المشرق وأوروبا، الأمر الذي جعل اسم عبد السلام بنونة معروفا في الأوساط السياسية والحكومية العربية والأوروبية، وقد كان الأستاذ عبد السلام بنونة على اتصال مستمر مع الأمير شكيب أرسلان مستشار الحركة الوطنية([126]).

ومما تجدر الإشارة إليه هو ذلك التلاحم والتضامن الذي عبرت عنه الحركة الوطنية في الشمال مع أختها في الجنوب على إثر صدور الظهير البربري في 16 ماي 1930، والذي كان تتويجا للسياسة البربرية للدولة الحامية. كما كان القشة التي قسمت ظهر الاستعمار الاسباني والفرنسي. فكيف كان ذلك؟

لقد تبث للحركة الوطنية مع بداية الثلاثينات أنها تسير على جادة الصواب وأن الخط الاستراتيجي الذي نهجته يمثل الطريق السليم. ذلك أن ***حلول المواطنين في منطقة الحماية الفرنسية لا تزال تعاني الأمرين من غطرسة الاستعمار وسياسته البربرية([127]) وعندما صدر الظهير البربري، شاركت الحركة الوطنية في الشمال أختها في الجنوب في مقاومته فقامت بتاريخ 20 يوليوز 1930 بقراءة اللطيف في الجامع الكبير([128]).

وفي شهر شتنبر من نفس السنة وعلى إثر الزيادة التي قام شكيب أرسلا نبها لتطوان، تأسست أول هيئة وطنية سرية برئاسة عبد السلام بنونة.

ولم تمر على تأسيسها ستة أشهر حتى أتيحت لها الفرصة للقيام بعمل إيجابي، ففي يوم 14 أبريل 1931 أعلن على إقامة النظام الجهوي بإسبانيا([129]). مما جعل رجال الحركة الوطنية يتوسمون خيرا في الحكومة الجديدة لطابعها الليبرالي ذي الميول الاشتراكي، ولما كانت تبديه العناصر ذات النزعة الاشتراكية من تأبيد للقضية المغربية خلال الحكم الملكي الاسباني([130]).

وفي هذا الاطار قدمت الحركة الوطنية في الشمال بتاريخ فاتح ماي سنة 1931 أول عريضة للمطالب يعرفها المغرب في عهد الاستعمار([131]) وثيقة المطالب هذه ستكون أصل جميع المعارك السياسية التي ستعرفها الأراضي المغربية فيما بعد. فما هي طبيعة هذه المطالب؟ لنترك الباحث عبد الكريم غلاب ليجيبنا على لسان عبد الخالق الطريس. يقول: « رغم أنها مطالب معتدلة، فإن الحكومة الاسبانية لم تحتم بها، ولم تحاول أن تستجيب لها بل أن المقيم العام الاسباني « لوبيز فيرير » أنكر أن تكون هناك حركة وطنية تطلب مطالب([132]).

وفي خضم الظروف المزرية التي تتسم بتدهور الأحوال المعيشية وانتشار التخلف والجهل بين سكان المنطقة الخاصة في الريف. قررت الحركة الوطنية الرفع من مستواها النضالي ومواجهة السياسة الاستعمارية القائمة على أساس « التفريق والتفقير والتجهيل »، بالقوة والحزم المطلوبين.

وعلى هذا الأساس تأسست بمدينة تطوان بتاريخ 9 نوفمبر 1933 هيأة العمل الوطني بشمال المغرب التي لم تكن حركة إقليمية محدودة بل حركة وطنية تؤمن بوحدة العمل الوطني. كإيمانها بوحدة أراضي المغرب وحريته، وفي هذا الاطار رفعت الهيأة إلى رئيس الجمهورية والحكومة الفرنسية برقيات احتجاج على ضم شؤون المنطقة السلطانية إلى وزارة المستعمرات الفرنسية، مؤيدين بذلك الموقف الحاسم الذي كان قد اتخذه الملك وكتلة العمل الوطني بجنوب المغرب([133]). وفي إطار هذا التوجه الوحدوي بادر الأستاذ الطريس وبتاريخ فاتح مارس 1934 بإصدار أول جريدة عربية عرفها المغرب في عهد الحماية تحت عنوان « الهيأة » فكانت لسان حال الحركة الوطنية في شمال والجنوب وظلت تكافح وتجاهد في أحلك الظروف وأصعبها إلى سنة1948([134]).

وعلى غرار منطقة الشمال اتسعت حركة المطالب في منطقة الحماية الفرنسية، وعندما قدمت كتلة العمل الوطنية بالجنوب « مطالب الشعب المغربي » يوم فاتح دجنبر 1934. أيدتها هيأة العمل الوطني بشمال المغرب بواسطة مذكرة رفعتها إلى جلالة السلطان وبرسالة وجهتها إلى وزير خارجية فرنسا([135]). وبتاريخ فاتح فبراير سنة 1936 تأسست بتطوان « كتلة العمل الوطني » في شمال المغرب أشرفت الحركة الوطنية في الجزء الشمالي من المغرب إلى حدود 17 دجنبر من نفس السنة. وكان يترأسها الأستاذ عبد الخالق الطريس([136]). وقد عرفت هذه المرحلة حدثا هاما كان له تأثير كبير على تاريخ المنطقة وعلى مستقبل البلاد والحركة الوطنية، ففي يوم 18 يوليوز قام العسكريون الاسبان بانقلاب ضد النظام الجمهوري الاسباني في المنطقة الخليفية فجعلوا من مدينة تطوان قاعدة لحركتهم التمردية التي يتزعمها الجنرال فرانكو([137]). وقد حاول الوطنيون الاستفادة من ثورة فرانكو وقبوا الانفراج الذي أبداه الحكم الجديد ومساومته لإدخال بعض الإصلاحات بتغيير الوضع القائم([138]). فالجنرال فرانكو لم يكن بمقدوره تبني سياسة متشددة، في الوقت الذي كان يخوض فيه غمار الحرب الأهلية.

وعلى هذا الأساس اتبع سياسة اللين في المنطقة الشمالية، فنتج عن ذلك تأسيس « حرب الإصلاح الوطني » يوم 18 دجنبر 1938 برئاسة عبد الخالق الطريس، وإنشاء بعثة المغرب في القاهرة وإرسال بعثة طلابية للدراسة في الجامعات المصرية والأزهر، وجلب بعثة من الأساتذة المصريين بتطوان، كما وعد الحركة الوطنية بالاستقلال عندما تنتهي الحرب الأهلية الاسبانية لكن هذه الوعود لم تكن إلا وعود ورغبة جعلتها ظروف الحرب. ولذلك فسوف تعيش الحركة الوطنية أسوأ أيامها بعد نهايتها([139]).

وقد استطاع « حزب الإصلاح الوطني » في فترة الحرب الأهلية أن يقوم بنشاط مهم خاصة في الميدانين الاجتماعي والثقافي، حيث أسس عدة صحف وفتح بعض المراكز الثقافية([140]). وهكذا أصبح « حزب الإصلاح الوطني » يشكل خطرا على الاستعمار فأخذت الحكومة العسكرية تفكر في الوسائل الكفيلة لمعارضة هذا التيار الجارف فطلب من الشيخ المكي الناصري أن يقوم بتأسيس حزب  » الوحدة المغربية » بغرض خلق انشقاق في صفوف الوطنيين وإضعاف « حزب الإصلاح الوطني » عملا بسياسة « فرق تسد »([141]). لكن هذه الفكرة باءت بالفشل الذريع بفضل صمود رجال حرب الإصلاح الوطني الذي زاد تعمقا وانتشارا في المدن والقرى([142]).

إذن وحتى حدود هذا العهد كانت مطالب الحركة الوطنية في الشمال ممثلة في « حزب الإصلاح الوطني » تقتصر على المطالبة بإدخال جملة من الإصلاحات التي تهتم بالمجتمع والتعليم. ولكن اهتمامها كان في العمق سياسيا إذ كان يقوم على أساس النضال ضد إرادة الاستعمار([143]).وهناك بالطبع أسباب تاريخية وجيهة تفسر موقف الحركة الوطنية الإصلاحي (…) لكن هذا الموقف الإصلاحي لم يكن إلا مرحليا وكان محكوم عليه بالفشل مسبقا([144]).

وعلى هذا الأساس عرفت الحركة الوطنية في الشمال في اتجاهها الإصلاحي، بدافع مجموعة من العوامل منها نهاية الحرب الأهلية الاسبانية – سنة 1939- التي فضحت حقيقة الوعود الفرنكاوية ودخول العالم في حرب عالمية ثانية طاحنة، وخاصة انهزام فرنسا أمام ألمانيا أواسط سنة 1940. فمنذ هذا التاريخ تبنت الحركة الوطنية اتجاها استقلاليا صرفا، حيث ركزت كل جهودها على الاستقلال التام والفوري للمغرب، وبذلك انتقلت إلى مرحلة راقية من النضال الوطني، مرحلة المطالبة بالاستقلال فما هي إذن المعالم الأساسية لهذه المرحلة؟

3-مرحلة المطالبة بالاستقلال (1940-1953):

لقد كانت مسألة استقلال المغرب قضية حاضرة في ذهن الحركة الوطنية في الشمال، ممثلة في حزب الإصلاح الوطني منذ ميلاد سنة 1936، وذلك على الرغم من كون الاتجاه الاصلاحي كان هو الغالب في توجيهات الحزب خلال السنوات الأولى من حياته([145]). فأول طرح لمسألة الاستقلال نجده ضمن القانون الأساسي لحزب الاصلاح الوطني الذي جعل من بين الغايات الأساسية للحزب.

