« ملامح اشتغال التراث في روایة جارات أبي موسى لأحمد التوفیق » د. بديعة الطاهري

شارك Share Partager

View Fullscreen

جامعة أكادير المغرب

سعت الرواية العربية منذ نشأتها إلى تأكيد حضورها باعتبارها فنا عربياأصيلا. ولعل هذا ما يفسر توجه بعض المحاولات الروائية الأولى خلال القرنالتاسع عشر إلى استلهام التراث شكلا ومضمونا. إذ توزعت الاستفادة منالتراث العربي مابين محاكاة شكل النصوص القديمة وأسلوبها، مثل المقاماتوالرحلات، وبين توظيف المادة التراثية.لكن الملاحظ أن معظم هذه الكتابات لم تكن واعية بجوهر هذه التجربة،إذ كان الهدف الأساس منها هو مواجهة الغرب وتأكيد أسبقية العرب إلى الكتابةالروائية، واستنهاض الهمم لمواجهة الانحطاط والاستعمار .وبهذا فإن السياقالحضاري لم يسعفها على الخروج بهذه التجربة من فضاء المواجهة، إلى الحقلالثقافي السليم .وربما هذا ما جعل المبدع غير متحرر، وأسير النموذج والمثالالجاهز، وجعل التجربة في بدايتها متعثرة.فضلا عن ذلك، لم يكن السجل اللغوي الذي كتبت به بعض تلك النصوصليتساوق مع القدرات اللغوية للقارئ آنذاك، ولا مع ذوقه التواق إلى الانعتاق منأسر لغة القديم، وما تطرحه من صعوبات خاصة بعد الكساد والضعف الذيعرفته اللغة العربية لفترة غير هينة.ولم ينج النقد الأدبي من هذه النزعة، إذ أن الجهود المبذولة في مجالالتنظير الروائي لم تأخذ بعين الاعتبار البعد التاريخي الذي أنتج النصوص12القديمة، كما لم تقدم البحوث النقدية دراسة بنيوية للنصوص التراثية في أفقالبحث عن العلاقة الواصلة بين القديم والحديث، والخصائص التي تتيح التماثلبين الرواية والمقامات وغيرها من النصوص التراثية. فقد كان الهدف منالالتفاتة إلى التراث تأكيد كونية العرب الحضارية، وإثبات الذات أمام الآخرالذي أبدى تفوقه ثقافيا وعسكريا وحضاريا.ولم يتبلور الوعي بأهمية التراث، وضرورة البحث عن أفق جديد للروايةإلا بعد استنفاذ الأشكال الكلاسيكية وابتذالها، وحدوث تغيرات سياسية في العالمالعربي، أهمها هزيمة 67 التي لم تكن مجرد هزيمة عسكرية. فقد وعىالمثقفون خاصة، ضرورة التفكير في واقعهم وبنياته المتعددة، وراهنوا علىإعادة سؤال هذا الواقع وتأمله. فكانت العودة إلى التراث من بين أهم الخطواتالتي اتخذت « لا من أجل الانغلاق على الذات وتقديس الأجداد، وتمجيد الماضيوالحنين الرومانسي إلى إعادته، بل لمساءلة الذات من خلال مساءلة الماضي،والوقوف على الخصائص المميزة، والهوية الخاصة » 1. كما أن وعي الروائيينبأهمية تأصيل الرواية لم يدفعهم إلى تكرار النماذج القديمة والكتابة على منوالها،وإنما حاولوا التفاعل مع التراث واستيعاب ما تضطلع به نصوصه المختلفة منوظائف، وما تحفل به من آليات طوعوها لخدمة أهداف نصوصهم الروائيةالفكرية والجمالية. كما كان لاطلاع الروائيين سواء من المغرب أم من المشرقعلى أعمال من أمريكا اللاتينية وأفريقيا دور في تنبيههم إلى أهمية العودة إلىالتراث والاستفادة منه.ظهرت نتيجة هذه العوامل وأخرى، مجموعة من الأسماء راهنت علىالكتابة التراثية وقدرتها على إمداد الإبداع الروائي بنفس جديد، وآفاق مغايرةتتيح للرواية العربية أن تفرض خصوصيتها. ومما يؤكد الوعي بأهمية التراث،والرغبة في تأصيل الرواية العربية تشبع الروائيين العرب بالثقافة الكلاسيكية13بمختلف روافدها. فاختلفت طرق التفاعل مع التراث والانفتاح على نصوصهمابين المحاكاة، والتحويل والتضمين والاستيعاب، والنقل.ورغم أن الرواية المغربية لم تحاك في سيرورتها الرواية المشرقية، فقدانتهت إلى نفس الاختيار. فبعد أن جرب الروائيون الكتابة الواقعية، سواء فيالمراحل الأولى لنشأة الرواية المغربية، أم في مرحلة التأسيس، وبعد أن خاضواغمار التجريب وفق ما أملته التجربة الروائية الفرنسية والعربية، وما أفرزهالنقد الجديد من إمكانات سردية، توجهوا إلى البحث عن أشكال تراثية 2 تعطيللرواية المغربية نفسا جديدا.وهكذا توجهت الجهود إلى التراث حكاية وأسطورةوتاريخا للاستفادة مما يتيحه من آليات سردية ومادة تراثية.ورغم أن عمر الرواية المغربية قصير، وأن الكتابات الروائية ليست منالوفرة لدى الروائي الواحد أو غيره ما يجعل التجربة تشكل مدرسة أو تيارا،فإن ما أنتج من نصوص بهدف إضفاء نفس جديد على الرواية المغربية يعتبرتجربة مهمة لاقت استحسانا من المتلقين والنقاد معا. فقد تضافرت في سبيل ذلكجهود الروائيين من الجيل القديم والجديد. فعرفت الساحة الروائية المغربيةأسماء فرضت نفسها مثل بنسالم حميش، والميلودي شغموم وأحمد التوفيقومحمد الهرادي ومصطفى لغتيري .فقد خص بنسالم حميش نصوصه الروائيةللتاريخ العربي لا استعادة لمجده أو تذكيرا بأحداثه، وإنما ليستعير مادة تاريخيةمحاولا من خلالها قراءة الواقع السياسي. وهذا ما نجده مثلا في روايته مجنونالحكم التي حاولت تصوير الاستبداد والقمع في عهد الحاكم الفاطمي لتكون تلكالفترة التاريخية لحظة لإدانة الاستبداد والقمع الذي يجد له امتدادا في الفترة التيألف فيها روايته.كما عرف الميلودي شغموم أيضا بكونه من الروائيين الذين دافعواباستماتة عن البعد المغربي في الكتابة والإبداع، وبخلق عوالم روائية متعددة14المصادر، يتداخل فيها الغرائبي والعجائبي والصوفي والأسطوري، ويتراوحفيها السرد بين الحكي الشعبي والتراثي والحداثي، في أفق تمييز الخطابالروائي المغربي .كما حاول الهرادي في روايته أحلام بقرة أن يستفيد منالتراث الإغريقي القديم خاصة رواية الحمار الذهبي ،مستعيرا فكرة التحولوالمسخ التي قاربها النص القديم .ونهج غيرهم من الجيل الجديد مثل مصطفى لغتيري الطريق ذاته، إذيلمس القارئ وعي الكاتب بتأصيل الكتابة الروائية بالعودة إلى اللغة الواضحةالسلسة، وتوظيف الغرابة في روايته رجال وكلاب. غرابة تجعل الأحداثتتراوح بين الواقع والوهم والأحلام. كما نجده في روايته عائشة القديسةيستثمر خرافة شعبية مغربية، ليفصح عن التضارب والتناقض الذي يعيشهالمجتمع المغربي.لقد أصبح الاهتمام بالتراث لدى الكتاب المغاربة، سبيلا فنيا يخلق نمطكتابة مغايرة، وبعدا معرفيا يراهن عليه المبدع لطرح أسئلة تتعلق بالواقعوقضاياه المعقدة.ونحن إذ اخترنا احمد التوفيق، فلأنه يشكل علامة متميزة ومفارقة لنمطالكتابة المغربية. خصوصا تلك التي اختارت دروبا ومسالك سردية متشعبةوعرة، قلصت من دائرة القراء وحصرت فضاء تداولها، بل خلفت انطباعابكونها لا تهتم سوى بالتجريب ودروبه حيث تختال وترفل بكل قوة وشموخ.استطاع أحمد التوفيق بلغته المتينة المعتقة بثقافته التراثية التاريخيةوالدينية، أن يعيد الاعتبار إلى الحكاية وإلى سلاسة تواترها. وهكذا أنتجنصوصا جميلة منها السيل وجارات أبي موسى وشجيرة حناء وقمر وغريبةالحسين وسنركز على نص أساس هو جارات أبي موسى، لنقف عند أهم15الاختيارات السردية التي حاول التوفيق من خلالها تأصيل الرواية المغربية.هدفنا استجلاء الإضافات التي قدمها التخييل إلى تلك البنيات التراثية.لا يمكن القول بأن أحمد التوفيق جاء إلى الرواية من باب الصدفة أوالإلهام. ذلك أن المتمعن في نصوصه عامة، وفي نصه جارات أبي موسى يتبينالثقافة المتنوعة التي ارتكز عليها إبداعه الروائي، حيث تتضافر عدة بنياتمكونة للنص الروائي تجعل منه حقلا لحوار بناء بين حقول معرفية متعددة فيهاالتاريخ، والمنقبة، والروح الكرنفالية، والحكاية .لكنها حقول لا تشتغل مستقلةعن بعضها البعض. ولا تتحقق كبنيات معزولة، وإنما باعتبارها بنيات تنصهرداخل النص الروائي وتتماسك، لتخلق لحظات سردية إبداعية يطغى عليها البعدالروائي، بل وتنصهر داخله حتى لا تكاد تظهر سوى للناقد المتمرس.إن انفتاح رواية جارات أبي موسى على نصوص أخرى يعود في نظرناإلى عوامل ثلاثة:- أولها ثقافة الكاتب التراثية .- ثانيها رغبته في تجديد الخطاب الروائي وتأصيله .- ثالثها طبيعة الرواية التي تفترض حرية وانفتاحا واختراقا لكل تقنينوتقعيد، خاصة بعدما سرى تأثير مفهوم الرواية عند باختين لدى المبدعين والنقادمعا .واعتمادا على هذه العوامل يمكننا القول إن الكتابة الروائية لدى التوفيقهي كتابة واعية بضرورة التغيير والخلق والتجديد الهادف إلى التأصيل .لكنقبل الوقوف على هذه البنيات التراثية في هذه الرواية نود أن نقف قليلا عندعوالمها لتقريب القارئ منها.16-1 تقديم الروايةجارات أبي موسى رواية تقوم على سلطة السارد الممتلك لزمام أمورالسرد. سارد غائب لا يشارك في الحكاية كشخصية فاعلة ،ولكنه حاضر بقوةيخبر ويوجه، ويؤول ويعلق بحرية تحول أحيانا دون حضور صوت الآخركشخصية مشاركة، وهو ما نتبينه من خلال مجموعة من الخطابات التي تترجمسلطته السردية كالخطاب المنقول 3، والخطاب المسرود 4 الذي يلغي الشخصية،ويختزل خطابها ويصوغه ليصبح حدثا مسرودا. إنه سارد مأسور بعشق السرد،لذا نادرا ما يتوقف ليسجل في بنية الزمن تموجات أو توقفات تحول دون تدفقالحكي. فالحكاية رغم انقسامها إلى مجموعة من الفصول، تتطور وفق خطتصاعدي يسمح لمعرفتنا السردية بالنمو والاكتمال .