  • ايصال الأمة إلى حرياتها وكامل استقلال أراضيها.

ب- تحقيق الوحدة المغربية سياسيا ولغويا([146]).

كما طرق « حزب الإصلاح الوطني » باب الاستقلال في إطار اتجاهه الإصلاحي حيث أقبل على تقديم مطالب الشعب المغربي إلى كل من الخليفة السلطاني والمقيم العام الاسباني لسنة 1938. حيث نص في مقدمة هذه المطالب على التالي: « وبذلك فإننا نلح في الإسراع بتنفيذ هذه المطالب ونعتبر هذا التنفيذ هو الخطوة الأولى للوصول إلى استقلالنا الإداري الذي نؤمله في القريب العاجل، إذ به يتهيأ للمغرب أن يعد نفسه ليصل إلى غايته الكبرى التي هي الاستقلال المطلق([147]).

وقد كان لانكشاف نوايا النظام الفرانكاوي ولتطور الظروف السياسية العالمية وللجات العنيفة التي أصابت جميع الدول بسبب الحرب العالمية، الأثر الفعال في تطوير فكر الحركة الوطنية نحو المطالبة بالاستقلال (…) وهكذا أصبح الاستقلال في رأي الوطنيين هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الإصلاح بعد أن كان الرأي قبل الحرب هو أن الإصلاح وسيلة الاستقلال([148]).

ويعتبر تاريخ 14 يونيو سنة 1940 البداية الفعلية لتحول الحركة الوطنية في الشمال نحو المطالبة بالاستقلال وهو التاريخ الذي يصادف سقوط باريس في يد القوات الألمانية([149]).

وفي هذا الإطار كتب أحد مناضلي حزب الإصلاح « التهامي الوزاني » مقالا بجريدة الريف أكد فيه على ضرورة استقلال المغرب نريد استقلال المغرب يجب أن توحد البلاد المغربية وأن تكون لها دولة وطنية مستقلة([150]). كما كتب محمد داوود يقول: « نحن الآن أمام تقسيم جديد للعالم… فهل سيبقى المغرب كسلعة تبادلها الأيدي([151]).

وإذا كان اهتمام الحركة الوطنية في الشمال منصبا على مسألة الاستقلال بالأساس فإنها لم تنسى قضية الوحدة، بل جعلتها من أولى أولويتها وتصدت بقوة لمحاولة اسبانيا ضم طنجة لممتلكاتها. وهذا ما عبر عنه عبد الخالق الطريس في قوله: « إذا كان الإسبانيون يرون في الوجود البريطاني في قطعة من الثرات الاسباني ظلما يجب رفعه فعليهم أن يعترفوا بأن للمغاربة الحق كذلك في أن يفكروا مثلهم فيما يخص سبتة ومليلية كما عليهم أن يعترفوا بأننا نعمل على إعادة وحدة التراب الوطني كما كانت في عهودنا الزاهرة([152]).

وعندما بات من المنتظر بين اللحظة والأخرى انتهاء الحرب العالمية الثانية بعد ترجيح كفة الحلفاء وتمكن فرنسا من الوقوف على رجليها من جديد ونزول قوات الحلفاء بأرض المغرب يوم 8 نوفمبر 1942. أقبل حزب الإصلاح الوطني على خطوة مهمة في إطار الاستعداد لهذا الظرف الجديد، وذلك بعقده مع « حزب الوحدة المغربية » الميثاق الوطني الذي انبعث عنه الجبهة القومية للحركة الوطنية المغربية بتطوان يوم 18 دجنبر 1942([153]). وبتاريخ 22 يناير 1943 جرت بأنفا بالدار البيضاء المحادثات بين الملك محمد الخامس والرئيس روزفليت، وإنه بالفعل لحدث حاسم في تاريخ النضال الوطني([154]). حتى أن البعض يزعم أن الرئيس روزفيلت أوحى للملك بالمحافظة على البلاد وإلا يسمح للأجانب بأن يمتصوا ثرواتها المعدنية([155]). ومما يبرز أهمية ذلك الحدث في بلورة خطط السلطان والحركة الوطنية لتحقيق استقلال المغرب. هو ذلك التصريح الذي أدلى به السيد محمد المعمري مترجم السلطان إلى الإنجليزية في هذا الاجتماع والذي قال فيه: « أن سيدي محمد بن يوسف طرح استقلال المغرب مع الرئيس روزفيلت([156]).

وبعد مرور أقل من شهر على مؤتمراتها، أقدمت الحركة الوطنية في الشمال على أهم خطوة لها في إطار ما يمكن تسميته بالعمل المباشر لإسقاط الحماية. ذلك أن « الجبهة القومية » قامت بتقديم أول مذكرة للمطالبة باستقلال المغرب ووحدة ترابه إلى قناصل وسفراء الدول الأجنبية المعتمدين بمدينتي طنجة وتطوان بتاريخ 14 فبراير 1943 أي قبل حوالي إحدى عشر شهرا على تقديم وثيقة الاستقلال ليوم 11 يناير بجنوب المغرب([157]).

والجدير بالذكر أن وثيقة الإستقلال ليوم 14 فبراير 1943 قد اكتست أهمية كبرى بحكم عاملين الأول منهما هو كونها كانت أول مناداة علنية ورسمية باستقلال المغرب ووحدة ترابه مع إسقاط نظام الحماية. وثانيهما هي كونها قد أرسلت إلى كافة دول العالم المستقلة بغض النظر عن أنظمتها وسياستها… وقد قال الأستاذ الطريس بخصوص هذه الوثيقة: « وإن من دواعي الغبطة أن تكون هذه المنطقة أول من نادى بوجوب استقلال المغرب([158]). وقد انتهز  » حزب الإصلاح الوطني » فرصة تطور الحركة الوطنية في الجنوب بظهور حزب الاستقلال الذي تأسس في دجنبر 1943. تأبيد الشعب المغربي قاطبة للفكرة الاستقلالية فوجه للملك محمد الخامس رسالة بتاريخ 29 فبراير 1944.

تتضمن إلى جانب تأييد عريضة الاستقلال تمسك الحركة الوطنية في الشمال بوحدة التراب الوطني([159]).

دائما وفي إطار هذا التوجه الاستقلالي، نظم حزب الإصلاح الوطني شهر عشت 1946 بتطوان مظاهرة استقلالية وطنية كبرى. رفعت خلالها الجماهير لافتات كتب عليها عبارات مثل « ليحيى المغرب حرا مستقلا موحدا ليحيى زعماء المغرب ليحيى حزب الاصلاح الوطني »([160]).

وتابع حزب الاصلاح الوطني دعوته لاستقلال المغرب بصفة مطلقة من خلال جريدة « الحرية » الناطقة رسميا بلسان حاله وزادت هذه الدعوة نجاحا وقوة بعد زيارة محمد الخامس لطنجة شهر أبريل من سمة 1947 هذه الزيارة التي كانت لها جوانب وأهداف متعددة قال في شأنها الباحث محمد زنيبر: « أن زيارة العاهل المغربي لطنجة لم تكتفي بتأكيد موقفه في 11 يناير 1944 حينما رحب بعريضة المطالبة بالاستقلال، بل كانت بالفعل خطوة كبيرة وذات أهمية وأثر عميق أعطت الجانب السياسي والإيديولوجي في مسار الكفاح الوطني، وهكذا فقد محت أثر القمع الذي تعرضت له الحركة الوطنية، وبينت أن المغرب لم يتراجع عن مطالبته بالاستقلال وأنه يواصل نضاله لإدراك هذا الهدف([161]).

وبعد هذه الزيارة اقتضى نظر »حزب الإصلاح الوطني » توسيع نطاق الدعاية للقضية الوطنية في الخارج فتوجه الأستاذ الطريس إلى مصر ليتولى مهمة إرسال دعائم الاتصال بالجامعة العربية وزعماء العالم الاسلامي من خلال « مكتب المغرب العربي »([162]). وفي شهر يونيو من نفس السنة تأسس « مكتب المغرب في أمريكا بواسطة السيد المهدي بنونة عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاصلاح. الذي قام بنشاط كبير في أروقة هيئة الأمم المتحدة، واستطاع أن يتقدم بقضية المغرب العربي خطوات واسعة إلى الأمام بسبب الدعاية التي قام بها([163]). وقد كان لانتشار نشاط مناضلي الحركة الوطنية بشمال في كل من القاهرة وطنجة ونيويورك أثر فعال في الخروج بقضية المنطقة والبلاد من الظلام إلى النور، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، ففي شهر فبراير 1948 رجع عبد الخالق الطريس رئيس حزب الإصلاح الوطني، ومحمد بن عبود رئيس الوفد المغربي إلى لجان الجامعة العربية، والمهدي بنونة عضو حزب الإصلاح إلى طنجة في طريقهم إلى تطوان، ولكن السلطة الاسبانية أصدرت أمرا بمنعهم من العودة إليها([164]). وهال المغاربة في تطوان هذا التصرف فأقاموا المظاهرات في تطوان محتجين على ذلك فغضب المقيم العام « الجنرال باريلا »، وأرسل إلى المدينة فرقا عسكرية لاحتلالها، ثم ألقى القبض على جميع اعضاء اللجنة التنفيذية لحزب الإصلاح([165]).

لقد كانت طنجة المدينة الوحيدة التي يمكن القيام فيها بتحرك سياسي، دون أن تستطيع السلطات الفرنسية مصادرة هذا التحرك([166]). ومن هذا المنطلق ثم اجتماع ممثلين عن الحزبين الموجودين في الشمال (« حزب الإصلاح الوطني » و « حزب الوحدة المغربية ») والحزبين الموجودين في الجنوب (حزب الاستقلال، وحزب الشورى والاستقلال) في طنجة يوم 9 أبريل 1951. واتفقوا على برنامج وطني مشترك([167]). وتأسيس « الجبهة الوطنية » ازدادت قيمة النشاط الذي كانت تقوم به الحركة الوطنية في طنجة. فكانت تسند العمل الوطني في الداخل وتبعث بمذكرات التأبيد إلى الملك([168]).

إذن وبالرغم من اشتداد الضغط الاستعماري على الحركة الوطنية، فلم تستطع تجاوز مستوى المشروعية والعمل السلمي إلى مستوى أحز من النضال تدخل في مواجهة فعلية مع سلطات الاستعمار. هذا في الوقت الذي طالما ردد فيه الوطنيون على فكرة المقاومة لم تكن مستقاة من برامج الحركة الوطنية، ولكنها حركة سياسية تعمل بالأساليب السياسية حتى تتمكن من ممارسة العمل دون أن تجهضه عمليات غير مسؤولة.

وكانت الحركة الوطنية تؤكد للمناضلين على أن النضال يجب أن يبقى في دائرة العمل السياسي والتعبئة الكاملة، ما لم يمس محمد الخامس عند ذلك يجب أن تقوم كل الخلايا بما يفرض عليها النضال. وتهب لمواجهة سلطات الاستعمار بقوة الحديد والنار.

فهل سيحصل بالفعل هذا التحول من مستوى « العنف السياسي » إلى « العنف الحقيقي » واستعمال السلاح في كفاح الاستعمار؟ ومن أين كانت تأتي الحركة الوطنية بالسلاح؟

السلاح هو الأساس، فقد جند علال الفاسي ومساعده الأول عبد الكريم الفاسي كل الجهود لشراء الأسلحة ونقلها، وجند الأستاذ عبد الخالق الطريس ومساعدوه في حرب الإصلاح الوطني كل جهودهم لشراء الأسلحة ونقلها للداخل، وقد تبرعت بعض الدول العربية كمصر والعراق ببعض الأسلحة([169]). ففي مارس من سنة 1955 أوصلت الباخرة (دينة) والتي استولى عليها رجال المقاومة بأمر من الرئيس جمال عبد واحمد بن بلة، لاستخدامها في حمل السلاح إلى الحركات التحررية بشمال إفريقيا، وأرسلت هذه الباخرة في منطقة رأس كبدانة بإقليم الناظور([170]). وإيثار منها قررت الحركة الوطنية المغربية دفع جل السلاح الذي جاءت به هذه الباخرة بالثورة الجزائرية، ومع ذلك كان يصل الكثير من السلاح إلى المغرب خاصة من الشمال([171]).

في هذا الوقت وبعدها اختمرت الفكرة في القاهرة ودبر لها لسلاح هناك. تم تنظيم جيش في تطوان([172]).

وبعدما تمكنت الحركة الوطنية المغربية من الحصول على السلاح وتنظيم وتدريب جيش التحرير تم الاتفاق بين المناضلين المغاربة والجزائريين على قيام الثورة في الريف بالمغرب.

وفي منطقة وهران بالجزائر في الدقيقة الأولى من يوم فاتح أكتوبر، لتكون المفاجأة مربكة للجيش الفرنسي([173]). ولضمان تموين جميع فرق التحرير أحدث في كل منطقة داخل الحدود الشمالية وعلى مقربة من الحدود بين الاسبانيين والفرنسيين مركزا ثم تزويده بما يحتاج إليه المجاهدون من الموارد الغذائية([174]).

وبعد بدء المعارك دفعت فرنسا بقواتها برا وبحرا لمواجهة جيش التحرير([175]).

لكن وبالرغم من تفوق القوات الفرنسية المادي والعسكري، استطاع جيش التحرير بفضل إيمان رجاله بعدالة قضيتهم، من أن يكبد قوات الاحتلال خسارة فادحة في الأرواح والعتاد، فبدا الاستعماريون يرضخون للواقع طوعا أو كرها([176]). هكذا وفي صباح الاثنين 31 أكتوبر 1955، هبطت الطائرة التي حملت محمد الخامس إلى وطنه وعرشه معززا منصورا([177]). ورغم رجوع الملك إلى عرشه وتكوين حكومة مغربية فإن جيش التحرير بقي حاملا السلاح مرابطا في جبال الريف يكبد الجيش الفرنسي خسائر في الأرواح والمعدات([178]).

وبعد انتهاء المفاوضات وحصول الملك محمد الخامس على اعتراف فرنسا باستقلال المغرب يوم 2 مارس 1956. عرفت مدينة تطوان عشية يوم 4 مارس 1956 مظاهرة صاخبة تعبيرا عن بهجة الاستقلال، تزعمها حزب الإصلاح الوطني، إلا أن تدخل القوات الاسبانية حول هذه المظاهرة إلى مواجهة دامية([179]). فالحكومة الاسبانية لم تكن راغبة في أن يحصل المغرب عن استقلاله لأن حماية اسبانيا على الشمال ستسقط من ذات نفسها (…) لأن ما يربطها بالغرب يستند إلى معاهدة لم يكن المغرب طرفا فيها، فإذا سقطت المعاهدة (الحماية) بقي وجودها في الشمال بدون سند قانوني أو دولي([180]).

على هذا الأساس وبتاريخ 7 أبريل 1956 أعلنت اسبانيا استقلال المنطقة الشمالية من المغرب([181]). بذلك انتهى عهد التفرقة، وأصبحت الأمة المغربية كلها تتمتع باستقلال المغرب ووحدة ترابه. فالاستقلال والوحدة كان شعار الحركة الوطنية ولذلك كانت تعمل في وحدة كاملة في الشمال والجنوب، هذه الوحدة التي تجسدت بالفعل في إعلان اندماج « حزب الإصلاح الوطني » في « حزب الاستقلال » يوم 17 مارس 1956، قبل اعتراف اسبانيا باستقلال منطقة الشمال([182]).

إذن من خلال المعطيات السالفة الذكر، تبين لنا بالملموس أن الحركة الوطنية في شمال لعبت دورا كبيرا ليس فقط في استقلال المنطقة فحسب، ولكن في العمل من أجل تحقيق استقلال المغرب ووحدة ترابه. فالحركة الوطنية استطاعت أن تخلق المعجزة بالشعب ومع الشعب ولم تكن هذه المعجزة إلا بالرجال الذين قادوا هذه الحركة وكانوا زمرة قليلة، ولكن هذه الزمرة لم تلبث أن كثرت حتى أصبحت الشعب كله.

فما من شك في أن كل حركة تستهدف التغيير، وتنطلق بمفهوم جديد للحياة تستمد وجودها وفلسفتها ومذهبها وممارستها من طبيعة البلد الذي وجدت فيه ومن طبيعة الشعب الذي نهض بها، ومن تاريخ البلد وماضيه والمؤثرات الرئيسية التي طبعت حياته في الماضي والحاضر([183]).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني: دور جيش التحرير في المقاومة (1955-1956).

  • تأسيس جيش التحرير بالشمال

منذ استقرار أعضاء المقاومة في الشمال و تأسيس لجنة تطوان ، ثم وصول الأسلحة من الشرق على مثن السفن الثلاث بدأ الالحاح في إيجاد مركز تكوين لجيش التحرير المغربي وذلك في الشمال الشرقي للمغرب وبالضبط في الناظور. بعد محاولات قام بها سعيد بونعيلات وحسن صفي الدين، اللذان لم يتمكنا من اتمام المهمة حيث اكتشفت أمرهم السلطات الاسبانية فاعتقلت بونعيلات بينما فر الآخر، ثم أعاد الكرة الحسين برادة إلا أنه هو الآخر لم يوفق ،فكان الأمر ملحا في إيجاد مكان لهذا المركز. حيث كانت الجمهورية المصرية تتبع أخبار هذه التحركات بواسطة الضباط الذين كلفتهم بمساعدة حركات التحرر في المغرب العربي. ولهذا عرض عبد الله الصنهاجي اللجنة المكونة من سعيد بونعيلات، المسعدي، عبد الكريم الخطيب….،مشروعا يشتمل على تنظيم و التنسيق بين المقاومة والذي تناول النقاط التالية:

1 –تطوع بنفسه ( عبد الله الصنهاجي ) لتحمل مسؤولية إيجاد مركز بالناظور لتكوين جيش التحرير بصفة سرية .