تتعدد فضاءات النص الروائي، وهي فضاءات واقعية مثل: فاس وسلاومصر وسجلماسة وغيرها. تحكي الرواية عن أحداث ماضية، تستعير مادتهامن التاريخ المغربي لتجعلنا نطلع بشكل عام على فترة غير محددة تحديدا دقيقايستعين بالمؤشرات الزمنية الواضحة، ولكنها تضعنا في إطار فضاء يمتاحملامحه من التاريخ المغربي في العهد المريني، على مستوى الأحداث ووصفالشخصيات والأمكنة والأشياء التي تؤثث هذا الفضاء. ويمكن أن نقسم الروايةإلى ثلاث متتاليات:- تشمل المتتالية الأولى وصول قاضي القضاة إلى سلا، وإعجابه بشامة،وزواجه منها، وانتقالهما إلى فاس، ثم رحيلها إلى سلا بعد موته، وهي ما يمكنأن نعبر عنها بالحالة الأولى.- أما المتتالية الثانية فتشمل مجموعة من التحولات تهم ما وقع لشامة،وتحرش العامل بها وبزوجها الثاني، وتعرفها على أحد الرجال الصالحين: (أبوموسى)، وغيرها من المضايقات التي تعرضت لها بسبب استبداد العامل17وأعوانه. وهو استبداد كما تبين الرواية يطال شخصيات متعددة، خاصة تجارالفندق الذي اعتبر رحى الاقتصاد في سلا.- أما المتتالية الثالثة، فتحضر كحالة أخيرة تطرح نوعا من الفعل يمكنأن يقرأ كإرهاص بإصلاح النقص الذي يلقي بظلاله على النص. ويتمثل هذاالفعل في خروج أبي موسى بصحبة شامة ونساء أخريات لأداء صلاةالاستسقاء.إن في هذا المسار الحكائي ما يجعلنا تبين بنيات تراثية تتأسس عليهاالرواية، من حكاية وتاريخ وتصوف ،تسعف المبدع على التحرر والانعتاق منقبضة الرواية الغربية، والانزياح عن مسيرتها 5. ومن أهم ما يلفت النظر، فظلاعن ذلك، كون الرواية تتخذ من عنوانها شاهدا على الانتماء التراثي .فكيفيسعف العنوان على توثيق العلاقة بين الرواية والتراث ؟.-2 ملامح التراث في عنوان الروايةيعتبر العنوان عتبة أساسية لولج العالم الروائي. اختلف النقد حول وظائفهوأهميته. فإذا كان أمبرتو إيكو يؤكد أن العناوين الغامضة غير المخبرة تعتبرمن أفضل العناوين، لأن أساس العنوان ليس في إيحاءاته الدلالية وإنما فيوظيفته التعيينية التي تمكن من تمييز هذا النص عن زخم هائل من النصوص،مما يجعل العنوان كاسم العلم يحدد الشخص ويعينه تمييزا له عن غيره منالأشخاص، فإن إغراق جينيت وغيره من النقاد في تحديد الوظائف المناطةبالعنوان، يوحي بأهمية العناوين المخبرة والمشحونة دلاليا.يقع عنوان رواية جارات أبي موسى موقعا وسطا بين العنوان المعتموالإخباري. فلا هو غامض ولا معتم بشكل كلي، لأنه يمكننا من اقتراح مساردلالي ممكن قد تطوره الرواية وتستثمره. وهو قصة الجارات مع أبي موسى،18كما أنه غير مشبع دلاليا لأنه لا يمدنا بأية معطيات تسعفنا على تبين معالم هذهالقصة وطبيعتها، سواء كانت مؤشرات فضائية أم دلالية .لكن العنوان يجعلنا، رغم ذلك، وكما أسلفنا الذكر، نتبين ارتباطه بالتراثمن خلال مكونه الاسمي. فأبو موسى يحيل في ثقافتنا العربية على شخصياتمرجعية تاريخية ودينية. فقد يحيل قبل اشتغاله النصي على سيدنا موسى، أوعلى أبي موسى الأشعري. لكن ارتباط النص بالواقع المغربي يجعلنا نربطالاسم بابي موسى الدكالي. وهو من الأولياء الصالحين الذين عاشوا أواخر عهدالمرابطين وبداية حكم الموحدين، وهو من أقدم الأولياء الذين دفنوا بمدينة سلا،والذين اشتهروا بزهدهم وعلمهم بالرغم من أنه لم يترك كتبا. وقد ذكر ابنزيات صاحب « التشوف » أنه كان من كبار الأولياء، مما يؤكد منزلته ومكانته،. وقد رحل من دكالة في اتجاه مدينة سلا، وهناك استقر إلى أن وافه أجله 6يحيل العنوان منذ البداية على عالم التصوف وما يحبل به من كراماتومعجزات. ورغم أن العنوان لا يبئر أبا موسى وإنما جاراته، فهذا لا ينفي البعدالصوفي. إذ أن فهم دلالة العنوان تقتضي أولا معرفة الشخصية المعرفة باسمالعلم وكراماتها، مما يتيح استشراف استفادة الجارات من هذه الكرامات. إنهتأويل وارد قبل قراءة النص. تتحقق بعض معالمه عند قراءة النص. حيثتشتغل شخصية أبي موسى كشخصية متصوفة لها كرامات، وحيث يتعرفالقارئ على جارات أبي موسى ومدى استفادتهن من كراماته وصحبته.إن توظيف البعد الصوفي في العنوان لا يقف عند حدود الاستثمار الفني،لكنه يهدف إلى خلق عوالم دلالية يعمل المتلقي على نثرها. فالرواية تحاول أنتعطي للمرأة صورة مختلفة عن تلك التي تحتفظ بها الذاكرة المغربية والعربيةمعا، والتي تجعل منها امرأة سلبية مهمشة. تتجلى الصورة المغايرة في المركزالذي تحتله المرأة في العنوان، إذ كان بإمكان الروائي « أن يختار عناوين أخرى19لروايته مثل « فندق الزيت » باعتباره الفضاء المحوري الذي ستجري فيه الأحداثالمركزية في الرواية، علاوة على كونه الفضاء الذي « تتجاور فيه النساء مع أبيموسى، وما شاكل ذلك من العناوين التي لا شك أن العديد منها خامر ذهن. الروائي قبل الإقدام على عنوانه المختار » 7أما المكانة النصية المفارقة للواقع فتتمثل في ما اختاره لهن أبو موسى،بحيث اعتمد عليهن لإقامة صلاة الاستسقاء بينما الأعراف والتقاليد تجعل تلكأمورا تخص الرجال، خاصة إذا كانت النساء ممن هن مهمشات في الواقع .3 – مظاهر اشتغال التراث في النص .