2 – أن يتحمل الإخوة الحسين بن عبد الله الوزكيتي، سعيد بونعيلات، حسين برادة، المدني بن محمـد المغراني مسؤولية المقاومة السرية في الاقاليم الجنوبية الخاضعة للسيطرة الفرنسية، باستثناء إقليمي تازة و وجدة ، فإنني أتحمل مسؤولية تسيير المقاومة فيها نظرا لقربهما إلى إقليم الناظور .

3 ـــ أن يتحمل الخطيب مسؤولية الاتصال خارج المغرب فيما يخص شؤون المقاومة.

4 – أن يتحمل عباس المسعدي ، مسؤولية التنسيقيين أعمالنا داخليا و خارجيا.

5 – أن يتكون قيادة احتياطية في الشمال مركبة من المقاومين البارزين الموجودين في الشمال([184]).

بعد تدارس هذا المشروع وافقوا، عليه فانطلق يوم  7 يونيو 1955 عبد الله الصنهاجي إلى مدينة الناظور حاملا تصريحا من الإدارة المركزية الإسبانية يخول له المرور للعمل على تنظيم اللاجئين الوافدين على هذه المدينة ، و بعد وصوله اتصل ببعض المقاومين اللاجئين هناك. حيث تمكن إيجاد بيت مكون من 5 غرف، الذي أصبح مركز قيادة جيش التحرير ومدرسة لتكوين عناصره.

بعد شيوع خبر تكوين هذا المركز أصبحت وفود المقاومين اللاجئين تأتي إليه بشكل مستمر حيث أصبح منطلقا لإمداد المقاومين في منطقة الحماية الفرنسية بالسلاح الحفيف كالمسدسات و القنابل اليدوية، لكن مركز القيادة هذا ظل صامدا و لم يتم إغلاقه بعد الإتفاق الفرنسي الإسباني في شخصي المندوب السامي الاسباني و المقيم العام الفرنسي و الذي تمخض عنه طرد جل المقاومين اللاجئين في المناطق الشمالية .

 و كان أساتذته هم: العربي بن المهيدي، عباس المسعدي ،كان تكوين المتدربين يعتمد على تدريس  حرب العصابات ويستعملون في ذلك كتيب صغير عدد صفحاته 163 واسمه  » أصول حرب التحرير »  صدرت أول طبعته سنة 1951 وهو من تأليف كاتبين مصريين يتضمن دروس نظرية، كما يتم تكوين تدريب فرق المقاومة على استعمال مختلف أنواع الأسلحة النارية و منها البنادق العشارية الانجليزية و البنادق الرشاشة الأمريكية والمدافع الرشاشة من نوع 24 الانجليزية و البنادق الخماسية والمدافع الرشاشة البلجيكية. والقنابل اليدوية و كيفية مقاومة الجنود في مختلف الوضعيات و أماكن تواجدهم، و كيفية استهداف الدبابات.([185])

إضافة الى مختلف التداريب التي تلقاها المتدربون، اهتم المشرفون كذلك على الصحة النفسية و رفع المعنويات  و شحنها بالأخلاق و القيم الاسلامية و المثل الوطنية و بذلك أصبح تكوين هذه  الأطر متكاملا مما سيجعلهم يقومون بمهمتهم على أكمل وجه.

2 – مركز التداريب العسكرية:

كانت هذه الضيعة غير بعيدة عن مدينة تطوان إذ تفصل بينهما مسافة 4 كلمترات، تتوفر فيها جميع شروط التدريب العسكري، لذلك اختارتها لجنة تطوان لتكون مدرسة أخرى لتكوين عناصر جيش التحرير، كلفت ندير أبو زار (عبد القادر) بتكوين المتدربين وهو من أب جزائري و أم ايطالية ولد بالرباط و درس بها و نظرا لازدواجية الأسرة كان يتحدث العربية بصعوبة حيث تربى تربية فرنسية في شبابه حتى عرف باسم « ريمون »([186]). بعد تخرجه عين مراقبا مدنيا لدى سلطات الحماية، لكن هذا لم يستمر طويلا ليترك مهامه اثر اختلاف حصل بينه وبين  الفرنسيين ليلتحق بالقاهرة، اتصل بالمقاومين هناك ليتشبع بالأفكار التحررية ، و كان اتصاله هذا مع أعضاء الثورة هناك ومكتب المغرب العربي عاملا حاسما في إقناعه بالعودة إلى المغرب رفقة هواري بومدين على متن السفينة المحملة بالسلاح دينا، بحيث كان واحدا من بين المكلفين بإشعال فتيل حرب التحرير بالمغرب العربي([187]). فاستقدمه عبد الكريم الخطيب للقيام بمهمة تدريب العناصر الأولى من جيش التحرير و تعليمهم مبادئ حرب العصابات([188])،و بعد ان استلم بوزار هذه المهمة ، حيث قسم المتدربين الى أفواج وكتيبات يرأسها أناس قادمون من الجيش الفرنسي ، فكانت دراسة السلاح من المهام الأولى التي يتوجب على كل متدرب معرفتها، كالبنادق الرشاشة التي يتعين عليهم ان تفكيكها و تشحيمها.

إضافة إلى هذا كان أبوزار يعد دروسا نظرية في حرب العصابات حيث يقول أنه استنبطها تاريخيا من دولة الموحدين عندما كانوا تحت امرة زعيمهم محمد بن تومرت يمارسون هذا النوع من الحروب ضد المرابطين([189]).

 ولقد عُدَّ أبو زار من أحسن الإختصاصين في تدريب المغاربة على حرب العصابات وذلك لتجربته داخل الجيش الفرنسي، إضافة إلى أنه نهل من الكتب في تدعيم تجاربه وتجسيدها على أرض الوقع، اي على الاراضي المغربية التي ستدور فيها حرب التحرير، فدرس الكتب التي تناولت حرب الهند الصينية ، كما كان  يخلق جو التنافس بين المتدربين، و بذلك حضي وسط طلبته بالاحترام والتقدير، فكان تدريبه جد منظم بحيث تناول النظام العسكري ، فك السلاح و تركيبه، تكوين الزمرة ، تكوين الفصيلة ، التقدم أثناء المشي ، الكمين، الإنسحاب السريع ،والهجوم المباغت، وغيرها من مناورات التكتيك العسكري، المعمول به في حرب العصابات([190]).

كان المتدربون يختلفون حسب الفئات العمرية ، كما كان مستوى الفهم ايضا يختلف بحيث كان البعض يتقن الكتابة و القراءة  و من  مستواهم ضعيف و من لا يعرف الكتابة و لا القراءة ، لكن الحماس الوطني كان غالبا عليهم، في سبيل تحرير الوطن و استقلاله مما يزكي ذلك تحيتهم للعلم صباح مساء. لذلك تعتبر هذه التداريب بشهادة الذين  تلقوها قاسية جدا حيث كانوا بصدد تحضيراتهم لموعد انطلاقة العمليات، و قد استمرت هذه التداريب حوالي أربعة أشهرما بين يوليوز و بداية نونبر 1955([191]).

لكن ما يجب ذكره حول مركز جنان الرهونيأن القيادة في تطوان لم تأذن للمجاهدين هناكبدأ العمليات إلا بعد شهرين من انطلاق معارك جيش التحرير، و ذلك لفك الحصار الذي لحق جيش التحرير في مثلث الموت (بورد ،أكنول ،تيزي أوسلي) وإيموزار مرموشة، مما جعل البعض يرى أن هذا المعسكر لم يقدم أي دعم لجيش التحرير الذي انطلقت عملياته في 2 أكتوبر1955.

و في هذا يرى عبد الكريم الخطيب « ….وقد توخينا من تأسيس المدرسة(جنان الرهوني) هدفين: الاول تكوين مجموعة من الشباب على الاساليب الحديثة في القتال، والثاني هو تضليل المخابرات الفرنسي التي ركزت اهتمامها على مدرسة الرهوني في حيث بدأنا الهجوم في منطقة اخرى »([192]).

و تجدر الإشارة أيضا أن عودة السلطان كانت في 16 نونبر 1955 و انطلاقة هذا الجيش جاء متأخرة مما جعل المتتبعين له يعتبرونه جاء لتصفية الحسابات التي راح ضحاياها العديد من المقاومين البارزين مثل عباس المسعدي و عبد الله الحداوي وثورية  الشاوي و غيرهم.

3: انطلاق عمليات جيش التحرير بالشمال.

بعد وضع أسس جيش التحرير وتأسيس مركز القيادة في كل من تطوان والناضور ثم بدأت الإتصالات بينه وبين القبائل في الشمال قصد تشكيل فرق جيش التحرير هناك ،لتبدأ العمليات ضد المستعمر الفرنسي وعلى هذا الأساس بدأت قيادة الناضور في محاولة الإتصال بهذه القبائل سواء الواقعة  في الريف كقبائل كزناية أو الشرق  والأطلس كقبائل إيموزار مرموشة .

أ- قبائل كَزناية وتشكيل جيش التحرير

راودت فكرة حمل السلاح قبائل كَزناية شأنها في ذلك كباقي القبائل في ربوع  المغرب من أجل مواجهة المستعمر،  حيث استقت الفكرة من المقاومة التي قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي ضد الإستعمار الإسباني، فمند أوائل الخمسينات  بدأت في التحضير لهذه المواجهة، وفي هذا التنظيم المبكر يقول عبد العزيز الدوائري أحد القادة الميدانيين لجيش التحرير في المنطقة : « وكثيرا ما كنا نسمع هذا الخطاب الهام من رفيقي الخاص الفقيه العلامة  الحاج علي أقوضاض ؛ أن انتفاضة ستقلب صفحة الإستعمار تنتظرنا لا محالة، عندما تمتد يد الإستعمار إلى تنفيد مخططاته و تهديداته المتكررة المتنوعة ، فجعل كل فرد من الإخوان المنخرطين في السلك الإعدادي ببذل النفس والنفيس و بسخاء في إعداد العدة للعمل ، فحصلت على ثلاثة مسدسات بذخيرتها ، وبمالي الخاص …. كما حصل الرفاق الآخرون على سلاحهم الشخصي بوسائلهم الخاصة، وبقينا ننتظر تعيين الوقت …. إلى أن وقعت الواقعة  في إبعاد السلطان في 20 غشت ([193])« ومن هنا يتبين لنا أن قبائل كزناية كانت السباقة إلى التهييء للعمل المسلح قبل 1953، فبعد هذا التاريخ سيتم تفعيل هذا الإختيار وذلك بالبحث عن الأسلحة، توسيع قاعدة المنخرطين في الخلايا، بالمشي قدما في هذه الخطة وقع الإتصال بمركز جيش التحرير بالناضور فيقول عبد العزيز الدوائري« … وجدنا بغيتنا المنشودة في هذه الجماعة  التي حلت أنذاك بالناضور المركز الأساسي لجيش التحرير  فهيئ لنا عند ذلك الجو للعمل([194]) » وعلى هذا الأساس وقع أول اجتماع بينهم في 17 يونيو 1955 حضره كل من  الحسين برادة ، بن عبد الله الوكوتي، سعيد بونعيلات ومحمد أبلعير([195])، ومن هنا توطدت العلاقات من أجل تشكيل فرق جيش التحرير في هذه المنطقة استعدادا لخوض المعارك ضد المستعمر الفرنسي .

كان مركز الهرهار أهم المراكز التي كانت تعقد فيها الإجتماعات للتشاور والتنسيق مع قيادة الناضور ومركزا للتداريب بحيث يستقبل وفود الشباب الراغبين في الإلتحاق بجيش التحرير من منطقة بورد، أكنول وتيزي أوسلي لهذا الغرض ([196])، كما تم فيه أيضا توزيع الأسلحة على هذه المناطق الثلاث بحيث وصل عدد البنادق الموزعة 76 بندقية كان نصيب تيزي أوسلي 17 ، بورد 19 وأكنول 40 بندقية، وتولى عباس المسعدي عملية التقسيم فسلم للفريقان أسلحتهما عدا وفد أكنول الذي لم يحضر، فكلف أحد الرجال الآخرين ليقوم بمهمة إيصال الأسلحة إلى المركز الغائب وفده([197]).

بعد الإنتهاء من تنظيم الخلايا وتدريب المجاهدين على استعمال مختلف أنواع الأسلحة وكذا التدرب على حرب العصابات، التوصل بالأسلحة  وتهييئ جميع الظروف بما فيها التموين الكافي ، حدد موعد 2 أكتوبر كموعد لانطلاق عمليات جيش التحرير ضد المستعمر الفرنسي ومن أهم المراكز التي كانت مسرحا للعمليات بالشمال:

  • مركز بورد :

 كان واحدا من المراكز التي نجح فيها الهجوم، فبعد الإعلان عن 2 أكتوبر 1955 كموعد لانطلاق العمليات؛ تجمع المقاومون الذين كانوا من بين الفرق التي ستهاجم هذا المركز والتي وصل عددها إلى نحو 100 مقاوم ينتمي أغلبهم الى الدواوير المجاورة لمنطقة بورد([198])، فكان أول عمل قام به المجاهدون هو قطع أسلاك الهاتف التي تربط المركز بمحيطه، حيث لم يدم الهجوم سوى أربع ساعات من الوقت لتكون العملية ناجحة، فبداية طوقت فرق جيش التحرير المركز ثم لجأت إلى فتح الباب بالقوة ومن تم الذهاب إلى النقاط التي رأى فيها المجاهدون أنها أساسية داخله؛ كاقتحام مستودعات الأسلحة والذخيرة وأخد كل ما فيها والتي وصلت عددها إلى نحو 114 قطعة سلاح، كما توجهت عناصر أخرى  إلى السجن وإطلاق السجناء  وفي النهاية تم إحراق المركز مع جميع مكوناته بالإضافة إلى سيارة القبطان الذي فر منذ بدإ الإشتباك، وبحلول  الساعة الخامسة  انسحب الجميع من الموقع نحو الجبال والغابات المجاورة ([199]).

  • مركز تيزي أوسلي:

 قاد الهجوم على هذا المركز محمد الغابوشي العجوري حيث تمكن مع الفرق المشاركة من إحراقه وتخريب كل مرافقه الإدارية وجميع مصالحه، كما تمكنوا من إطلاق السجناء، ومن تم الإلتحاق بالجبال والتحصن بها بعد أن غنموا في هذه العملية أزيد من 200 بندقية وبعض أجهزة الراديو([200])، فعملوا على محاصرة العدو الذي لجأ هو الآخر إلى الجبل  فاستعان بالقوات الجوية في إمداده بالأغذية بعد نفاذ مخزونه، فقد أحكم المجاهدون السيطرة على كل المنافد البرية للمنطقة والتي أمطرتها القوات الفرنسية بالقنابل طيلة 4 أيام متتالية([201]).

  • مركز أكنول:

 كان التخطيط للهجوم على هذا المركز أيضا في التاريخ المحدد ب 2 أكتوبر ، فكلفت القيادة في الناضور مسعود أقجوج للقيام بالعملية ؛لكنه لم ينجح في ذلك لسوء التدبير، فتولى القيادة بعده السارجان عبد السلام الذهبي([202]). وبعد هذا الهجوم الفاشل عزم المجاهدون على تحطيم قنطرتين  في كل من أجدير وعين الحمراء وذلك لعزل الفرنسيين بقطع الإمدادات عليه ففي الأيام الموالية 4/5 أكتوبر تحطم ما مجموعه 5 قناطر والعديد من الأعمدة الهاتفية ومن هناك بدأت المواجهة مع العدو الفرنسي في قدومه إصلاح الأضرار ([203]) .

وبذلك كانت هذه المنطقة مسرحا للعديد من العمليات التي استهدفت  قوات الاستعمار الفرنسي حتى عرفت بمثلث الموت (أكنول- تيزي أوسلي بورد) نظرا لضراوة المعارك، فيها استطاعت فرق جيش التحري أن تلحق الخسائر المادية المهمة والقتلى في صفوف العدو،  فغنمت العديد من الأسلحة بحيث استخدمتها في هجوماتها الأخرى أو في منطقة الجنوب بعد انتقال جيش التحرير إليها ومباشرته العمليات .

وفيما يخص النتائج التي استطاع جيش التحرير أن يحققها فقد عُدّت معركة بين الصفوف (28 يناير 1956) أعنف المعارك وأشرسها فى هذه المنطقة  إذ خسر فيها الجيش الفرنسي  أكثر من 300 جندي وجرح 600 آخرين واستنجد بكل قواته في المناطق المجاورة والطيران الحربي حيث قصفت المنطقة ككل واستمرت المعارك أكثر من نصف يوم، حتى اعتبرت شبيهة معركة أنوال فعدت حدثا بارزا عجل بتوقيع اتفاقية الاستقلال .