الرواية فضاء لأساليب متنوعة تمتاح إمكانياتها الفنية من حقول معرفيةوسجلات لغوية، فيها نفحات تاريخية، وعجائبية، ومنقبية، وأدبية، تنصهرلتشكل مادة روائية. سنحاول الوقوف عند ملامح هذه البنيات لنبين طريقةحضورها وكيفية اشتغالها في النص .-1-3 التاريخمن يقرأ الرواية لأول وهلة يكتفي بعشق الحكاية، وقد يتكرم بوصفهارواية تاريخية إن لم نقل نصا تاريخيا؛ إما لأن مؤلفها في رأيه مؤرخ، أو لأنه(أي القارئ-) لا يجد نفسه، وهو يقرأ النص، في الزمن الحاضر المعاصر.قد يرتد القارئ بذاكرته إلى الوراء، محاولا تصنيف النص من خلال مااحتفظ به من صور وأحداث عن بعض النصوص الروائية العربية القديمة لسليمالبستاني، أو لجرجي زيدان خاصة.وهي روايات،كما نعرف، اتخذت التاريخبأحداثه وشخصياته إطارا وفضاء لها. ولعل ما يدعو بعض القراء إلى هذهالمقارنة ليس الفضاء التاريخي فحسب، وإنما صياغة الحكاية 8. لكن المسافة بينتلك النصوص القديمة وجارات أبي موسى شاسعة، ذلك أن جارات أبي موسىلا تجعل من الحكاية سوى وسيلة لبناء هيكلها الروائي، في حين تغدو الحكاية20في روايات جرجي زيدان غاية، إذا أخذنا بعين الاعتبار الفترة التاريخية خاصة،التي كتب خلالها هذا الكاتب، (القرن التاسع عشر). وهي فترة متسمة بمحاولةإعادة الاعتبار إلى الذات العربية بكل الوسائل، حتى ولو كان الأمر عبر الحلمبلحظات تاريخية ماضية، تتلألأ سماؤها، بر الحكاية، بإنجازات عربية مشرفة.الحكاية لا تتشكل في جارات أبي موسى كمعطى سهل التناول، كما يبدولنا من أول وهلة. إنها طبقات نصية تتأسس وفق خطابات متعددة، تتعالق أكثرمما تتجاور لتكتسب قيمتها الفنية، وترفض بذلك التصنيف الأحادي الذي قديجعل منها رواية تاريخية.لا أحد ينكر ظلال التاريخ في هذا النص الروائي، فجنس الرواية نفسهيقتضي ذلك لأن الرواية تاريخ اجتماعي كما يقول لوكاتش 9، وجارات أبيموسى تعتمد أحداثا تاريخية لا تسردها بشكل تصاعدي يجعلها بؤرة العمل،ولكنها تبثها هنا وهناك لتشتغل بذلك كمزمنات (وهي كل الوحدات التي تفيدمعنى الزمن) تسعف على التجذير التاريخي 10 . إنها إشارات مختزلة، كالإشارةإلى غرق الأسطول السلطاني وعلاقة الصلح بين قبيلتين، والمجاعة وكل مايحيل عبر الوصف على فضاء قديم (يتعلق في النص بالعهد المريني على يدابي الحسن وابنه ابي عنان ). وربما هذا راجع إلى التخييل الذي يجعل الروايةتنفلت من أسر الاشتغال كمجاز خطابي للتاريخ وإعادة صياغة له » 11 . فإذا كانتكتابة التاريخ نفسها تتجاوز فن الإخبار لتصبح فعلا تأمليا وإدراكيا 12 فما بالنابالكتابة الروائية التي أساسها التخييل والانزياح عن الواقع .يأتي التاريخ إلى النص عبر مصفاة وعي إبداعي تشاكلت فيه ثقافاتمختلفة للكاتب. مما جعله لا يكون المحور والغاية، ولكنه إطار لأحداث مختلفةتكشف عن الهموم والقضايا التي تشغل بال الكاتب.21إن التاريخ الحقيقي في هذا النص، هو تاريخ انتكاسة الذات وتدهورها,لأن الرواية – ولكي نوضح التعريف السابق أكثر – سيرة ذاتية قبل أن تكونتاريخا اجتماعيا 13 . هكذا يعود النص إلى التاريخ، لا ليؤكد مصداقية الحكاية،وليكتب « التاريخ الرسمي الموثق للملوك والأمراء والقادة العسكريين رغم بعضانعكاسات ذلك في فصول محددة على شكل أوصاف، وإشارات سريعة » 14 وإنماليكتب عن الفرد المقهور في عالم هجين بؤرته المهمش والضعيف والمحتقر. إنالرواية وفي كثير من الأحيان تهمش التاريخ لتتيح المجال لتناقضات المجتمع،فمجيئ الجورائي كحدث تبتدئ به الرواية يفترض تهيئ القارئ لاستقبال حدثسياسي ستعمل الرواية على تسريده وتأثيثه، لكنه ينتبه- أي القارئ- إلى تواريالتاريخ وإعلاء الحكاية المستمدة من المحكي الشعبي والقائمة على تبئير بعض. الأخلاق كالحيلة والمكر والدسيسة 15إن العودة إلى التاريخ لا تكون من أجل تثمينه، أو اتخاذه لحظة يخلد إليهاالكاتب الضمني كبديل للحاضر والراهن. التاريخ في النص لحظة تأمل في زمنقد يتكرر بانكسارته وأوهامه وضعفه، ولكنه في الوقت نفسه، خطوة إلى الوراءتعيد النظر في الذات والآخر، كما تكون لحظة تقترح الفعل ووسائل تجاوزالنشاز الذي تعيشه الذات في علاقتها بالعالم.