وهكذا فقد حقق أسلوب حرب العصابات المراد منه في تكبيد العدو خسائر مادية  وبشرية والخروج من هذا بأقل الخسائر، لعدم تكافؤ الطرفين من حيث العدد والعدة، كما لعبت المواقع التي جرت فيها العمليات الدور الحاسم؛ التي تميزت بطابعها الجبلي والمغطى بالأشجار التي حالت دون التمكن من استهداف المجاهدين بواسطة الطائرات، وبهذا شكلت المعارك التي خاضها جيش التحرير ضغطا على السلطات الفرنسية والتي أسرعت إلى التوقيع على الاستقلال الشكلي في مارس 1956؛ فبدأ الانقسام داخل جيش التحرير ما بين تيار الإدماج في القوات المسلحة وبين من أراد إكمال تحرير ما بقي من البلاد تحت الاستعمار ، وهو ما جعل الأغلبية في جيش التحرير تفضل المسيرة التحريرية التي خاضتها في الشمال وتنوي إتمامها بتحرير باقي  الأراضي في الجنوب.

 

 

 

 

 

خاتمة:

إن حركة المقاومة بشقيها المسلح والسياسي جاءت كرد فعل طبيعي، للتدخل الاستعماري الذي عرفه المغرب. وقد شملت هذه الحركة جميع المناطق المغربية التي عرفت تدخلا استعماريا. وككل المناطق المغربية، قامت بمنطقة الشمال مقاومة إثر التدخل الإسباني في المنطقة.

وقد ترأس القيادة الأولى للمقاومة ضد المستعمر بمنطقة الشمال، الشريف محمد أمزيان، فألحق بالجيش الاسباني هزائم كبيرة، ثم تولى مهمة الجهاد بعد وفاته الشريف الريسوني، ثم برز القاضي عبد الكريم الخطابي بعد اقتناعه بان أسلوب المفاوضات السليمة مع الإسبان لن يجدي نفعا. فعمل على عقد تحالفات مع السكان وقام بعدة مناوشات ضد الإسبان. وبعد وفاته انتقلت القيادة إلى ابنه محمد الشخصية الكبرى، التي أعادت للمغرب، المجد الذي فقده بعد هزيمة إيملي وتطوان فاستطاع محمد توحيد قبائل الريف، وقاد حرب التحرير الريفية فحقق انتصارا كبيرا في معركة أنوال، إضافة إلى معارك أخرى، وكون محمد بن عبد الكريم جمهورية بالريف المغربي واستطاع مواجهة التدخل الفرنسي ولكنه فضل في الأخير الاستسلام لإنهاء الحرب، لكن إسبانيا كانت قد دمرت الأرض الريفية بتلويثها بالغازات السامة وخلفت خسائر بشرية كبيرة. وبصفة عامة فقد نجحت المقاومة في مهمتها، إذ استطاعت أن تعرقل الزحف الاستعماري، كما أنها كبدت الاسبان خسائر مادية وبشرية كبيرة.

لكن أسلوب الكفاح المسلح لم يفضي إلى نتيجة مع المستعمرين، لذا غيرت المقاومة من أسلوبها، فتطورت لتصير حركة وطنية مهيكلة. خاصة وقد تكون لدى المغاربة وعي وطني فانتقلوا من الكفاح المسلح إلى مرحلة المطالب بالإصلاحات والمطالبة بالاستقلال، لكنها ستضطر للعودة إلى الكفاح المسلح مرة ثانية وهذه المرة سينجح في تحرير المغرب من أيدي الدول الاستعمارية وبذلك سينال المغرب استقلاله.

لائحة المصادر والمراجع

  • برادة عبد الرحيم :  » اسبانيا و المنطقة الشمالية المغربية 1931-1956″ ج الاول والثاني، افريقيا الشرق الاوسط، الدار البيضاء 2007.
  • الخطابي محمد بن عبد الكريم :  » صفحات من الجهاد و الكفاح المغربي ضد الاستعمار1912-1927  » الدار العربية للموسوعات : الطبعة الأولى 2010.
  • عياش جرمان «أصول حرب الريف» ترجمة محمد الأمين البزاز وعبد العزيز خلوق التمسماني الرباط 1992.
  • الوزاني محمد حسن «مذكرات حياة وجهاد التاريخ السياسي للحركة التحررية المغربية» ج 2
  • ميكيل مارتن الاستعمار الإسباني في المغرب 1860-1956 ترجمة عبد العزيز الودي ط 1 الرباط 1988.
  • ندوة «الشريف الريسوني والمقاومة المسلحة في الشمال المغربي (1913-1924)».
  • الصقلي العربي : مذكرات من التراث المغربي ج 5.
  • أغزادي لحسن: « ابن عبد الكريم و حرب الريف » ج 1.
  • العلمي محمـد « زعيم الريف محمد بن عبد الكريم الخطابي » ط 2 الدار البيضاء.
  • روبيرت كونز – رولف ديبيتيرمولير: حرب الغازات السامة – ترجمة : عبد العالي المراني
  • البوعياشي أحمد « حرب الريف التحريرية و مراحل و مراحل النضال ج1
  • ابو النصر عمر: بطل الريف الامير عبد الكريم المكتبة الأهلية بيروت 1934.
  • التمسماني عبد العزيز « بحوث و نصوص حول تاريخ المغرب « 
  • العلمي محمد « زعيم الريف: محمد بن عبد الكريم الخطابي » ط2 الدار البيضاء.
  • الجابري عابد محمد: « المغرب المعاصر: الخصوصية والهوية، الحداثة والتنمية، طـ: 1، البيضاء، 1988.
  • بن جلون عبد المجيد: هذه مراكش، ط :1 –مطبعة الرسالة، الرباط 1949.
  • غلاب عبد الكريم: تاريخ الحركة الوطنية بالمغرب، من نهاية الحرب الريفية إلى بناء الجدار السادس في الصحراء، ج 1، ط:2 مطبعة الرسالة- الرباط.
  • زنيبر محمد: صفحات من الوطنية المغربية من الثورة الريفية إلى الحركة الوطنية، مطبعة دار النشر المغربية، البيضاء، 1990.
  • الفاسي علال: الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، دار الطباعة المغربية، تطوان،.
  • بن عزوز حكيم محمد: وثائق الحركة الوطنية في شمال المغرب، ج1، ط: 2، مطابع الشويخ- تطوان- 1981.
  • الإدريسي محمد حمو: الحركة الوطنية في الشمال ودورها في استقلال المغرب والجزائر – مطابع البوغاز، ط 1، طنجة 1990.
  • بن الحسين عبد السلام: الحركة الوطنية الاصطلاحية في شمال، مجلة المقاومة وجيش التحرير، عدد 6، الرباط 1983.
  • الصفار حسن: حزب الإصلاح الوطني والاستقلال، مجلة كلية الآداب بتطوان، السنة 5، العدد 5، 1991.
  • الوزاني محمد حسن: مذكرات حياة وجهاد، الجزء الثاني والسادس، ظهور الأحزاب والمطالبة بالاستقلال، مطبعة المتوسط، بيروت، 1982.
  • بن عزوز حكيم، سبتة ومليلية في عهد الحماية: وثائق تاريخية، مطبعة المعارف الجديدة- الرباط، 1988.
  • روم لاندو: تاريخ المغرب في القرن 20 ترجمة نقولا زيادة دار الكتاب – البيضاء، 1963.
  • عسه أحمد: المعجزة المغربية. دار القلم للطبع، ط 1، بيروت، لبنان، 1994.
  • الصنهاجي عبد الرحمان عبد الله: مذكرات في تاريخ المقاومة وجيش التحرير المغربي، مطبعة فضالة، 1986 -1987، المحمدية.
  • الودغيري عبد الرحيم « تاريخ خلية قبل و بعد الاستقلال 1953 – 1956 » مطبعة فيدي برانت الرباط ط 1، 2001.
  • أزكاغ عبد العزيز « جيش التحرير بين خيار المقاومة والمساومة: بشهادة القائد الميداني أزوكاغ حدوش  » مطبعة أنفوبرانت فاس 2014.
  • العزوزي محمد بن عمر » حقائق تاريخية عن تأسيس جيش التحرير بقبيلة كزناية » ط 1 2002.
  • بن عاشر جناح « ذكريات تاريخية » المكتبة السريعة القنيطرة 2002.
  • الخطيب عبد الكريم « جهاد من أجل التحرير(1921-2008) »،الرباط 1999.

 

 

المجلات والموسوعات

 

  • مجلة المقاومة وجيش التحريرالعدد 12.
  • مجلة دار النيابة العدد الخامس 1983.
  • سلسلة أعلام العرب. القاهرة. 1968
  • مجلة أمل ع الثاني عشر، 1997.
  • موسوعة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير بالمغرب ، المجلد الثاني، الجزء الثاني والثالث.
  • مجلة تاريخ المغرب العدد الأول السنة الأولى.