-2-3 الرواية والحكايةتعمل الرواية على مستوى البناء على استلهام هيكلة معظم فصولها منالحكاية الشعبية، بحيث تنتهي في معظم الأحيان بتدهور يليه تحسن. وتكونالشخصية المحورية (شامة) مدعوة في أحيان كثيرة إلى مواجهة عقبات تكللبالنجاح، شأن البطل في الحكاية الشعبية. إن ما يجمع بين البنيتين هو التدهورالذي يطال البطل، لكنهما يختلفان في طبيعته. فهو في الحكاية لحظة معزولةتطال فردا واحدا، فيكون الصراع بذلك بين الخير والشر، لكنه في جارات أبي22موسى تدهور يطال النموذج ليتحقق الصراع بين الإنسان ونظام سياسي قائم أوبعض تجلياته. كما أن الرواية تستمد من الحكاية عباراتها وأساليبها كالتذكيربالحدث أو تلخيصه. وتصبح الرواية من خلال بعض أحداثها عجائبية تضعالقارئ بين عتبتي الخيال والواقع كإشارة بعض الحجاج إلى تواجد أبي موسىفي الحج في الوقت ذاته الذي أكد سكان مدينة سلا وجوده بها.-3-3 المنقبةتستعير الرواية بعض عناصرها البنائية من المنقبة باعتبارها أدبا لهخصائص تميزه، أهمها الشخصيات وما تأتيه من أفعال تخرج عن المعقولوالمنطق، وتعكس القدرات الخارقة التي تأتيها الشخصية باعتبارها شخصية ذاتكرامات. نصادف في النص شخصيتين 16 هما المجذوب وأبو موسى. يتفاوتالنص في التعريف بهما؛ لأننا إذا كنا لا نتعامل مع الشخصية الأولى إلا خلاللحظة عابرة، (الإشارة إلى كرامته المتجلية في رتق سفينة السلطان بعد أنتعرضت للغرق) فإن حضور أبي موسى له وزنه وقوته في الرواية خاصةالأجزاء الأخيرة منها. وتجدر الإشارة إلى أنه لا يبأر كشخصية ذات كراماتمنذ البداية. فهو يقتحم عالم الرواية كشخص غامض معزول لا يكلم أحدا، ولايعرف عنه الآخرون أشياء كثيرة. ولن يخبرنا النص عن كرامته إلا بعد أننتقدم كثيرا في القراءة، إذ ندرك كيف استطاع أبو موسى وهو في مغارته، أنيسلط على العامل جرمون حكة 17 ، عندما أراد أن ينال من شرف شامة بعداقتيادها إلى بيته. ولا أحد يدرك هذه الكرامة، ولا تخبر شامة غيرها بالخبر إلاعندما تقترب الرواية من نهايتها.تتجسد في الشخصيتين معا بعض السمات التي تطال الشخصية في النصالمنقبي، كالخلوة وشظف العيش، (وهو ما يخبرنا النص به عن أبي موسى الذييقضي يومه في مغارة خارج المدينة يقتات من أعشاب البحر)، والكرامات،23وخرق القوانين الطبيعية، وتميز الأفعال والأخلاق التي ترقى بصاحب الكرامةإلى مصاف الأولياء. 18 لكن الرواية تعمل دوما على الحفاظ على خصائصهاباعتبارها نصا روائيا. وهذا ما يتجلى لنا عبر مجموعة من العناصر:-1 التهميش السردي للشخصيتين: فإذا كانت المنقبة تخصص موضوعهالسيرة شخص، أو لحظات في حياته يكون الآخر شاهدا على تميزها، فإنالرواية لا تتخذهما بؤرة السرد؛ فحضور المجذوب يكون عابرا، كما أن أباموسى لا يشكل محور السرد.-2 مصدر الحديث عن الكرامات، وهم عامة الناس حتى ليبدو للقارئوهو يتابع أخبار الشخصية أن الأمر يتعلق بحكاية عجيبة، أو خرافة وهو ماينمي الاعتقاد بعدم صدق الحكاية. وهذا ما يختلف مع ترجمات المتصوفة حيثيحيل المترجم صراحة إلى مصدر معلوماته، وما يؤمن شرعية كلامه كأنيقول: حدثني عبد الله بن أبي بكر وكان رجلا صالحا أو حدثني الثقة، أو غيرواحد من الثقاة 19-3 الاسترجاع بحيث لا نلاحظ تزامن وقوع الحدث ونقله سرديا،فالحديث عن الكرامة يأتي عبر الاسترجاع، كما أن النص لا يهيئنا لاستقبالها .تساعدنا هذه الإستراتيجية في توظيف النص المنقبي على تأكيد ما قلناهسابقا عن الرواية من حيث هي نص يسعى إلى تأكيد روائيته. فهولا يحاور هذهالبنية من أجل الدفاع عن حقائق خارج نصية، وإنما يستعير منها ما يساعدهعلى بناء لحظة روائية وتشخيصها، وهي كما يقول محمد مفتاح « التوتر الذينجده في كثير من تراجم الصوفية… التوتر الذي يكون مصدر استغرابودهشة، لأنه يوحي بخرق بعض القوانين الطبيعية والسلوك الاجتماعيالمتعارف عليه، ويوحي بالتناقض وما هو بالتناقض 20 « . فنحن في الرواية إزاء24عالم متوتر وفوضى لا تصدق، نسوق بعض مظاهرهما من خلال هذا المقطعالذي يحاور بنية النص القرآني: »زلزلت المدينة زلزالها لما نزل من الإفلاس بتجارة فندق الزيت، وقدتوقع كل من في سلا أن تظهر لهذا الإفلاس عواقب مفجعة على مكوس السلطانمما كان يجبى له من هذا البلد وعلى معيشة الناس خاصة، فباضمحلالالمبادلات في فندق الزيت ذهبت أرزاق التجار والسماسرة وكتاب التقاليدوالعقود والصناع وأصحاب الرباع والأكرية وتفجع له حتى النقالون على البغالوالحمير والحمالون على ظهورهم والوازنون والخراصون والعيارون وحتىالمسادون في الحمامات وبائعات الخبز وصناع القفف وأظرفة الدوم والتلاليسوالشواءؤن …. ». 