 

 

 

 

 

الفــــــهرس

مقدمـــــــة:. 3

الفصل الأول: الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الشمال  5

المبحث الأول: الوضع السياسي.. 6

المبحث الثاني: الوضع الاقتصادي.. 11

المبحث الثالث: الوضع الاجتماعي.. 14

الفصل الثاني:  مقاومة التدخل العسكري في منطقة الشمال المغربي   17

المبحث الأول: مقاومة محمد أمزيان (1909-1912):. 18

المبحث الثاني: مقاومة الشريف الريسوني (1912-1924). 23

المبحث الثاني : مقاومة محمد بن عبد الكريم الخطابي (1921 – 1926)  31

الفصل الثالث: الحركة الوطنية وجيش التحرير في الشمال ودورهما في استقلال المغرب   53

المبحث الأول: دور الحركة الوطنية في المقاومة (1934 -1956)  54

المبحث الثاني: دور جيش التحرير في المقاومة (1955-1956). 72

خاتمة:. 81

لائحة المصادر والمراجع. 82

الفــــــهرس… 85

 

 

 

[1]– برادة عبد الرحيم :  » اسبانيا و المنطقة الشمالية المغربية 1931-1956″ ج الاول افريقيا الشرق الاوسط الدار البيضاء 2007 ص 109

[2]– المرجع السابق: ص 109

[3]– المرجع نفسه ص 109

[4] – المرجع سابق : ص 110

[5]– المرجع السابق: ص 111

[6]–  المرجع السابق : ص 112

[7]– المرجع السابق، ص 112

[8]– المرجع نفسه ، ص 112

[9]– الخطابي محمد بن عبد الكريم :  » صفحات من الجهاد و الكفاح المغربي ضد الاستعمار1912-1927  » الدار العربية للموسوعات : الطبعة الأولى 2010. ص 10.

[10]– المصدر السابق ص 19

[11]– المصدر نفسه ص 19

[12]– المصدر السابق ص 22

[13]– المصدر نفسه ص 23

[14] – المصدر السابق ص 24

[15]– المصدر السابق ص 24

[16]– المصدر نفسه ص 25

[17]– المصدر السابق ص 26

[18]– المصدر نفسه ص 27

[19]– عياش جرمان «أصول حرب الريف» ترجمة محمد الأمين البزاز وعبد العزيز خلوق التمسماني الرباط 1992 ص 136

[20]– الوزاني محمد حسن «مذكرات حياة وجهاد التاريخ السياسي للحركة التحررية المغربية» ج 2 ص9

[21]– عياش جرمان «ردود الفعل المغربية أمام الإحتلال الإسباني والفرنسي» مجلة دار النيابة العدد 5 1983 ص 25.

[22]– الوزاني محمد حسن مرجع سابق ص 12.

[23]– نفس المرجع ص 12.

[24]– مجلة العربي، العدد 288، 1982 ص 139

[25]– الوزاني محمد حسن، مرجع سابق ص 12.

[26]– نفس المرجع، ص 14.

[27]– عياش جرمان ، مرجع سابق ص 144.

[28]– عياش جرمان ، مرجع سابق ص 144.

[29]– نفس المرجع، ص 145.

[30]– نفسه 157.

[31]– عياش جرمان أصول حرب الريف مرجع سابق ص 159.

[32]– موسوعة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير بالمغرب أحمد مهدرها، المجلد الثاني، الجزء الثاني ص 370.

[33]– موسوعة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير بالمغرب مرجع سابق ص 370.

[34]– نفس المرجع ص 371.

[35]– نفسه ص 371.

[36]– موسوعة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير بالمغرب مرجع سابق ص 371.

[37]– نفس المرجع ص 371.

[38]– موسوعة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير بالمغرب مرجع سابق ص372.

[39]– نفس المرجع ص 372.

[40]– ميكيل مارتن الإستعمار الإسباني في المغرب 1860-1956 ترجمة عبد العزيز الودي ط 1 الرباط 1988 ص 43.

[41]– نفس المصدر ص 45.

[42]– ميكيل مارتن مصدر سابق ص46.

[43]– ميكيل مارتن مصدر سابق ص47.

[44]– السعود عبد العزيز «الشريف الريسوني والمقاومة المسلحة في الشمال المغربي (1913-1924)» أعمال ندوة ص 89-90.

[45]– كنون عبد الله : مجلة أمل ع 12 ، 1997 قضايا حركة محمد بن عبد الكريم الخطابي ص 18

[46]– الصقلي العربي : مذكرات من التراث المغربي ج 5 ص 171-172

[47]– عياش جرمان : أصول حرب الريف ص 178-179

[48]– أغزادي لحسن:  » أطروحة لنيل الدكتوراه الدولة ابن عبد الكريم و حرب الريف » ج 1 ص 112

[49]– أغزاي لحسن: » اطروحة نيل دكتوراه » بن عبد الكريم و حرب الريف » ج 1 ص 112 – 113

[50]– ميكل مارتين : مصدر سابق ص 58

[51]– الصقلي العربي: مرجع سابق ج 5 ص 173

[52]– الصقلي العربي: مرجع سابق ج 5 ص 174

[53]– الصقلي العربي : مرجع سابق ج 5 ص 174-175

[54]– اغزاي لحسن مرجع سابق ص 114

[55]– موسوعة الحركة الوطنية و المقاومة و جيش التحرير بالمغرب  » الكفاح الوكني في مواجهة الاستعمار  » تدخل    الأستاذ علي الإدريسي، الرباط ، منشورات عكاض اكتوبر 2005(و م1 ج1 ص 149.

[56] – موسوعة الحركة الوطنية , المرجع السابق  ص 59

[57]– العلمي محمـد : زعيم الريف محمد بن عبد الكريم الخطابي ط 2 الدار البيضاء ص 21

[58] – المرجع نفسه ص 21

[59]– المرجع نفسه ص 21

[60]– ميكل مارتن م س ص 59

[61]– العلمي محمد مرجع سابق 21و22.

[62]– المرجع نفسه ص 22

[63]– المرجع نفسه ص 22

[64]– ميكل مارتن م س ص 60 – 61

[65]– موسوعة الحركة الوكنية م س  ص 149

[66]– ميكل مارتن مرجع سابق ص 61

[67]– ىروبيرت كونز–رولف ديبيتير مولير: حرب الغازات السامة– ترجمة : عبد العالي المراني  ص 51

[68]– البوعياشي أحمد: حرب الريف التحريرية و مراحل و مراحل النضال ج1 ص 137

[69]– البوعياشي أحمد: م س ص 138

[70]– يحي جلال: عبد الكريم الخطابي . سلسلة أعلام العرب. القاهرة. 1968 47ص

[71]– روبيرتفورنو: عبد الكريم أمير الريف ت . د فؤاد ايوب  ص 71

[72]– روبيرت م س ص 68

[73]– روبيرتفورنو : م س ص 71

[74]– البوعياشي أحمد : م س ص 118

[75]– البوعياشي احمد مس ص 128

[76]– روبيرتفورنو م س ص 75

[77]– ربيرت فورنو م س ص 77

[78]– البوعياشي احمد م س  191

[79]– ربيرت فورنو م س ص 78

[80]– البوعياشي احمد م س 174

[81]– ربيرت فورنو م س ص 80

[82]– البوعياشي أحمد : م س ج 2 ص 167

[83]– الوزاني محمد حسن: مذكرات حياة و جهاد ج 2 ص 102 – 103

[84]– البوعياشي احمد م س ج 2 ص 167

[85]– ابوالنصر عمر: بطل الريف الأمير عبد الكريم ص 136

[86]– البوعياشي احمد م س   ج2 ص 180

[87]– الوزاني محمد م س ص 369

[88]– الوزاني محمد م س ص 61

[89]– الوزاني محمد حسن: م س الفصل 7 ص 62

[90]– الوزاني محمد حسن م س  ص 63

[91]– التمسماني عبد العزيز : بحوث و نصوص حول تاريخ المغرب  » البحث الخامس ص 80

[92]– يحي جلال: » عبد الكريم الخطابي سلسلة أعلام العرب القاهرة 1968 ص 47

[93]– روبيرت فورنو م س ص 73

[94]– يحي جلال م س ص 50

[95]– ربيرت كونز رولف ديتير مولر « حرب الغازات السامة بالمغرب » ، ترجمة عبد العالي الامرني ص 52

[96]– العلمي محمد « زعيم الريف: محمد بن عبد الكريم الخطابي » ط2 الدار البيضاء ص 25

[97]– كريدية ابراهيم : مجلة “ ABDELKARIM DANS LE RIF” JEAN DESME “HESTORIA”ص 503

[98]– كريدية ابراهيم : م س ص 104

[99]– مجلة تاريخ المغرب العدد الأول السنة الأولى ص 154

[100]– يحي جلال م س ص 57

[101]– العلمي محمد م س ص 36

[102]– روبيرت فورنو: م س ص 86

[103]– ابوالنصرعمر « بطل الريف الأمير عبد الكريم » م.س ص 140

([104]) برادة عبد الرحيم: اسبانيا والمنطقة الشمالية المغربية، 1931 – 1956، ج الثاني افريقيا الشرق الأوسط، الدار البيضاء 2007، ص: 226.

([105]) نفس المرجع، نفس الصفحة.

([106]) نفس المرجع، نفس الصفحة.

([107]) الجابري عابد محمد: « المغرب المعاصر: الخصوصية والهوية، الحداثة والتنمية، طـ: 1، البيضاء، 1988، ص: 101.

([108]بن جلون عبد المجيد: هذه مراكش، ط :1 –مطبعة الرسالة، الرباط 1949، ص: 212.

([109])غلاب عبد الكريم: تاريخ الحركة الوطنية بالمغرب، من نهاية الحرب الريفية إلى بناء الجدار السادس في الصحراء، ج 1، ط:2 مطبعة الرسالة- الرباط، ص: 45.

([110]) زنيبر محمد: صفحات من الوطنية المغربية من الثورة الريفية إلى الحركة الوطنية، مطبعة دار النشر المغربية، البيضاء، 1990، ص: 115.

([111]) عياش جرمان: مرجع سابق، ص: 169.

([112]) الفاسي علال: الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، دار الطباعة المغربية، تطوان، ص: 85.

([113]) بن عزوز حكيم محمد: وثائق الحركة الوطنية في شمال المغرب، ج1، ط: 2، مطابع الشويخ- تطوان- 1981، ص: 14.

([114]) الإدريسي محمد حمو: الحركة الوطنية في الشمال ودورها في استقلال المغرب والجزائر – مطابع البوغاز، ط 1، طنجة 1990، ص: 11.

([115]) بن الحسين عبد السلام: الحركة الوطنية الاصطلاحية في شمال، مجلة المقاومة وجيش التحرير، عدد 6، الرباط – مارس 1983، ص: 14.

([116]) ابن عزوز حكيم محمد: مرجع سابق، ص: 14.

([117])مرجع سابق، نفس الصفحة.

([118]) بن الحسين عبد السلام، مرجع سابق، ص: 11.

([119]) الادريسي محمد حمو: مرجع سابق، ن ص***

([120]) المرجع نفسه، ص: 12.

([121]) بن عزوز حكيم محمد: مرجع سابق، ص: 15.

([122])غلاب عبد الكريم: مرجع سابق، ج1، ص: 42.

([123]) بن عزوز حكيم محمد: مرجع سابق، ص: 16.

([124]) عبد السلام الحسين: مرجع سابق، ص: 11.

([125]) بن عزوز حكيم محمد: مرجع سابق، ص: 16.

([126]) المرجع نفسه، ن ص.

([127]) عبد السلام الحسين: مرجع سابق، ص: 11.

([128]) الادريسي محمد حمو: مرجع سابق، ص: 12 -13.

([129]) بن عزوز حكيم محمد: وثائق الحركة الوطنية. م. س، ص: 17.

([130]) عبد السلام الحسين: مرجع سابق، ص: 12.

([131]) الادريسي محمد حمو: مرجع سابق، ص: .13

([132])غلاب عبد الكريم: مرجع سابق، ص: 77.

([133]) بن عزوز حكيم محمد: مرجع سابق، ص: 29.

([134]) الادريسي محمد حمو: مرجع سابق، ص: 20 .

([135]) نفس المرجع، ص: 21.

([136])بن عزوز حكيم محمد: مرجع سابق، ص: 39.

([137]) نفس المرجع، ص: 40.

([138]) عبد السلام الحسين: مرجع سابق، ص: 13.

([139]) الادريسي محمد حمو: مرجع سابق، ص: 24-25  .

([140]) عبد السلام الحسين: مرجع سابق، ص: 14.

([141]) الادريسي محمد حمو: مرجع سابق، ص: 33.

([142]) المرجع نفسه، ص: 34.

([143])غلاب عبد الكريم: مرجع سابق، ج1، ص: 44.

([144]) زنيبر محمد: مرجع سابق، ص: 46.

([145]) الصفار حسن: حزب الاصلاح الوطني والاستقلال، مجلة كلية الآداب بتطوان، السنة 5، العدد 5، 1991، ص: 115.

([146]) بن عزوز حكيم محمد: مرجع سابق، ص: 285.

([147])الصفار حسن: مرجع سابق، ص: 115.

([148])بن جلون عبد المجيد: مرجع سابق، ص: 224.

([149])الصفار حسن: مرجع سابق، ص: 116.

([150]) الوزاني محمد حسن: مذكرات حياة وجهاد، ج 6، ظهور الأحزاب والمطالبة بالاستقلال، مطبعة المتوسط، بيروت، 1982- ص: 87.

([151]) نفس المرجع، نفس ص.

([152]) بن عزوز حكيم، سبتة ومليلية في عهد الحماية: وثائق تاريخية، مطبعة المعارف الجديدة- الرباط، 1988، ص: 159.

([153])الصفار حسن: مرجع سابق، ص: 116.

([154]زنيبر محمد: مرجع سابق، ص: 99. 

([155]) روم لاندو: تاريخ المغرب في القرن 20 ذ***نقول زيادة دار الكتاب – البيضاء، 1963، ص: 267.

([156]) عسه أحمد: المعجزة المغربية. دار القلم للطبع، ط 1، بيروت، لبنان، 1994، ص: 227 – 228.

([157])الصفار حسن: مرجع سابق، ص: 116- 117.

([158]) المرجع نفسه، ص: 119.

([159]) الادريسي محمد حمو: مرجع سابق، ص: 50.

([160])   الصفاح حسن: مرجع سابق، ص: 122.

([161]) زنيبر محمد: مرجع سابق، ص: 103.

([162]) الادريسي محمد حمو: مرجع سابق، ص: 58.

([163])بن جلون عبد السلام، مرجع سابق، ص: 238.

([164]) المرجع نفسه، ص: 258.

([165]) الادريسي محمد حمو: مرجع سابق، ص: 60.

([166])غلاب عبد الكريم، مرجع سابق، ج2، ص: 511.

 

([168])  المرجع نفسه، ص: 533.

([169])غلاب عبد الكريم ، ج2، مرجع سابق، ص: 627.

([170]) الصنهاجي عبد الرحمان عبد الله: مذكرات في تاريخ المقاومة وجيش التحرير المغربي، مطبعة فضالة، 1986 -1987، المحمدية، ص: 138.

([171])غلاب عبد الكريم ، ج2، مرجع سابق، ص: 627.

([172]) المرجع نفسه، ص: 673.

([173]) الصنهاجي عبد الرحمان ، مرجع سابق، ص: 180.

([174]) المرجع نفسه، ص:186.

([175]) الادريسي محمد حمو: مرجع سابق، ص: 151.

([176]) المرجع نفسه، ص: 153.

([177]) المرجع نفسه، ص:156.

([178]) الصفاح حسن: مرجع سابق، ص: 124.

([179])غلاب عبد الكريم ، مرجع سابق،  ج 2، ص: 782.

([180]) الادريسي محمد حمو: مرجع سابق، ص: 168.

 

([182])غلاب عبد الكريم ، مرجع سابق،  ج 2، ص: 786.

([183]) نفس المرجع، ص: 919.

[184] – الصنهاجي عبد  الله « مذكرات في تاريخ… »م س ص 146

[185] – الصنهاجي عبد الله « مذكرات…. » م س، ص 161

[186] – الودغيري عبد الرحيم « تاريخ خلية قبل و بعد الاستقلال 1953 – 1956 » مطبعة فيدي برانت الرباط ط 1، 2001 ص 64

[187] – الودغيري عبد الرحيم  » المقاومة المغربية ضد الحماية الفرنسية 1952 – 1956″ م س ص 138

[188] – الخطيب عبد الكريم « جهاد من اجل التحرير (1921-2008) »، الرباط 1999. ص 17

[189] – الودغيري عبد الرحيم « تاريخ خلية…. » م س ،ص 72

[190] – بن عاشر جناح  » ذكريات تاريخية »المكتبة السريعة القنيطرة 2002. » ص 58

[191] – المصدر نفسه ص 59

[192] – جهاد من اجل التحرير م س ص 59

[193]– الدوائري، عبد العزيز « تأسيس جيش التحرير في الشمال  » ،مجلة المقاومة وجيش التحرير  ع 12 ص14 .

[194]– المصدر نفسه ص 17

[195]-المصدر نفسه ص 18

[196]-أزكاغ عبد العزيز « جيش التحرير بين خيار المقاومة والمساومة: بشهادة القائد الميداني أزوكاغ حدوش  » مطبعة أنفوبرانت فاس 2014 ص 42

[197] – العزوزي محمد بن عمر »حقائق تاريخية عن تأسيس جيش التحرير بقبيلة كزناية » ط 1 2002  ص 95 /96

[198]– الدوائري عبد العزيز « تأسيس جيش التحرير ….. »م س ص 26

[199]– أزكاغ عبد العزيز ص 68/69

[200]– الصنهاجي عبد الله « مذكرات في …. » م س ص169

[201]– العزوزي محمد بن عمر « حقائق تاريخية عن تأسيس …. » م س ص 100

[202]– الصنهاجي عبد الله « مذكرات في….. » م س ص 172

[203]– الذهبي عبد السلام « يوميات معارك جيش التحرير بأكنول  » موسوعة الحركة الوطنية الجزء الثالث المجلد الثاني ص 297

Laisser un commentaire