21إننا إزاء عالم به من التناقضات الشيء الذي يؤدي إلى الدهشة وعدمالتصديق، ينقلها السارد في كثير من الأحيان عبر سخرية مضمرة تخفي بينثناياها سخطا وتذمرا كما نجد في الحوار الذي دار بين النقيب الذي تدخل منأجل فك أسر علي زوج شامة، و بين أحد قضاة العامل:- « قال النقيب: وكيف البينة عليه في التحريض على هجرة التجاروالإضرار بمداخل بيت المال؟- قال المدهون: سفر موكله .. وكان ممن نفقت بنشاطهم تجارة سلاوقبوله تدبير تجارته وهو غير مؤهل لذلك وإدلاؤه ببيانات مكذوبة حول أرباحهوتشجيعه على هجرة بيدرو الذي وكله هو ثم هجرة ثلاثة من التجار كلهم تأثروابخسارته وبما أفسد من سمعة فندق الزيت ….النقيب: وما البينة عليه في شرب الخمر وعدم حسن إسلامه؟المدهون: أما شرب الخمر فأثبتناه من زق وجده الأعوان بمخزنتجارته، وقد عرضناه على المحتسب فأجاب ذوو الخبرة من أصحابه بأنه آنية25من عمل مالقة استعملت لحمل الخمرة مدة جعلتها تتشبع بها، قال ذلك من لهالمهارة بالشم وبعرض شقاق الآنية على النار على طريقة خاصة » 22وتتوالى أقوال القاضي معتمدة التوثيق والحجة دون أن يخفى علىالقارئ كذبه، وبطلان كلامه لأن النص، وهذه من سماته، يسعى دوما إلى إمدادالقارئ بمعرفة يقينية.فنحن لا نلمس سخرية مباشرة وإنما محاكاة ساخرة تركز على تصوير. الأسلوب الفقهي المتمنطق 23إن الرواية لا تحاور النص المنقبي لتأكيد مصداقيته، ولكنها تستعيرهكموقف من العالم ورؤيا تعكس الرفض لأخلاق وسلوكات وأفعال تعمل علىتدهور الفرد وانحطاطه، كما أنها لا تعمل على تقديسه وتثمينه باعتباره يطرحالعالم البديل القادر على تجاوز العالم المعاصر وثقافته، وإنما تستعيره كسلوكيتيح التواصل مع العالم، وينفي القطيعة التي تجعل الآخر غير مقبولومرفوض، يعكس ذلك إصرار شامة على البقاء في الفندق رغم ساكنته منالنساء اللواتي وكما تخبرنا الرواية: »لو أتاح الحاكم للعامة أن تقيم لهن موقدا جماعيا لأحالوهن إلى رماد وسطجمع مائج تعلوه التهاليل ويكشر فيه عن أنياب وتنتفخ فيه الأوداج ويخرج الزبد. من الأفواه وتجحظ الأعين وتشبع الغرائز الوحشية بتأجيج وقود النار » 24سنتبين أكثر دور هذه البنية النصية في إنتاج المعنى وتأصيل الخطابالروائي، من خلال وقوفنا على طبقة نصية أخرى هي الكرنفال.والكرنفال ليس ظاهرة أدبية وإنما شكل تمثيلي ذو طبيعة شعائرية له لغتهالخاصة 25 ، وقواعده المميزة التي سنبحث عن بعض ظلالها في هذه الرواية.له حضور أيضا في ثقافتنا المغربية يتجلى من خلال الاحتفالات الدينيةالتنكرية مثل عاشوراء أو عيد الأضحى في مناطق مختلفة من المغرب، أو من26خلال ما يعرف باحتفالات سلطان الطلبة. وهو الطقس التنكري المحاكي الذييتيح للطلبة خلال يوم واحد أن يمارسوا شعائر الملك وطقوسه بكل حرية. كمالا ننكر أن ثقافة الكاتب الحديثة لها دور في استثمار هذا المكون. استثمار لايهدف إلى التجريب أو التأصيل فحسب، لكنه وسيلة تمكن الكاتب من إدراجموقفه ووجهات نظره. فكيف يشتغل؟ وما هي تجلياته ؟-4-3 الروح الكرنفاليةإن أهم ما يميز الرواية ويحقق خصوصيتها كرواية هي الروح الكرنفاليةالتي تسعى إلى إشاعتها في سلوك الشخصيات وفضاءاتها.وأول تجل لهذه الروح الكرنفالية هو فضاء الفندق. حيث يكون فضاءالتقاء شخصيات تقوم على عدم التكافؤ المتمثل عبر تناقضات عدة، منهاالاستقرار /التنقل، المقدس / المدنس، السامي/ والوضيع، لينعدم بذلك التمايزالمفترض بين الناس خارج الحياة العادية. هكذا تتوزع شخصيات الفندق، أويمكن تصنيفها. فإلى جانب شامة – وهي شخصية سامية اجتماعيا وأخلاقيا،لأنها محضية الأسياد والأمراء والملوك، والملمة بكل ما يستدعيه فضاء القصورمن علم، وحسن تصرف، بالإضافة إلى ثقافتها الدينية التي تجعل منها شخصيةورعة – نجد زوجها الثاني علي، المعروف بتقواه وصبره رغم ما تعرض لهمن محن ومضايقات من طرف عامل المدينة، وأبا موسى الشخصية المتصوفة.في المقابل هناك :تودة وخوليا والنساء الست اللواتي التحقن بالفندق ومارسنكل شيء من أجل الاستمرار. تلك صورة عن حياة كرنفالية، خرجت عن خطهاالاعتيادي. إنها- وكما يقول باختين -، « في حدود معينة حياة مقلوبة، وعالممعكوس » 26 . فالفندق فضاء هجين يتعايش، أو لنقل يتجاور فيه نمطان من الحياة:واحدة خاضعة لنظام صارم وأخرى حرة مليئة بالدنس والاحتقار والمهانة.ويحضر التناقض أيضا في إطار هذا التصنيف، بحيث يصور أبا موسى27كشخص لا قيمة له: « رجل لا يشتغل عند أحد ولا يتكفف لأحد. يعيش منعساليج البحر 27 ، ثم كشخص له من الكرامات ما أخرج شامة من محنهاالعويصة. كذلك الشأن بالنسبة لعلي زوج شامة، فهو الورع الذي ينقطع عنالعالم لفساده، ويلوذ بالطبيعة متوسلا خلوة صوفية مع أبي موسى ليحتمي منبطش عامل المدينة، ويقع في نهاية النص الروائي في زلات الغواية، ليختفيدون أن نعلم عنه شيئا، سوى ما تجود به ذاكرة القارئ من مسارات سرديةممكنة ترسم تعدد النهايات أو مغايراتها المختلفة.وتتجلى إشاعة الروح الكرنفالية في تقلبات المصير الذي تخضع له معظمشخصيات النص الروائي، إذ تبئر الرواية في أحيان كثيرة شخصيات مثل شامة،وكبيرة ورقوش لتخبرنا عن حياتها، وما خضعت له من تحولات جعلتها تمرمن حالة إلى أخرى، وتكون الغاية من ذلك تصوير الواقع المعاصر والحياةاليومية. وتبلغ هذه الروح أوجها في نهاية الرواية عندما يخرج أبو موسى- وهوالرجل الصالح -مع نساء يمارسن الرذيلة والبغاء لصلاة الاستسقاء. تضعناالرواية بذلك أمام تصرفات يتعذر الكشف عنها في ظروف المجرى الاعتياديللحياة، كما تكشف عن خرق وتعارض مع الجدية الرسمية وما يقتضيه الوضعالديني والاجتماعي من شروط لأداء هذه الصلاة. لكن الأمر هنا ليس مجردخرق للعادي وحسب، وإنما هو لحظة بنائية في الرواية تعمل على طرح أحدجوانب أطروحتها، وعكس موقفها من العالم الداعي إلى التحرر من الخوفبطريقة كرنفالية. الخوف الذي كبل جميع شخصيات الرواية وجعلها تعيشخاضعة للعامل جرمون المعروف ببطشه، ودسائسه التي كانت وراء انتكاسةالمدينة وأهلها.28إنه موقف من العالم. يقرب العالم من الإنسان، والإنسان من الإنسان.وتعبير حر عن رفض سياسة تجعل من الحالة القائمة للحياة اليومية والنظامالاجتماعي حالة مطلقة وأبدية.إن نهاية الرواية هي أيضا محاولة لإشاعة ظلال من النسبية المرحة تدعوإلى التجديد، وربما في موت أبي موسى ما يؤكد ذلك، لأن الموت يوحي بولادةجديدة، وما اشتغال البحر كفضاء في النص إلا دليلا على تأكيد هذه التيمةفالبحر يرمز إلى التطهير والامتداد والتجدد.تقوم الروح الكرنفالية على الضحك، لكنه هنا ضحك مكتوم مختزل ،فنحنلا نسمع الضحك نفسه، وإنما أثره الذي نمسك به عبر تموجات ساخرة تعسكهامواقف توضع فيها الشخصية، تبين بجلاء التناقض بين أقوالها وأفعالها. وهوضحك عام يشمل الرموز لحملها على التجدد، نشير هنا على سبيل المثال إلىتحدي أبي موسى للعامل كرمون، وخروجه إلى الصلاة يوم الخميس بدل الجمعةمع النساء، وإلى تحدي الطبيعة للفقيه القائل: »اللهم إن هذا منكر/ النساء لا يخرجن لطلب الغيث، إنها بدعة، إنها معرة. لمدينتنا » 28لكن الرواية تخبرنا أنه: »وفي الليل المظلم رأى الناس في سلا نجوم السماء تختفي بعد توهج،وشعروا بنسيم غربي لم يعتادوه في زمن الشدة وبدأ المطر قطرا ثم انهمر،وصار وابلا قويا، ولم يصدق الناس ما يرون وما يسمعون حتى تيقنوا أنهالغيث….  » 2929خاتمةهكذا نخلص إلى أن النص، رغم ما يوحي به من بساطة البناء، فهو يخفيمن البنيات ما يجعله نصا روائيا يحاور نصوصا خارجية، يستفيد من بعضتقنياتها، ولكنه يدافع دوما عن بنيته، بحيث يخرج بالنص الخارجي عن أهدافه،كالتوثيق بالنسبة للتاريخ، وتأكيد الكرامة بالنسبة للمناقب، والبطولة بالنسبةللحكاية، موظفا في الآن نفسه آليات روائية عدة مثل الحوار والمنولوج، ويقدملنا من تقنيات الكتابة الروائية ما يجعله رواية تمثل انفتاحا مستمرا يتيح عند كلنهاية بداية جديدة. 30 إنها بنيات تميز النص وتجعله يمتلك خصوصيته كروايةتبحث عن نفسها، وترتبط بواقعها وتأسس هويتها، لكننا نلاحظ أنها في مسيرتهاتلك تدخل أيضا باب التجديد فيصبح الخطاب التراثي ذا وظيفة مزدوجة، تجعلهالأولى مساهما في خصوصية الرواية ومحليتها، وتجعله الثانية وسيلة من وسائلالتجديد، لأن الروائي العربي عامة، توجه نحو التراث خلال مرحلة أصبح فيهاالأسلوب الواقعي أسلوبا مبتذلا، وأصبحت الحاجة إلى تجديد الخطاب الروائيملحة .فنحت بذلك الرواية منحيين:- منحى دفعها إلى الاهتمام بالتراث لاستلهام مادته وأسلوبه،- ومنحى آثر الكتابة الغربية وما تتيحه من وسائل وتقنيات تسهم فيالخروج من مأزق الخطاب الكلاسيكي.وقد كان التوجه إلى الخطاب التراثي ناجعا ،لغنى تراثنا العربي وتنوعهبتنوع المناطق العربية والمغربية وتوزعه بين خطاب تراثي شفاهي وآخرمكتوب،جعل الرواية تنفتح على آفاق واسعة وفضاءات رحبة، همها ليسالاحتفاء بالتراث، وإنما إعادة توظيفه لاكتشاف طاقاته الفنية واستثمارها، ولجعلهموقفا ورؤيا للعالم عبرها يكشف الروائي عن قضايا متعددة، وأسئلة شائكة.وهكذا مكنت هذه النصوص التراثية رواية جارات أبي موسى من التذكير ببعض30اللحظات المعتمة في التاريخ المغربي (خاصة وان التاريخ الرسمي لا يقفسوى على اللحظات المشرقة)، بما فيها الظلم والفقر والتهميش الذي عاشهالإنسان المغربي، وهي حالات تجد لها امتدادا في الحاضر. كما مكن التراث منإعادة النظر في بعض الثوابت والمقدسات التي صنعتها عقلية مخزنية، وجعلالرواية تقول ما لا يمكن قوله في الحالات الاعتيادية، وداخل الحياة اليومية.وبهذا يمكننا أن نقول إن رواية جارات ابي موسى استطاعت أن تصور الضعفوالهزيمة والاختلال، وأن تدعو إلى التحرر من الخوف لمواجهة ما نراه ثابتاومقدسا قصد التغيير والتجديد، بلغة رصينة بعيدة عن الخطابات الإيديولوجيةالمندفعة.وبطريقة غير مصطنعة تبتعد عن استثمار التراث بطريقة تعسفية تثقلالنص وتلغي روائيته. فالتراث ركيزة أساس في بناء الرواية عبر التجذيرالتاريخي، وعبر السجل اللغوي، لكن الكاتب استطاع أن يصوغ ذلك في قالبروائي جعل تلك البنيات تتداخل وتنصهر لتشكل كلا روائيا منسجما. مما يعنيأن تأصيل الرواية يقتضي معرفة بالتراث أولا ،ومرونة في المواقف إزاء مايطرحه من قضايا في أفق استفادة جيدة وإضافة مثمرة. تمكن الرواية منالاستمرار والتجدد، بدل السقوط في المحاكاة التي قد تؤدي بها إلى طريقمسدود.31الهوامش1 – محمد رياض وتار: توظيف التراث في الرواية العربية المعاصرة، دمشق، منشورات اتحادالكتاب العرب، 2002 ، ص : 72 – هذا لا ينفي وجو بعض الكتابات التي اتخذت من التاريخ سواء المغربي أم العام موضوعا لهاقبل هذه الفترة. ولكنها نماذج متفرقة وقليلة لا تعتمد في القول بالوعي بالكتابة التراثية. نذكر وزيرغرناطة لعبد الهادي بوطالب خلال الستينات ،و دفنا الماضي والمعلم علي لعبد الكريم غلاب، والريحالشتوية لمبارك ربيع.3 -Genette ( G) : Figures III ,Edition du Seuil, Paris 1972 P : 192.-4 نفسه، ص: 1925 – د.فوزي الزمرلي : شعرية الرواية العربية. بحث في أشكال تأصيل الرواية العربية ودلالاتها،دمشق، مؤسسة القدموس الثقافية، 2007 . ص : 106 – ابن الزيات، أبو يعقوب يوسف بن يحيى التادلي: التشوف إلى رجال التصوف وأخبار أبي، العباس السبتي. تحقيق احمد أحمد التوفيق، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط 19847 – سعيد يقطين: صورة المرأة في رواية جارات أبي موسى انظر موقع الكاتب على صفحاتالأنترنيت8 – تبنى الحكاية على التشويق والاهتمام بالموضوع العاطفي9 – Gorge. Lukacs : La théorie du roman .trad .de l’allemand par JeanClairevoye,Paris .Gonthier, 1963,p50انظر l’ancrage historique : 10 – ونعني بهGreimas(A.J),Courtes( J) : Sémiotique, dictionnaire raisonné de la théorie dulangage, Hahette,Paris,1979, p16. 11 – محمد القاضي: الرواية والتاريخ.. دراسات في تخييل المرجعي تونس دار المعرفة، 2008ص: 6712 المرجع نفسه ص » 6613 -Ibid2000 -14 أحمد اليابوري : في الرواية العربية، التكون والاشتغال شركة النشر والتوزيع ط 1-15 انظر بداية الرواية3216 – ركزنا على الشخصيات التي ذكرت لها كرامات. وهذا لا ينفي وجود شخصيات تلون بسماتتقترب في جوهرها بالصفات الصوفية. ونذكر على سبيل المثال شامة.-17 انظر الرواية ص: 10718 –  » : هناك مقاطع عدة تشير إلى صفاته منها  » كأنه في التقاطه للعساليج من الشاطئ يقوم بعبادةما بسكينة تامة لا فورة فيها » (ص 98 )، « وأسنانه البراقة ليست عادية. ولا في حال من يعيشونعيشته  » 100 ، و »عينيه الرحيمتين ووجهه النوراني » (ص ( 186 )، « وهو بعد أن قضى الليل مستيقظاًمتعبداً لم يظهر عليه: أثر نوم ولا أثر إجهاد أو إعياء » (ص 101 )،  » « ولا شيء يكدر صفو قلبهإذن، ولا غشاوة على بصره الذي ينظر إلى الحقيقة ص: 96-19 انظر في هذا الصدد ابن الزيات أبو يعقوب يوسف بن يحيى التادلي: التشوف إلى رجالالتصوف وأخبار أبي العباس السبتي، تحقيق أحمد التوفيق منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية.142- 1984 ، ص: 144 ، ط 1-20 محمد مفتاح: الواقع والعالم الممكن في المناقب الصوفية ص 34 انظر التاريخ وأدب المناقبمنشورات الجمعية المغربية للبحث التاريخي 1989. -21 الرواية، ص: 125-22 نفسه، ص: 141،1993– -23 اليابوري أحمد: دينامية النص الروائي. الرباط، منشورات اتحاد كتاب المغرب .ط 1ص، 126-24 الرواية: ص: 165-25 باختين: شعرية دوستويفسكي، ترجمة جميل نصيف التكريتي. مراجعة حياة شرارة، الدارالبيضاء، دار تبقال للنشر، 1986 ، ص 179-26 باختين (ميخائيل): شعرية دوستوفسكي، ص : 180-27 الرواية، ص: 6528 – الرواية، ص: 19029 – نفسه، ص: 190. -30 اليابوري : مرجع سبق ذكره، ص 51

شارك Share Partager

Laisser un commentaire